مصر: غياب الإصلاح السياسي قوّض الإصلاح الاقتصادي

مصر: غياب الإصلاح السياسي قوّض الإصلاح الاقتصادي
مقال تحليلي
ملخّص
تواجه الإصلاحات الاقتصادية المصرية، التي التزمت بها واشنطن طوال عقود، خطر الانهيار لغياب إصلاحات سياسية جدّية.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 
إحدى المفارقات القصوى في إرث السياسة الأمريكية في مصر هي أن الإصلاحات الاقتصادية التي استثمرت فيها واشنطن طوال عقود مهدّدة بالانهيار بسبب غياب الإصلاحات السياسية الجدّية. لقد نشطت الولايات المتحدة منذ السبعينات في السعي إلى تحقيق الإصلاح الاقتصادي في مصر، فقدّمت مساعدات عسكرية واقتصادية تصل إلى عشرات مليارات الدولارات إلى جانب محفّزات أخرى (منها الشراكة بين آل غور ومبارك مثلاً، والاستعداد لمحادثات التجارة الحرة) من أجل ممالقة المسؤولين المصريين وإقناعهم باتّخاذ خطوات لتشجيع الصناعة الخاصة والابتعاد تدريجاً عن الاقتصاد المؤمَّم. بيد أن المسؤولين الأمريكيين لم يُظهروا تفانياً مماثلاً في ترويج التحرير السياسي، ظناً منهم، عن خطأ، أنه من شأن الإصلاحات الاقتصادية أن تمهّد في نهاية المطاف الطريق أمام الإصلاحات السياسية. 
 
أما الآن فقد قلبت الانتفاضة المصرية منطق إعطاء الأولوية للإصلاحات الاقتصادية على الإصلاحات السياسية رأساً على عقب، وأكثر من ذلك، جرّدت برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي طبّقه الرئيس السابق حسني مبارك بتصفيق من الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، من مصداقيّته. وفي مجهود يهدف إلى مساعدة الاقتصاد المصري على الوقوف على قدمَيه من جديد، تجد إدارة أوباما نفسها في وضع غير مريح تُضطَرّ معه إلى تمويل برامج اقتصادية تتعارض مع مبادئ السوق الحرّة.
 
أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في 17 فبراير/شباط أن الولايات المتحدة تعمل على جمع رزمة مساعدات طارئة أوّلية قدرها 150 مليون دولار، وقد توجّه مساعد وزيرة الخارجية ويليام برنز والمستشار الاقتصادي في البيت الأبيض ديفيد ليبتون إلى القاهرة هذا الأسبوع لمناقشة الشروط. وقد طمأن وزير المال المصري، سمير رضوان، برنز في 22 فبراير/شباط إلى أن الحكومة الانتقالية لن تتراجع عن الإصلاح الاقتصادي أو تُغيّر الفلسفة الاقتصادية الأساسية التي انتهجها مبارك منذ عام 2004.
 
لكن لن يكون من السهل تغيير النظام السياسي في مصر فيما يتم الإبقاء على التوجّه الاقتصادي للنظام القديم، حتى ولو كان ذلك التوجّه نقطة مشرقة في إرث مبارك المخيِّب على الأصعدة الأخرى. صحيح أنه كان للحزب الوطني الديموقراطي سجلّ مريع في الإصلاح السياسي، لكنه نجح في مسألة واحدة: إخراج الاقتصاد المصري من نموذج التأميم الذي بناه جمال عبد الناصر والتحوّل نحو منظومة سوق حرّة تؤمّن بيئة مؤاتية للاستثمارات الأجنبية ومندمجة في الاقتصاد العالمي. وقد ساعدت الإصلاحات النيوليبرالية التي طبّقها الحزب الوطني الديموقراطي مصر على تحقيق معدّل نمو مطّرد في إجمالي الناتج المحلي بلغ سبعة في المئة بين 2005 و2008. وبفضل الجهود التي بذلها الحزب للحدّ من العقبات البيروقراطية أمام ريادة الأعمال، يقتضي إطلاق عمل جديد في مصر اليوم سبعة أيام فقط مقارنة بستّع أسابيع تقريباً عام 1995، وفقاً لتقديرات البنك الدولي.
 
لكن لسوء الحظ، تضمّن الإصلاح الاقتصادي كما طبّقه الحزب الوطني الديموقراطي جرعة كبيرة أيضاً من الزبائنية والفساد، بما في ذلك اقتطاع أراضٍ تابعة للدولة لتنفيذ مشاريع خاصة عليها، ومنح قروض ميسَّرة للنخبة الحاكمة، وإفادة أقطاب النظام من صفقات تفضيلية جداً في مجال خصخصة الصناعات الحكومية. وأظهر التدافع غير اللائق للحصول على ترشيح الحزب الوطني الديموقراطي للانتخابات التشريعية في 10 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن الحزب الحاكم بات يُعتبَر طريقاً أكيداً لجمع الثروات. في هذه الأثناء، كان المصريون العاديون يعانون من ارتفاع البطالة وأسعار السلع الأساسية، وبدأوا يتنبّهون أكثر فأكثر إلى التفاوت المؤلم في توزيع المنافع المادّية للإصلاح الاقتصادي.
 
منذ اندلاع الانتفاضة في 25 يناير/كانون الثاني واستقالة مبارك بعد ثلاثة أسابيع، أظهر المصريون تصميماً شديداً على تفكيك النظام القديم وكل ما يتّصل به، بما في ذلك الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية. وقد عمد مبارك، في إطار الخطوات الأولى التي اتّخذها لكبح الاضطرابات، إلى إقالة الوزراء المعروفين بوضع أجندة السوق الحرّة، بينهم رئيس الوزراء أحمد نظيف ووزير التجارة رشيد محمد رشيد وكذلك العضور البارز في الحزب الوطني الديموقراطي، الملياردير أحمد عز. ولاحقاً جمّدت الحكومة المصرية أرصدتهم وتجري ملاحقتهم قضائياً بتهمة الفساد.
 
والآن بعد تطهير الحكومة المصرية من مؤيّدي رأسمالية السوق الحرة، ظهرت الشعبوية الاقتصادية بديلاً مفحماً عن السياسات النيوليبرالية المرتبطة بالنظام القديم. وإزاء الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، سيكون من الصعب على القيادة الجديدة في مصر مقاومة النزعات الشعبوية. ربما غادر المتظاهرون ميدان التحرير، بيد أن الاقتصاد المصري لا يزال يترنّح تحت وطأة الإضرابات العمّالية التي تشلّ البلاد، والسوق المالية المجمَّدة، وهروب الرساميل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية. ومع أن التداعيات الاقتصادية المدمِّرة للاضطرابات السياسية لا تزال في بدايتها، خسرت مصر مردوداً تفوق قيمته 15 مليار دولار منذ بدء التظاهرات في 25 يناير/كانون الثاني، وفقاً لمسؤولين في وزارة الخارجية.
 
وفي الأشهر المقبلة، سيواجه المجلس العسكري الحاكم في مصر ضغوطاً متزايدة من الرأي العام لاتّخاذ تدابير إغاثة فورية من خلال الإعانات المادّية وإجراءات أخرى للرعاية الاجتماعية. بالفعل، أظهرت الحكومة المؤقّتة ميلاً واضحاً إلى الشعبوية الاقتصادية، فقد وعدت بزيادة الرواتب الحكومية بمعدّل 15 في المئة وتقديم تعويض شهري قدره 1500 جنيه مصري (نحو 255 دولار أمريكي) لعائلات المتظاهرين الذين قُتِلوا خلال الاحتجاجات.
 
فضلاً عن ذلك، ليست المطالبة الشعبية بالمعونة العامل الوحيد الذي يدفع القيادة المصرية نحو الشعبوية الاقتصادية. فلدى المجلس العسكري المكلَّف الإشراف على العملية الانتقالية الراهنة مصلحة مالية أكيدة في العمل على العودة إلى النموذج الاقتصادي الخاضع لسيطرة الدولة الذي كان سائداً في ظل عبد الناصر. يسيطر الجيش المصري الذي يملك أمبراطورية أعمال شاسعة في القطاعَين العام والخاص، على ثلث الاقتصاد الوطني بحسب بعض التقديرات. ويؤمّن الجيش الذي يدير مجموعة هائلة من عمليات التصنيع والخدمات، مختلف الأشياء من خدمات مكافحة الآفات إلى الغسّالات، من دون تسديد ضرائب أو الكشف عن العائدات التي يُعتقَد أنها خيالية. لطالما أيّد المشير حسين طنطاوي، الناقد المخضرم لإصلاحات السوق الحرّة التي قادها الحزب الوطني الديموقراطي ورئيس المجلس العسكري الحاكم، تدخّل الحكومة في تحديد الأسعار والإنتاج. والآن بعدما باتت القوّات المسلّحة تسيطر على الحكومة في مصر كما على الاقتصاد، سوف يشعر طنطاوي بحافز أكبر لترويج سياسات تنظيمية من شأنها أن تعود بالمنفعة على أمبراطورية الأعمال التي يملكها الجيش. 
 
ربما لا مفرّ من تقديم مساعدات عاجلة إلى مصر الآن من أجل تمويل الإعانات المالية، لكن ينبغي على صانعي السياسات الأمريكيين والأوروبيين أن يحملوا أيضاً المسؤولين المصريين على التزام خطط أكثر استدامة من أجل إعادة إطلاق عجلة التنمية والإصلاح الاقتصاديَّين. لم يقدّم المتظاهرون ومجموعات المعارضة بعد برامج اقتصادية واضحة، وتركّزت التوصيات القليلة في السياسات التي رُفِعت حتى الآن على الانتقام من المسؤولين الفاسدين في الحزب الوطني الديموقراطي.
 
صحيح أن محاكمة الفاسدين خطوة مهمّة نحو إرساء عملية سياسية أكثر شفافية ومساءلة، لكن من غير الواقعي الاعتقاد بأن مصادرة المليارات الضائعة وإعادة توزيعها ستحلاّن المشاكل البنيوية الخطيرة التي تعاني منها مصر. علاوةً على ذلك، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تثني القادة الجدد في مصر عن قطع تعهّدات – مثل تعهّد عبد الناصر تأمين وظائف حكومية لكلّ الخرّيجين الجامعيين – من شأنها أن تلقي بأعباء لا تُحتمَل على كاهل الحكومات في المستقبل. ما تحتاج إليه مصر الآن هو خطّة عمل جديدة للتنمية المستدامة، على أن تضم سياسات لمعالجة عدم المساواة البنيوية وإصلاحات شاملة لإنعاش نظام تربوي متعثِّر فشل في تحضير الشبّان المصريين لسوق العمل التي تزداد تنافسية.
 
هذا وينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يستخلصوا من التجربة المصرية عبرةً يُطبّقونها في تعاملهم مع الحكومات الأخرى في المنطقة: قد لا تُحقِّق برامج الإصلاح الاقتصادي الاستدامة إلا إذا ترافقت مع تحسينات موازية في الظروف السياسية وسيادة القانون. ربما كانت منافع الإصلاح الاقتصادي البنيوي في مصر لتصل في نهاية المطاف إلى المواطنين في أسفل الطيف الاقتصادي الاجتماعي لو أن الوقت لم يداهم البرنامج بسبب التململ الشعبي المتعاظم من القمع.
 
ميشيل دن كبيرة الباحثين ومارا رفكين زميلة أبحاث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

 

End of document

About the Middle East Program

The Carnegie Middle East Program combines in-depth local knowledge with incisive comparative analysis to examine economic, sociopolitical, and strategic interests in the Arab world. Through detailed country studies and the exploration of key crosscutting themes, the Carnegie Middle East Program, in coordination with the Carnegie Middle East Center in Beirut, provides analysis and recommendations in both English and Arabic that are deeply informed by knowledge and views from the region. The program has special expertise in political reform and Islamist participation in pluralistic politics.

 
 
المصدر http://carnegieendowment.orghttp://carnegie-mec.org/2011/02/23/مصر-غياب-الإصلاح-السياسي-قو-ض-الإصلاح-الاقتصادي/bixc

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Endowment for International Peace
 
1779 Massachusetts Avenue NW Washington, DC 20036-2103 Phone: 202 483 7600 Fax: 202 483 1840
Please note...

You are leaving the website for the Carnegie-Tsinghua Center for Global Policy and entering a website for another of Carnegie's global centers.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。