قد تؤدّي الاضطرابات في مصر إلى ظهور الجماعات الإسلامية العنيفة من جديد، مع أنها تواجه تحدّيات تنظيمية ستحول على الأرجح دون تكرار الحركات التمرّدية التي نشأت في التسعينيات.

أعلن تنظيم جهادي سلفي - يطلق على نفسه اسم "تيار السلفية الجهادية" - "الحرب" مؤخراً على القوات المسلحة المصرية دعماً لمحمد مرسي. واعتبرت مجموعة إسلامية أخرى تُعرَف بـ"أنصار الشريعة" أنه من واجب المسلمين المصريين أن يجمعوا الأسلحة ويخضعوا للتدريب العسكري استعداداً للمواجهة المحتملة المقبلة في مصر. على الرغم من هذه التصاريح المتشدّدة الصادرة عن مجموعات تعمل في الخفاء، من المستبعد أن تشهد مصر عودة إلى التمرّد العنيف الذي رزحت البلاد تحت وطأته في التسعينيات. 

لقد عرفت المنظمات القتالية الحالية والسابقة في مصر تطوراً كبيراً منذ التسعينيات. وهكذا فإن الوجود المستمر لأفرقاء كانوا في الماضي متورّطين في نزاع طويل مع الدولة، لايقدّم في ذاته توقّعاً دقيقاً عن الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه مصر.

اللافت في هذا الإطار هو أن الجماعة الإسلامية التي كانت تتصدّر في السابق المعارضة العنفية ضد النظام في مصر، باتت الآن في وضعية مختلفة جوهرياً؛ ومن المستبعد جداً أن تلجأ إلى العنف من جديد في المستقبل القريب.

فقد أصبح للجماعة ذراع سياسي يُعرَف بحزب البناء والتنمية أثبت نضوجه السياسي واعتداله في المواقف التي اتّخذها في العامَين الماضيين. كما أظهر قادة الجماعة، انطلاقاً من رفضهم للعنف بالاستناد إلى المراجعات الأيديولوجية التي أجرتها الجماعة الإسلامية في العقد المنصرم، فهمهم للمشهد السياسي المصري بعد ثورة 2011. فهم لم يكتفوا مثلاً بإدانة الدعوة إلى العنف التي وجّهها أنصار القيادي السلفي حازم أبو اسماعيل بعد استبعاد الأخير من الانتخابات الرئاسية العام الماضي، بل رفضوا أيضاً تقديم الدعم السياسي له أو لمحمد مرسي في تلك المرحلة، وفضّلوا تأييد البرنامج الأكثر شمولاً للمرشّح المعتدل أبو الفتوح.

أما على المستوى التنظيمي، فقد أصبحت الجماعة الآن مجرد ظلّ لما كانت عليه في الثمانينيات، عندما كانت تتمتّع بشعبية واسعة في مختلف أنحاء البلاد. فهي تعاني حالياً من محدودية في شعبيتها وإجهاد في مواردها، ما يجعلها غير قادرة على استعادة العلاقة الخلافية التي كانت تجمعها بالدولة في التسعينيات. ففي ذلك الوقت، كانت الجماعة الإسلامية تتمتّع بالشعبية إذ كان الناس يرون فيها حركة ثورية ويتعاطفون معها، فظهرت بمثابة بديل عن الدولة السلطوية، ما شجّع عدداً كبيراً من الشباب من طبقة البروليتاريا المحرومة على الانضمام إليها. لكن هذه المعطيات ساهمت في انطلاق دورة من العنف في مواجهة الأجهزة الأمنية، خلافاً لإرادة قيادات الجماعة، سواء كانوا في السجن أو في الخارج، في ذلك الوقت. لقد أكّد الجيل الجديد رفضه للجماعة الإسلامية جملةً وتفصيلاً، وهذا ما أقرّ به مفتي الجماعة، الشيخ عبد الآخر حماد، الذي قال إنها فشلت في الوصول إلى الجيل الجديد الذي وقع تحت تأثير "الشيخ غوغل"، بحسب تعبيره. ولذلك من المستبعد إلى حد كبير أن تعود الجماعة إلى ماضيها العدواني، انطلاقاً من هذه الوقائع الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية الجديدة.

وليست جماعة الجهاد الإسلامي المصري، التي كانت المنافِسة الأساسية للجماعة الإسلامية في التسعينيات، بحال أفضل. يشير النقّاد في معظم الأحيان إلى الكلام التبشيري الحاد اللهجة الذي صدر عن بعض قادتها وأعضائها السابقين بعد ثورة 2011، إلا أنهم لم ينجحوا دائماً في تقديم تحليل دقيق عن الجماعة أو قدرتها على إطلاق تمرّد مسلّح في الظروف الراهنة. واقع الحال هو أن الغالبية الكبرى من أعضائها رفضت اللجوء إلى العنف بعد الثورة، وتمحورت مخاوفها في شكل خاص حول المستقبل الضبابي للجماعة وبقائها السياسي. حتى لو دفعتهم الأحداث الأخيرة إلى تبديل آرائهم حول مشروعية العنف، فإنهم ضعفاء جداً، وحتى أكثر من الجماعة الإسلامية، لناحية مواردهم وشبكاتهم، كما أن قاعدة أنصارهم محدودة جداً. ويقرّ بعض القادة في الجهاد الإسلامي المصري، وبينهم أسامة قاسم وعلي فراج ومجدي سالم، بأنهم فشلوا هم أيضاً في بناء جيل جديد من المجاهدين المصريين. ولذلك نظراً إلى ضعف الشبكات، وغياب الدعم الشعبي، وقلّة الموارد، لاتملك جماعة الجهاد الإسلامي القدرة على إطلاق هجمات مسلّحة أو خوض القتال لفترة طويلة.

لكن في المقابل، يعبّر بعض القادة السابقين في الجهاد الإسلامي المصري، عن آراء متشدّدة منذ العام 2011، في ما يؤشّر إلى نزعة جهادية سلفية خطيرة في القاهرة، من خلال الدعوات إلى الجهاد والتلويح بأعلام تنظيم القاعدة. وقد نجحوا في استقطاب عدد كبير من المجاهدين السلفيين في صفوف الشباب. لكن وعلى الرغم من المواقف المتصلّبة لبعض القادة، من غير المرجّح أن تتحوّل النزعة السلفية الجهادية تنظيماً تمرّدياً في مصر، وذلك لأسباب عدة لعل أهمّها الانقسامات الفقهية والشخصية الطابع التي تشهدها الجماعة في صفوفها منذ نشأتها. فالعقيدة التي يتشاركها أعضاؤها الذين يلتقون مثلاً حول رفض الديمقراطية والعملية السياسية، لم تكن كافية لتخطّي التصدّعات المستمرة في العامَين الماضيين. وخير دليل على ذلك عزل عدد كبير من أعضاء الجماعة وأنصارها، في ما يُسلّط الضوء على طبيعة هذا التيار ويُظهر فشله الداخلي في توحيد أعضائه أو إنشاء شبكات وهيكيليات جامِعة تتيح تطوير الجماعة.

في غياب هيكلية منظَّمة أو شبكات متطوّرة، غالب الظن أن النزعة الجهادية السلفية في مصر ستظل خارج دائرة الضوء بانتظار مزيد من التطوّرات. فعدد كبير من أعضائها يعملون في الخفاء. وخلال الأزمة الحالية، من المحتمل أن يستغلّوا الاتقلاب العسكري لنشر رسالتهم لدى السلفيين الذين يتعاطفون معهم، والتنديد بما يعتبرونه آمالاً واهِمة يخال أصحابها أنه من الممكن تطبيق الشريعة الإسلامية عن طريق الانخراط في العملية الديمقراطية.

إذاً، من المستبعد جداً، في ظل الظروف الراهنة، انطلاق حركة تمرّدية تقودها مجموعة مسلّحة منظّمة جيداً. بيد أن غياب الهيكليات القتالية المنظّمة لايستثني احتمال اللجوء إلى العنف بصورة متقطّعة، الأمر الذي يمكن أن يؤدّي إلى اندلاع مواجهة عنيفة جديدة.

قد تتسبّب الصدامات العنيفة التي تشهدها البلاد منذ الانقلاب العسكري، بإطلاق دوّامة عنف خارجة عن السيطرة. ففي ظروف مشابهة في الماضي، أدّى لجوء الأفرقاء المختلفون إلى العنف، إلى انطلاق مواجهات دورية قادت تدريجاً إلى تشريع استخدام العنف المسلّح ضد الخصوم السياسيين، ما أسفر بدوره عن ظهور مروّجين للعنف عملوا على تأجيج النزاعات وتوسيع دائرة انتشارها.

ومن شأن الفوضى السائدة حالياً أن تتيح أيضاً للمجاهدين الإسلاميين - الأكثر ميلاً إلى تبنّي آراء عنفية حتى لو لم يستخدموا العنف حتى الآن - أن يروّجوا أجنداتهم الخاصة، ويستعملوا كرههم للجيش لتبرير استهدافهم للقوات المسلحة بواسطة الهجمات العنيفة. وقد أعرب بعض أعضاء الجهاد الإسلامي المصري عن غضبهم من محمد مرسي قبل بضعة أشهر، بسبب فشله في محاكمة ضباط معروفين في الأجهزة الأمنية كانوا متواطئين في تعذيب رفاق لهم في الجماعة. وهكذا من شأن تدهور الوضع الأمني أن يؤمّن غطاء لتصفية الحسابات القديمة.

أخيراً، إذا توصّلت المعارضة أو الجيش إلى استنتاج بأنهم يملكون شيكاً على بياض من الشعب للقضاء على الحركات الإسلامية وإقصائها من العملية السياسية، فقد يكون ذلك كافياً للتسبّب برد فعل عنيف لدى أنصار الإسلاميين الذين يخشون التعرّض للقمع نفسه الذي خضعوا له في ظل الأنظمة السابقة.

جيروم دريفون طالب دكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة دورهام. يستند المقال إلى مقابلات أجراها مع أعضاء ينتمون إلى الجماعات المتشدّدة في مصر.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.