فاجأت موريتانيا الواقعة في أقصى الطرف الغربي من العالم العربي العديد من المراقبين قبل عامين باتخاذها خطوات تعد الأكثر جرأة وثباتاً نحو الديمقراطية في المنطقة. وقد جاءت الإصلاحات السياسية في موريتانيا نتيجة لانقلاب عسكري قاده العقيد أعل ولد محمد فال، تلاه الإعلان عن حزمة من الإصلاحات السياسية الرامية إلى تأسيس دولة ديمقراطية تنتقل فيها السلطة سلمياً عبر انتخابات حرة وشفافة ومن ثم وضع جدولاً زمنياً حدد خطوات الإصلاح السياسي التي كان آخرها اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية. فاز سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، وهو اقتصادي موريتاني مخضرم ووزير سابق عاش في المنفى لسنوات، بالرئاسة في مارس 2007، في انتخابات حازت ثقة الموريتانيين ومثلت أول انتقال سلمي دستوري للسلطة منذ استقلال موريتانيا عام 1960. وقد وعد ولد الشيخ عبدالله الموريتانيين بالعمل على محاربة الفساد، وحماية الحريات، ومحاربة الفقر، وإنهاء الرق، وتحقيق العدالة والوحدة الوطنية بين كافة أطياف الشعب الموريتاني.
اتخذت الحكومة الموريتانية الجديدة عدة خطوات إيجابية نحو تعزيز الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد، كان في مقدمتها إصدار قانون تجريم الممارسات الاسترقاقية، وإلزام كبار موظفي الدولة بالكشف عن الذمة المالية، وإلزام الأحزاب السياسية بتخصيص كوتا نسائية تبلغ 20 في المائة في لوائحها الانتخابية. كما شهدت موريتانيا تقدماً كبيراً على صعيد حرية الصحافة، فحلت في المرتبة الخمسين من أصل 169 دولة في قائمة منظمة مراسلين بلا حدود لحرية الصحافة للعام 2007، وهي المرتبة الأولي بين الدولة العربية.
إلا أن استقرار وتطور النظام الديمقراطي في موريتانيا يتوقفان على قدرة الدولة على معالجة الهموم المعيشية الملحة للشعب الموريتاني، وفي مقدمتها الفقر والبطالة. إن التقدم الذي يتم إحرازه في هذا المجال لا يزال بطيئاً ولا يرقى إلى مستوى تطلعات الموريتانيين، وقد بدأت بوادر التوتر والاحتقان بالظهور بالفعل. ففي الأيام الأولى من شهر نوفمبر خرج آلاف المتظاهرين في المناطق الشرقية من البلاد فيما أسمته المعارضة "ثورة الجياع" احتجاجاً على ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية والكهرباء والوقود، مما أسفر عن سقوط قتيلين في مدينتي كنكوصة وجكني بعد أن استخدمت قوات الشرطة العنف ضد المتظاهرين. كما نظم تحالفاً من خمس أحزاب معارضة بقيادة أحمد ولد داداه، زعيم تحالف القوى الديمقراطية، مظاهرات حاشدة في العاصمة نواكشوط يوم 28 أكتوبر احتجاجاً على استمرار تدهور الأوضاع المعيشية وبطء الحكومة في معالجة المشاكل الاقتصادية. إضافة إلى ذلك فإن اتخاذ الحكومة وحلفاءها لخطوات مثيرة للجدل مثل تخصيص الشركة الوطنية للصناعة والمعادن (اسنيم) وتأسيس حزبأ سياسياً من المقرر أن يضم المقربين من الرئيس وحلفاء السلطة قد زاد من حالة الاحتقان السياسي في البلاد.
عى الرغم من ارتفاع النمو الاقتصادي مؤخراً بعد بدء إنتاج النفط، إلا أن البلاد لاتزال تعاني من مشكلات متجذرة منها البطالة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، ونقص الموارد المائية، وضعف البنية التحتية وخاصة شبكات الطرق والمواصلات العامة، وتدني مستوى الخدمات الصحية والتعليمية في العديد من المناطق. يضاف إلى ذلك أن أكثر من 46 بالمائة من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر. لقد بنت الحكومة، والتي ورثت عن أسلافها مؤسسات اقتصادية متهالكة عانت طويلاً من استشراء الفساد والمحسوبية، آمالاً كبيرة على اكتشاف النفط في البلاد. إلا أن الإنتاج النفطي والذي بدأ في فبراير 2006 جاء أقل بكثير من التوقعات. يبلغ انتاج حقل الشنقيطي حالياً حوالي 20 ألف برميل من النفط يومياً، بينما التوقعات الأولية كانت تشير إلى 75 ألف برميل يومياً. إضافة لذلك فإن الإنتاج السمكي في تناقص مستمر، بينما يعاني قطاع الزراعة من ظروف مناخية غير مستقرة، وتعاني الصناعات الموريتانية هي الأخرى من عدم استقرار إمدادات الطاقة الكهربائية. وبينما ارتفعت نسبة النمو الاقتصادي إلى11.7 بالمائة عام 2006 مع إنتاج النفط، فإن نسبة النمو غير النفطي لم تتعدى 4.1 بالمائة، مقارنة بنسبة 5.4 بالمائة في العام 2005. بحسب تقارير البنك الدولي للعام 2006، لا يتعدى دخل الفرد في موريتانيا 740 دولاراً في العام، ما يجعلها في مصاف الدول الأقل دخلاً، بينما تبلغ نسبة التضخم 29.8 بالمائة.
كذلك يمثل التباين الاقتصادي والطبقي الناتج عن التركيبة السكانية المعقدة تحدياً أساسياً لجهود التنمية الشاملة في موريتانيا، فالموريتانيين ينقسمون إلى ثلاث فئات، العرب-الأمازيغ (البيضان) والعرب-الأمازيغ السود من الأرقاء السابقين (الحراطين) والموريتانيين الأفارقة. وعلى الرغم من تأكيد الرئيس ولد الشيخ عبدالله على اهتمام الدولة بالعمل على تحقيق المساواة والعدالة بين كافة أطياف الشعب الموريتاني، إلا أن الموريتانيين الأفارقة لايزالوا يعانون من تداعيات إرث تاريخي من التمييز الاقتصادي والاجتماعي، ويزيد من وطأة ذلك استمرار الممارسات الاسترقاقية في بعض أنحاء البلاد، وتفشي الأمية، وضعف المؤسسات المركزية للدولة في بعض المناطق. أيضاً مازال حوالي 25 ألف لاجئ من الموريتانيين الأفارقة الذين تم طردهم إلى السنغال ومالي خلال أحدث العنف العرقي التي شهدتها البلاد عام 1989 بانتظار العودة إلى البلاد، إلا أن جهود إعادتهم تعثرت خلال العالمين الماضيين لأسباب عدة من أهمها نقص الموارد المالية اللازمة لتأمين نقلهم وإعادة تأهيلهم وتعذر التوافق بشأن التعويضات العادلة التي يمكن تقديمها لهم. وقد أعلن الوزير الأول الزين ولد زيدان يوم 22 نوفمبر الماضي تخصيص حوالي ثمانية ملايين دولار لمشروع إعادة اللاجئين في خطوة من المؤمل أن تغلق هذا الملف المؤلم.
في خضم مناخ عام يتسم بالقتامة، جاءت النجاحات الأخيرة للحكومة في حشد المساعدات المالية الدولية لمشاريعها الإصلاحية الاقتصادية والتنموية بمثابة بارقة أمل قد تعجل بانتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية والسياسية. في الفترة ما بين مارس-يوليو 2007، أعلن البنك الدولي عن وضع إستراتيجية جديدة لأعانة موريتانيا وتخصيص مبلغ 1.14 بليون دولار على شكل قروض وهبات لدعم مشاريع الإصلاح الاقتصادي وتطوير البنية التحتية، كما قامت الولايات المتحدة برفع قيمة معونتها الاقتصادية إلى 5.23 مليون خلال السنة المالية 2007. أخيراً، وخلال اجتماع للمجموعة الاستشارية حول موريتانيا في 4-6 ديسمبر في باريس، نجحت الحكومة الموريتانية في الحصول على مزيد من الدعم التنموي، فقد خصصت السعودية والكويت وعدة دول أوروبية ومنظمات تنموية عربية وأفريقية وعالمية نحو 2.1 بليون دولار لدعم برنامج الاستثمار الوطني الموريتاني خلال السنوات 2008 إلى 2010.

سلمى وحيدي هي مساعدة التحرير في نشرة الإصلاح العربي.