على الرغم من إصدار إصلاحات اقتصادية واجتماعية مهمة، تستمر الأنظمة العربية في تجنب الإصلاحات السياسية الجوهرية التي قد تهدد هيمنتها. يدرك الإصلاحيون في المؤسسات الحاكمة الحاجة للتغيير لتأمين المنافسة الاقتصادية، لكن تفضيلهم لعملية "الإصلاح المُدار"، تقود إلى المزيد من الركود السياسي، كما تبينه ورقة جديدة أعدتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

في ورقة كارنيغي بعنوان: الأنظمة الحاكمة و"مأزق الملك" في العالم العربي: وعود و مخاطر الإصلاح الهرمي، تناقش الباحثتان في مؤسسة كارنيغي مارينا أوتاوي وميشيل دن، مأزق القيادات الناشئة من ذوي الأفكار الإصلاحية في الدول العربية، فالعولمة وتحسين إمكانية حصول عامة الناس على المعلومات يحفزان المطالبة بالتحديث، لكن التاريخ يظهر ان الإصلاحات التي يتم إدخالها من أعلى الهرم، حتى ولو كانت محدودة، تزيد بدلا من أن تُنقص مطالبة قاعدة الهرم بتنفيذ تغييرات جذرية، كما كانت الحال بالنسبة للثورة الإيرانية. ولمواجهة هذا التهديد، تحاول الأنظمة الحاكمة العربية السيطرة على عملية التغيير عبر إجراء "إصلاحات مُدارة": اعتماد الإصلاح الرسمي المؤسساتي دون نقل السلطة الحقيقية (البحرين ومصر)، أو إجراء تحسينات جوهرية في حقوق المدنيين من دون إصلاح مؤسساتي (المغرب)، أو تحقيق مشاركة محدودة للمعارضة الشرعية (اليمن والجزائر).

الاستنتاجات الرئيسية:

  •  يتنامى الوعي في العالم العربي بضرورة الإصلاحات من أجل اقتصاد تنافسي قابل للحياة. فلم يعد يُنظر إلى النفط كمصدر دائم للإيرادات يوفر للحكومات قدرة لا متناهية للتلاعب بمواطنيها.
     
  •  لم يكن الضغط من جانب الولايات المتحدة والدول الأوروبية لإدخال الإصلاحات مترابطا، كما أنه كان حتى الآن، يؤيد الإصلاحات المدارة من الأعلى، مما أرسل إشارات إلى ضعف التوقعات الخارجية، والى سهولة استرضاء اللاعبين الخارجيين.
     
  •  الاستمرار في الركود السياسي هو السيناريو الأكثر احتمالاً لمعظم الأنظمة الحاكمة العربية، قد يتصف بتغييرات محدودة لكنه لا يغامر بالانزلاق نحو مستقبل غير أكيد. في حين تبقى سلطة الإصلاحيين محدودة في معظم البلدان لفشلهم عامة عكس صورة مقنعة حول جدّيتهم فيما يتعلق بالتغيير.
     
  •  يحتاج اصلاحيو النظام الحاكم إلى إيجاد الحلفاء في المجتمعات المدنية أو في الأحزاب السياسية المعتدلة من أجل تحقيق النجاح. فمن الممكن لبعض الإصلاحيين ان يقرروا بأن مستقبلهم السياسي قد يستفيد من بيئة سياسة تنافسية، لكن عملية الإصلاح الأكثر تشاركية لا يمكن التنبؤ بها.

"تشير الدلائل حتى الآن إلى أن عملية الإصلاح من أعلى الهرم إلى أسفله لم تولد سوى القليل من الأثر، أي أنها تخلق، في أفضل الحالات، تغييراً هامشياً في قضايا محددة، ولا تقود إلى إعادة توزيع السلطة التي تستتبعها أي عملية حقيقية لنشر الديمقراطية، ولا تقود حتى إلى التحرر. أمّا بالنسبة للمناصرين المحليين للإصلاح المُدار من أعلى الهرم كما بالنسبة للاعبين الخارجيين الساعين إلى تعزيز التغيير، فيبدو أن الدرس الناتج هو أنه من غير الممكن مطلقاً أن يكون الإصلاح السياسي خالياً من المخاطر: فالإدارة الوثيقة جداً للإصلاح تؤدي إلى استدامة السلطوية، في حين تولد عمليات الإصلاح غير المُدارة نتائجاً لا يمكن التنبؤ بها."