منذ بداية عهده، شدّد الرئيس باراك أوباما على وجوب إبداء احترام أساسي للشرق الأوسط وفهمه، كما أظهر رغبة في بناء علاقة جديدة مع المنطقة. أعلن الرئيس أوباما للعالم الإسلامي في خطاب تنصيبه في يناير/كانون الثاني 2009، أن الولايات المتحدة تبحث عن "طريق جديد نحو الأمام بالاستناد إلى المصلحة والاحترام المتبادلَين"، وكرّر هذه العبارة في خطب لاحقة بما في ذلك في كلمته أمام البرلمان التركي في أبريل/نيسان 2009. وفي مقابلته التفلزيونية الأولى بعد تولّيه الرئاسة، تحدّث أوباما مع هشام ملحم من قناة العربية عن الحاجة إلى استعادة "الاحترام والشراكة اللذين كانا يربطان أمريكا بالعالم الإسلامي قبل 20 أو 30 عاماً".

غير أن الكثير من النقاد لاحظوا الغياب الواضح لأي ذكر صريح لكلمة "ديمقراطية" في خطب الإدارة الأمريكية وتصريحاتها في الأشهر القليلة الأولى. فغالباً ما كانت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تتحدّث عن الركائز الثلاث للانخراط الأمريكي مع العالم – الدفاع والدبلوماسية والتنمية – مما جعل الكثير يتساءلون إذا كان للديمقراطية مكان في خطط الإدارة الجديدة. وقد قامت وزيرة الخارجية بخطوة أولى نحو تصحيح الأمر عند لقائها مجموعة من الناشطين المصريين في مجال الديمقراطية في أواخر مايو/أيار، فقد أكدت: "نطرح دائماً موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان. إنهما ركيزة جوهرية في سياستنا الخارجية". وأعقب ذلك خطاب أوباما للعالم الإسلامي في القاهرة في يونيو/حزيران 2009 الذي اعتبر فيه بوضوح أن الديمقراطية هي واحد من سبعة تحديات أساسية، إلى جانب المسائل المتعلقة بحقوق المرأة وحرية المعتقد الديني.

على الرغم من أن الناشطين في مجال الديمقراطية في العالم العربي رحّبوا بهذا الدعم الخطابي المتأخّر، إلا أنهم شدّدوا على أن الأقوال وحدها ليست كافية ويجب دعمها بالسياسات والموارد. وفي حين تضمّن خطاب القاهرة بنوداً محدّدة وقابلة للتطبيق حول التنمية الاقتصادية والصحة والتعليم، فإن المقطع عن الديمقراطية افتقر في شكل لافت إلى التفاصيل المحدّدة. في المقابل، ركّز خطاب الرئيس أوباما في يوليو/تموز 2009 في غانا بقوة أكبر على الحاجة إلى دعم الديمقراطية في أفريقيا، وتضمّن تفاصيل كثيرة عن معالجة مسائل مثل القمع والفساد الحكومي والضوابط التشريعية والقضائية للسلطة التنفيذية وقدرة قوى المعارضة على التنظّم سياسياً.
تتذّكر الجماهير العربية جيداً خطاب الديمقراطية العالي النبرة الذي اعتمدته إدارة بوش، والذي اعتُبِر بأنه لم يترافق مع سياسات أو خطوات فعالة. لهذه الأسباب، ترتدي موازنة أوباما الأولى للسنة المالية 2010 أهمية خاصة، لأنها تشكّل أحد البراهين الملموسة الأولى عن الأولويات الجوهرية في سياسات الإدارة الجديدة. إذن ما الذي نستنتجه من هذه الموازنة؟

في شكل عام، توجّه موازنة الإدارة الأولى إشارات متفاوتة عن المكانة التي تشغلها الديمقراطية في أولويات الإدارة الأمريكية بالنسبة إلى المنطقة. من جهة، ارتفعت المستويات الإجمالية لتمويل برامج المساعدة الأمريكية لدعم الديمقراطية والحاكمية وحقوق الإنسان في العالم العربي. ويشمل ذلك زيادات كبيرة في تمويل برامج من هذا النوع تديرها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في لبنان والمغرب واليمن، وكذلك زيادات مطلوبة لتمويل مبادرة الشراكة الشرق أوسطية ومؤسسة تحدي الألفية تصل إلى أكثر من 70 في المائة.

لكن في الوقت نفسه، تطرح الموازنة أيضاً بعض المشاغل الجدية. ففي حين ازداد تمويل الديمقراطية في المنطقة بشكل عام، تراجع هذا التمويل للحليفَين العربيين الأساسيين، مصر والأردن، إلى حد كبير. فضلاً عن ذلك، جرى خفض تمويل المساعدات للديمقراطية التي تعطى لجمعيات أهلية مستقلة – بنسبة 29 في المائة في مختلف أنحاء العالم العربي – لصالح تمويل برامج الحاكمية وسيادة القانون التي تديرها الحكومات العربية. وقد أثار هذا الأمر انتقادات كثيرة، إذ يخشى المراقبون أن يكون الدعم الأمريكي للديمقراطية قد انحرف كثيراً عن مساره لصالح العمل مع الأنظمة الأوتوقراطية حول مسائل الحاكمية بدلاً من إشراك الناس مباشرة ودعمهم، على الرغم من الوعد الذي حمله خطاب القاهرة.

لكن ما لا يزال مجهولاً نسبياً، مقارنة بمقاربة الإدارة الأمريكية للخطاب العام وتخصيصها للموارد المالية، هو مقاربتها للدبلوماسية. هل الدبلوماسيون ينقلون إلى الأنظمة العربية أولوية الديمقراطية؟ سوف يكون الحوار الاستراتيجي مع الحكومات العربية في السر بنّاءً إذا جرت معالجة مسائل الإصلاح بجدّية، لكن إذا لم تعالج الدبلوماسية الخاصة مسألة الديمقراطية، فقد تفسّر الأنظمة العربية ذلك بأنه موافقة ضمنية على الوضع القائم السلطوي. بما أن هذه الدبلوماسية والحوار الاستراتيجي يحصلان خلف الأبواب المغلقة، يصعب على المراقبين أن يعرفوا الآن إذا كانا يشملان مسائل الإصلاح. يصر المسؤولون في الإدارة على أن الديمقراطية جزء من حوار مستمر مع الحلفاء الأوتوقراطيين، لكن في غياب التقدّم الحقيقي في موضوع الإصلاح، ينظر الإصلاحيون العرب بعين الشك إلى هذه المزاعم.

في الإجمال، قطعت إدارة أوباما خطوات أولى راسخة نحو تجديد العلاقات الأمريكية مع الشرق الأوسط، لكن مقاربتها لدعم الإصلاح العربي هي أقل وضوحاً حتى الآن. من جهة، ربما تعتمد الإدارة مقاربة حذرة ومتأنّية يتم بموجبها دعم الإصلاحيين الديمقراطيين بعد تحقيق تقدّم في الدبلوماسية العامة وأولويات دبلوماسية أخرى، وحيث تمهّد العلاقات المستعادة مع الحكومات العربية الطريق للتعاون في مجال الإصلاح. من جهة أخرى، قد نشهد بدلاً من ذلك تراجعاً لدعم الديمقراطية في المدى الأطول من جانب هذه الإدارة، الأمر الذي قد تترتّب عنه عواقب كارثية على مواطني الدول العربية. في حين يُظهر كل من الخطاب العام للإدارة الأمريكية وموازنتها السنوية بعض الإشارات المحتملة عن دعم الديمقراطية العربية، سوف تستمر المخاوف من أن تكون الولايات المتحدة قد تخلّت عن دعم الإصلاحيين العرب إلى أن تحضّ حلفاءها الأوتوقراطيين على اتخاذ خطوات منظورة ونوعية نحو الإصلاح.

ستيفن ماكينرني هو مدير في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط وكاتب التقرير الصادر حديثاً بعنوان "الموازنة الفيدرالية ومخصّصات السنة المالية 2010: الديمقراطية والحاكمية، والحاكمية في الشرق الأوسط".