أكثر من ستّة عشر شهراً مرّت على بداية "الصحوة السنّية" في البحرين، في إشارة إلى التعبئة السياسية الحاشدة للمواطنين السنّة التي انطلقت بعد أسبوع واحد من اندلاع الانتفاضة بقيادة الشيعة العام الماضي. وفي حين أن الحجم غير المسبوق لهذه الحركة المضادّة كان ولايزال واضحاً (زعم المؤيّدون بشكل مبالغ فيه أن عدد المشاركين قد فاق الثلاثمئة ألف)، إلا أن ماتجسّده بالضبط لايزال لغزاً.

 لم يجرِ اختيار قادة الجمعيات الوليدة، وهي "تجمّع الوحدة الوطنية" و"صحوة الفاتح" من بين الوجوه المألوفة في الجمعيات السياسية السنّية القائمة في البلاد، بل هم أفرادٌ ذو رصيد محدود نسبياً في العمل المباشر في مضمار السياسة. فضلاً عن ذلك، ركزت هذه الائتلافات في البداية على كبح زخم التظاهرات المناهضة للحكومة، ولكن سرعان ما أصبحت لها برامجها الخاصة، فطالبت بالتشدّد أكثر في قمع المحتجّين، وعبّرت أحياناً عن أهداف أوسع نطاقاً، مثل وضع حد للفساد ومنح صلاحيات أكبر للبرلمان.

وبعد أكثر من عام على هذه الأحداث، لاتزال الالتباسات هي هي. فهل تمثّل الحماسة السياسية للمواطنين السنّة  الذين كانوا حتى وقت قريب غير مبالين  بالسياسة، تحوّلاً حقيقياً في المشهد السياسي البحريني؟ أم أن التعبئة مرتبطة بطريقة ما بالقوى السياسية السنّية القائمة أو حتى بالدولة في حد ذاتها؟

هذه الأسئلة لايطرحها فقط مراقبون من الخارج. فقد انشقّ أعضاء "صحوة الفاتح" عن "تجمع الوحدة الوطنية" لأنهم اعتبروا أن الحكومة استمالته إلى صفها. لكن هناك أيضاً علامات استفهام حول مدى استقلالية "صحوة الفاتح" وطابعها التجديدي، فعدد كبير من قادتها كما من مؤيّديها مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، مايجعل البعض يعتبرونها الفرع الشبابي لجمعية "المنبر الوطني الإسلامي" التابعة للإخوان المسلمين. ونظراً إلى الأداء السيّئ لجمعية المنبر ولجمعية "الأصالة السلفية"  في الانتخابات النيابية في العام 2010، يعتبر البحرينيون أنه من أجل تعبئة الدعم الشعبي في مطلع العام 2011، كان من الأجدى بهاتين المجموعتَين (وربما من الضروري لهما) أن تتحرّكا خارج إطار الجمعية السياسية الرسمية. 

والشكوك حول الطبيعة الحقيقية لهذه التيارات يحرّكها أيضاً الغياب المستمر للمطالب الملموسة في السياسات، والتي تتعدّى الدعم العام للأجهزة الأمنية ورفض التنازلات الحكومية لجمعية "الوفاق" الشيعية المعارضة الأساسية. فعندما يعبّر قادة هذه المجموعات عن مواقف قويّة الوقع (وأحياناً جريئة)، غالباً مايعقبها تراجع في الموقف أو نفي مطلق له، مايغذّي الشكوك حول استعدادها لرفع تحدٍّ حقيقي في وجه الأسرة الحاكمة. ولعل المثل الأبرز في هذا الإطار هو اقتراح رئيس تجمع الوحدة الوطنية عبد اللطيف المحمود في مقابلة معه في أغسطس/آب 2011 في صحيفة الـ"واشنطن تايمز"، أن يتنحّى رئيس الوزراء الصقوري الذي يشغل منصبه منذ 41 عاماً بعد السيطرة على الانتفاضة. لكن لم تمضِ ساعات على نشر المقال حتى أصدر التجمّع نفياً رسمياً نقلته لاحقاً وكالة أنباء البحرين الرسمية، وورد فيه أن الصحيفة أساءت تفسير كلام المحمود.

لكن هذه التيارات نفسها طالبت باندفاع كبير بالحصول على صوت مستقل حول طاولة المفاوضات، حتى أنها ساهمت بإحباط المحاولة الأخيرة لإجراء حوار بين الحكومة والمعارضة بمبادرة من وزير البلاط الملكي المتشدّد خالد بن أحمد في آذار/مارس الماضي. ويبدو أن الدولة اعتبرت أنه عبر إشراك العضو الأكثر تعنّتاً في أسرة آل خليفة في الحوار منذ البداية، قد تتفادى تعثّر المحادثات لاحقاً. إلا أنه تبيّن أن المشكلة ليست في الشيخ خالد، بل في رد فعل التيارات السنّية التي اكتسبت زخماً في الآونة الأخيرة. فمثلما حصل في المبادرات السابقة الكثيرة، سعى حكّام البحرين إلى الانخراط في مفاوضات في الكواليس مع قادة المعارضة السابقة، فتواصلوا شخصياً مع "الوفاق" وما لايقل عن ثلاث جمعيات قومية وليبرالية معروفة أخرى. وكان هناك غياب واضح للمجموعات السياسية التي تتمحور حول الهوية السنّية.

على الفور تحرّكت "صحوة الفاتح" ضد المبادرة، ليس لأنها مؤشّر على الاستسلام للمعارضة، بل لأن المجموعة تعرّضت إلى التهميش، ورفعت شعار "لاحوار من دون الفاتح". من جهة أخرى، أعلن رئيس "تجمع الوحدة الوطنية" المحمود مقاطعة الحوار حتى تُوقف المعارضة نشاطاتها الاحتجاجية، مع العلم بأن لم يتلقَّ التجمع دعوة إلى المشاركة. لكن لم ينقضِ وقت طويل حتى بدأ أنصار التجمّع يتساءلون علناً لماذا أقصتهم قيادتهم طوعاً من أي تنازلات قد تقدّمها الحكومة. فقد ورد في افتتاحية غاضبة في صحيفة "الوطن" المحافظة: "تعني المقاطعة أن مئات الآلاف الذين يدعمون [التجمّع] لن يتمكّنوا من إسماع أصواتهم إلى طاولة الحوار". تحت تأثير هذه الضغوط، عدل المحمود وتجمّع الوحدة الوطنية عن قرارهما، وانضما إلى صحوة الفاتح للمطالبة بالمشاركة.

إزاء هذه التوقّعات المتغيِّرة، اختارت الحكومة قطع الطريق أمام الحوار حتى قبل انطلاقته. فمن وجهة نظر النظام، الذي يحاول إحباط الضغوط الشعبية الهادفة إلى تأدية دور أكبر في صنع القرارات السياسية، احتمال التنسيق بين المذاهب هو الأكثر إثارة للقلق بين كل السيناريوات الممكنة. حتى الآن، نجحت الحكومة في تصوير مطالب المعارضة الشيعية والعلمانية بأنها لاتمثّل مصالح المواطنين الآخرين، لابل تسيء إليها، عبر إثارة شبح التأثير الإيراني أو الغربي. والواقع هو أن الربط مع هذه المعارضة هو الذي جعل عدداً كبيراً من المواطنين السنّة يحجمون عن التعبير جهاراً عن المظالم التي يتشاطرونها معها، وهي المخاوف من الفساد الممنهج، والإطار البرلماني الذي يمأسس الاستقطاب السياسي وسيطرة النخب، والتجنيد المستمر للأجانب في الشرطة والجيش في وقت يفتقر فيه عدد كبير من المواطنين إلى المسكن والوظيفة المناسبَين. ليست الأسرة الحاكمة في البحرين مستعدّة على الإطلاق للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع ممثّلين عن الشيعة كما عن الجمعيات السياسية السنّية. 

تتجدّد الشائعات اليوم عن إمكان انطلاق محادثات بين الحكومة والمعارضة. حتى إن النائب السابق عن جمعية الوفاق، جاسم حسين، كتب عن "حوار سياسي جديد يلوح في الأفق" بتحفيز من الضغوط الأمريكية المضاعَفة، و"تعزيز مكانة" ولي العهد المعتدل سلمان بن حمد، واستعداد مستجدّ لدى الحكومة للانخراط في الحوار. ومن المؤشّرات الأخرى خلاف وقع مؤخراً بين أمين عام الوفاق، الشيخ علي سلمان، والمشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة. ففي اليوم التالي لاعتداء عناصر أمنيين على منزله، استخدم سلمان  مناسبة إلقائه كلمة لمدّة نصف ساعة في تجمّع معارض ليصب جام غضبه على وزير الدفاع والقائد الأعلى لقوة دفاع البحرين، فقال عن الاحتجاجات الحاشدة خلال الانتفاضة: " لأننا نحب هذا الوطن بما فيه انتم ولأننا رحماء...والله رأفة وخوف وحنو، والا والله ما ألذ الشهادة، وفي يوم 15 أو 16  مارس2011 يلبس الانسان كفنه وتنفتح معركة لا تبقى ولا تذر". كما أضاف "سعادة المشير، لتعلم إن في هذا الشعب قوة ومصادر قوة لم نستخدم حتى 50 في المئة منها... وتعلم أن مجرد كلمتين بفتوى شرعية يقدّم من أبناء هذا الشعب عشرات الآلاف أنفسهم على كفوفهم."

يُعتقَد أن هذه الجرأة من زعيم الوفاق هي محاولة لتعزيز مكانته في أوساط المعارضين الأكثر تشدّداً من أجل تسهيل الحصول على موافقتهم على أي اتفاق قد يتم التوصّل إليه مع الحكومة. (أما فاعليتها فمسألة مختلفة).

تجدُّد الآمال بانطلاق حوار سياسي يقوم على أحد الأمرَين التاليين: إما أن البحرين تقرأ في الكتاب نفسه الذي استخدمته السعودية في محاولتها الفاشلة لإنشاء اتحاد بين دول مجلس التعاون الخليجي، وتنظّم مؤتمراً من دون الحصول على موافقة المشاركين مسبقاً، وإما أن الحكومة توصّلت إلى تفاهم ما مع مجموعات سنّية مثل تجمّع الوحدة الوطنية وصحوة الفاتح. ويبدو الاحتمال الأخير أكثر منطقية. فلولا تغيّر التوقّعات بشأن نتيجة المبادرة، هل كانت الحكومة لتنطلق في خطوة حوارية جديدة بعد ثلاثة أشهر فقط من الإخفاق العلني الأوّل؟

لكن تجدّد الجهود لإنهاء المأزق السياسي المستفحل في البحرين سوف تكون له نتائج ملموسة على الأرض، سواء حدث ذلك الآن أو بعد عام. كذلك سيُحدّد الطبيعة النهائية للتيارات السنّية الجديدة في البحرين. فإذا تراجعت عن المطالبة بالمشاركة في أي حوار بين الحكومة والمعارضة، ستكون حدود أجندتها السياسية واضحة، وقد نتمكّن من وصفها عن حق (كما يفعل البعض) بأنها "معارضة المعارضة" فقط. من جهة أخرى، إذا بقي قادة تجمع الوحدة الوطنية وصحوة الفاتح ثابتين على موقفهم المصرّ على الجلوس إلى طاولة المفاوضات - وليس الاكتفاء بمفاوضات ثنائية منفصلة مع الحكومة - فقد تتعزّز الثقة بأن ظهور التيارات السنّية بعد شباط/فبراير يؤشّر فعلاً إلى تطوّر أساسي في السياسة البحرينية، ويفتح الباب أمام تغيير حقيقي.

جاستن غنغلر باحث أول في معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحيّة في الدوحة. في العام 2009 أجرى أول مسح سياسي واسع النطاق للمواطنين البحرينيين في إطار أطروحته عن التعبئة السياسية المذهبية في الخليج. ويدوّن أيضاً عن السياسة البحرينية على موقع.