أظهرت نسبة الاقتراع الضئيلة في الانتخابات التشريعية في مايو/أيار 2007 (نحو 36 في المئة مقارنة ب65 في المئة في انتخابات 1997) أنّ الجزائريين لا يزالون يعتبرون أنّ أصواتهم لا تحدث فرقاً. من الواضح أنّ القوّة هي في مكان آخر غير الهيئة التشريعية المنتخبة. لكن في حين أنّه كان من الجليّ لسنوات عدّة أنّها في يد العسكر، غيّر الرئيس بوتفليقة بمهارة هيكليّة القوّة السياسية خلال عهده.
الميزة الأساسية للدولة الجزائرية هي أنّ المؤسسة المحورية في المرحلة ما بعد الكولونيالية كانت جهازاً قمعياً – القوات المسلّحة – وليس مؤسّسة مدنية. عندما انتهت حرب التحرير الجزائرية عام 1962، ظهر الجيش في صورة المجموعة المنظّمة الوحيدة. ملأ الفراغ الذي خلّفه حكّام الاستعمار، فتحوّل منذ البداية القوّة المحفِّزة وراء بناء الدولة والتحديث. الآن تؤدّي المراتب العليا في المؤسّسة العسكرية دوراً أساسياً في الحياة السياسية للبلاد من خلال ضّباط برُتب عالية يتولّون مناصب عامّة، كما أنّها تشكّل وسائل غير مباشرة للتأثير في السياسة. يعتبر الجيش أنّه المؤسّسة الوحيدة التي تتمتّع تاريخياً بالشرعية لممارسة السلطة كاملةً. غالباً ما يُردَّد أنّ الدولة لا تملك جيشاً بل الجيش هو الذي يملك دولته الخاصة.
بعد أعمال الشغب في أكتوبر/تشرين الأوّل 1998، بدأ النظام بالانفتاح. سحب الجيش الوطني الشعبي ممثّليه من المكتب السياسي واللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطنية كجزء من عملية سريعة للانفتاح السياسي والتعدّدية. لكن سرعان ما انتهت هذه النزعة عندما تدخّل الجيش لإلغاء الانتخابات التشريعية عام 1991 التي كانت أوّل اقتراع ديمقراطي في المرحلة ما بعد الكولونيالية، وذلك بسبب اقتراب جبهة الإنقاذ الإسلامية من الفوز. أصبح الحكم العسكري أكثر وضوحاً من أيّ وقت آخر خلال الحرب الأهلية التي أعقبت إلغاء الانتخابات، حيث جرى تطبيق قانون الطوارئ.
منذ تسلّمه السلطة، سعى الرئيس بوتفليقة جاهداً لقطع الرابط التقليدي بين هيكليّة النفوذ والعسكر. حتّى خلال حملته الرئاسية عام 1999 – حيث دعمه الجيش وانسحب كلّ المرشّحين الآخرين – وجّه بوتفليقة رسائل إلى الجيش حول وجوب تغيير العلاقة بين المدني والعسكري. يعتبر بوتفليقة أنّ الجيش انتحل صلاحيات من خارج الدستور أثناء الظروف الاستثنائية والمؤلمة للحرب الأهلية. وقال إنّه بموجب الدستور، يجب أن يكون الجيش تحت سلطة الرئيس.
خلال ولايته الرئاسية الأولى، استطاع بوتفليقة أن يقلّص تدخّل العسكر في السياسة. في بداية رئاسته، سعى جاهداً للسيطرة على التعيينات الوزارية، واحتجّ في مرحلة معيّنة على أنّه لن يقبل بأن يكون "ثلاثة أرباع رئيس". وسعياً منه إلى تعزيز شعبيّته، انتقد علناً إلغاء الانتخابات عام 1991 واصفاً الأمر ب"العمل العنيف". وبدأ تدريجاً تعيين حلفاء شخصيين وسياسيين في مناصب رفيعة في الوزارات والمؤسّسات الإقليمية، وأطلق في الوقت نفسه عمليّة تبديل في القيادة العليا للجيش من أجل تعيين أشخاص أوفياء له في المناصب الأكثر قدرة على تقويض جهوده.
مع الوقت، بدأت جهود بوتفليقة تثمر. في مايو/أيار 2003، أعلن رئيس هيئة الأركان الجنرال محمد لماري أنّه لن يكون للجيش مرشّح مفضّل في الانتخابات الرئاسية عام 2004، وأنّه مستعدّ حتّى لقبول رئيس إسلامي شرط أن يكون ملتزماً بالحفاظ على المؤسّسات الديمقراطية للدولة الجزائرية. انتُخِب بوتفليقة من جديد، وأفاد من صلاحيّاته الدستورية عبر استحداث منصب الأمين العام في وزارة الدفاع. وكان المؤشّر الآخر عن تثبيت بوتفليقة لسيطرته استقالة لاماري رسمياً، وقد استُبدِل بصديق بوتفليقة المقرّب الجنرال أحمد صلاح غايد. واستطاع بوتفليقة أيضاً أن يثبّت سلطته على وزارة الدفاع عبر تعيين اللواء المتقاعد عبد المالك قنايزية في منصب نائب الوزير المستحدث.
بينما تشارف ولاية بوتفليقة الثانية على الانتهاء، من الواضح أنّه قلّص نفوذ العسكر على الرئاسة. لكنّه فعل ذلك من أجل زيادة حرية التحرّك التي يملكها وليس من أجل نشر الديمقراطية في الجزائر. الآن وبما أنّ هناك احتمالاً بتعديل الدستور للسماح للرئيس بالبقاء لأكثر من ولايتين، تنضمّ الجزائر إلى صفوف الدول العربية والشمال أفريقية التي تواجه مشكلة تركّز القوّة المفرطة في يد حاكم أوحد.
في مختلف أنحاء العالم العربي، تبقى سيطرة القوّات المسلّحة والوكالات الاستخبارية والشرطة على المؤسّسات عائقاً أساسياً أمام التغيير. يجب تخفيف هذه السيطرة تدريجاً تمهيدا لإلغائها في شكل كامل من أجل تحقيق التحوّلات الديمقراطية.

رشيد تلمساني باحث زائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت وأستاذ في العلوم السياسة في جامعة الجزائر.