لم ينجح "يوم الغضب" الذي جرى تنظيمه في السعودية في آذار/مارس الماضي في التوسّع، ولم تتمكّن الاحتجاجات التي تركّزت في المنطقة الشرقية من حشد إجماع وطني حول مطالب الإصلاح السياسي. في الواقع، يُنسَب الاستقرار الداخلي في البلاد إلى ثلاثة عوامل: أولاً، قدرة النظام على الاعتماد على تدفّق الاحتياطي النفطي من أجل إسكات التململ السياسي عن طريق الرشوة. ثانياً، استخدامه تحالفه الداخلي مع المؤسّسة الدينية المحافظة كوسيلة لزرع الشقاق في أوساط المعارضة وضبطها. ثالثاً، الدعم الذي توفّرُه القوى الغربية منذ وقت طويل للأمن الخارجي. غير أن التحديات الاقتصادية المتنامية في السنوات الأخيرة أضعفت بعض أركان النظام الأكثر موثوقية في تأمين الاستقرار، حيث برزت جيوب من المعارضة داخل البلاد؛ إلا أنَّ عدم قدرة هذه المجموعات على استقطاب حشد كبير من المواطنين فضلاً عن الفشل في تأمين رؤية موحدة للإصلاح، قد أعاق القدرة على مواجهة النظام الحالي بشكل جدّي.

والواقع الذي يعيشه معظم السعوديين، هو بعيدٌ كُلَّ البعد عن مظاهر الوفرة التي تشتهر بها السعودية. فالبطالة تبلغ رسمياً عشرة في المئة، في حين أن الأرقام غير الرسمية تشير إلى أنها تصل إلى عشرين في المئة. كما تكشف الأرقام الرسمية الأخيرة أن 670000 عائلة - أي حوالى ثلاثة ملايين شخص من أصل 18 مليون نسمة - تعيش في الفقر. كما أن البؤس لا يقتصر على المناطق الريفية، فقد سجّل وثائقي حديث عن الفقر في الرياض بعنوان "ملعوب علينا"، شهادات عائلات تأكل وجبة واحدة في اليوم، ويقيم عشرون من أفرادها في المنزل نفسه.

صحيحٌ أن السعودية هي المصدِّرة الأولى للنفط في العالم، لكنها مهدَّدة بخسارة هذه المكانة بسبب الاستهلاك الداخلي المفرط للوقود الذي ينمو بنسبة سبعة في المئة سنوياً. وفي حال استمرار الاستهلاك على هذا المنوال، فسوف تتحوّل المملكة من مُصدِّرة إلى مستوردة للنفط في السنوات الخمس والعشرين المقبلة. كذلك، لم تحصد الخطط طويلة الأمد لتنويع الاقتصاد تأثيراً كبيراً: فالحكومة تستمدّ نحو 75 في المئة من إيراداتها و90 في المئة من عائداتها التصديرية من النفط، ولا يزال الناتج المحلي الإجمالي للفرد في السعودية الأدنى بين بلدان مجلس التعاون الخليجي، ويبقى دون مثيلِه في عُمان أو البحرين. كما أن الصدقات الاقتصادية التي تُوزَّع لكبح التململ - مثل رزمة الإنفاق التي أُعلِن عنها العام الماضي والتي تصل إلى 130 مليار دولار أمريكي لزيادة منافع الرعاية الاجتماعية وبناء 500 ألف وحدة سكنية جديدة - غير قابلة للاستدامة، وغالب الظن أنها ستؤدّي إلى زيادة الاستياء من توزيع الثروة النفطية للبلاد.

صحيح أن الناشطين الشيعة والليبراليين والإصلاحيين اليساريين يتحمّلون الوطأة الكبرى للقمع الذي تمارسه الدولة، لكن النظام يحرص أيضاً على كبح سلطة الأشخاص الأكثر ولاءً له. ففي منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، أقال العاهل السعودي، الملك عبدالله بن عبد العزيز، رئيس الشرطة الأخلاقية، المعروفة بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من منصبه وسط الشكاوى المتزايدة من أن الهيئة تجنح نحو العدوانية الشديدة. وكانت قد سبقت هذا القرار إقالة رجل دين بارز من مجلس كبار العلماء في العام 2009، لاستهجانه قرار الملك السماح باختلاط الإناث والذكور في جامعة جديدة للاختصاصات العلمية. كما وجّه العناصر الأكثر محافظةً في البلاد المتخوِّفون من خسارة امتيازاتهم، انتقادات للملك بسبب منحه النساء حق التصويت في الانتخابات البلدية، واتّهموا النظام بالانصياع للتأثير الغربي. بيد أن الخلافات العلنية الظرفية لم تزعزع جذور التحالف الذي يدرك الطرفان أنه أساسي لضبط المصادر الأخرى التي يمكن أن تتسبّب باضطرابات في البلاد.

ففي حين لا تزال المعارضة السعودية منقسمة بشدّة حول خطوط مذهبية (وقبلية وإثنية)، تواجه البلاد مجموعةً من التحدّيات التي قد تتيح فرصةً لتشكيل تحالفات عابرة للمذاهب والانتماءات السياسية انطلاقاً من مطالب مشتركة، كما حصل في العام 2003 عندما وقّعت مجموعة من الليبراليين والإسلاميين من مذاهب مختلفة عريضةً تطالب بالتغيير الديمقراطي.

فإلى جانب تدهور الوضع الاقتصادي وتفاقم البطالة، تتعاظم الشكوك حول نظام التوريث الحالي الذي لا يُحدِّد آليةً لتوريث الحكم خارج الجيل الأول من مؤسّسي المملكة. وقد توفِّر الخلافات بين أفراد الجيلَين الثاني والثالث في العائلة المالكة، الذين تتعارض آراؤهم حول وتيرة الإصلاح ومساره، فرصةً لإعادة خلط أوراق التحالفات فيما يسعى قادة جدد إلى تطوير مساحات نفوذ خاصة بهم. وفي الوقت الذي تستمرّ فيه التيارات المعارِضة في خوض معركتها تحقيقاً للربيع السعودي الذي تصبو إليه، سيتوقّف نجاحها في المستقبل على قدرتها على التوحّد حول مجموعة وطنية مشتركة من المطالب السياسية، وعلى التخلّص من شياطين القبلية والمذهبية. 

إلهام فخرو باحثة في القانون الدولي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية-الشرق الأوسط. 

* تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.