في الثاني من يونيو (حزيران) حلت الذكرى الثانية لاغتيال الكاتب اللبناني سمير قصير دون كشف النقاب عمّن أمر بتفجير سيارته في بيروت لإسكات صوت من أعلى الأصوات العربية المنادية بعدم الاستسلام للأنظمة المستبدّة الماسكة بزمام الحكم في جلّ الدول العربية، وخاصّة حكم عائلة الأسد في سوريا. وقد ساهم إفلات الجناة من العقاب في تمهيد السبيل لارتكاب مزيد من الجرائم بنفس الأسلوب في العاصمة اللبنانية، وأثار شعورا بالخوف لدى الصحفيين اللبنانيين والسوريين. هذا الشعور تعمق بعد محاولة الاغتيال التي نجت منها الصحفية مي شدياق، وقتل صاحب جريدة "النّهار" وعضو مجلس النواب جبران تويني. تعزّز الشعور بعدم الاطمئنان وفقدان الحماية في نفوس الصحفيين العرب أيضا، بعد اكتشاف جثّة الصحفي الليبي ضيف الغزال مشوّهة من جرّاء التعذيب في مدينة بنغازي في نفس الأسبوع الذي شهد مقتل قصير. وباستثناء أجهزة المخابرات الليبية، يبدو أنّ أحدا لا يعرف إلى اليوم من اختطف ثمّ عذّب حتّى الموت هذا الصحفي الذي لجأ إلى "الانترنت" للكتابة عن الظلم والفساد في ظلّ حكم العقيد معمّر القذافي الذي يحكم ليبيا منذ عام 1969 و يعتبر معارضيه "كلابا ضالّة" يجب مطاردتها وقتلها. ويمتد هذا الشعور إلى دول عربية أخرى يشتدّ فيها الحصار على حرّية التعبير مثل العربية السعودية وسوريا وتونس وليبيا، أوتلك التي تختفي فيها تدريجيا الخطوط الحمراء، مثلما يحدث في المغرب والجزائر ومصر واليمن.
فقد سمحت بعض الدول مثل مصر لأول مرّة منذ حوالي خمسين عاما بإنشاء جرائد مستقلّة . وذلك لعدة أسباب، من بينها عدم قدرة هذه الدول على مواجهة نتائج ثورة المعلومات وتدهور مكانة وسائلها الدّعائية بعد شروع "الجزيرة" في البثّ في العام 1996، أو حرصا منها على تحسين صورتها في العواصم الغربية وخاصّة واشنطن. وفي مصر، أيضا، حقّقت الصحافة خطوة هامّة على طريق الحرّية خاصّة منذ صدور "المصري اليوم" في العام 2004 وعودة "الدستور" بعد حوالي سبع سنوات من الاحتجاب القسري ورفع الحصار الإعلامي عن مثقّفين ومعارضين كانوا في الماضي القريب مظطهدين أومسجونين لأسباب سياسية. لكنّ هذه الخطوة أصبحت محلّ تشكيك منذ حوالي سنتين نتيجة ارتفاع غير مسبوق في عدد القضايا المرفوعة ضدّ الصحفيين بسبب كتاباتهم، خاصة التي تناولت الفساد والتّعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن رغم وعود الرّئيس مبارك بالعمل على إلغاء عقوبة الحبس في قضايا النّشر.
وقد حكم بالسجن لأربع سنوات على المدوّن كريم عامر بتهمة ازدراء الدّين الإسلامي واهانة رئيس الجمهورية في فبراير- وهو أوّل حكم بالسجن ضدّ مدوّن مصري - كما حكم غيابيا بحبس الصحفية هويدا طه لمدّة ستّة أشهر في مايو (أيار) الماضي بتهمة الإساءة لمصلحة مصر ونشر أخبار كاذبة، وذلك بعد إعدادها شريطا وثائقيا عن التعذيب بثّته "الجزيرة" ليزيد من حدة الشكوك في مدى استعداد الرئيس مبارك لدفع مصر على طريق الإصلاح الديمقراطي الحقيقي.
ولا تختلف الأوضاع كثيرا في الجزائر، حيث ُيستغل القضاء لتصفية حسابات شخصية مع صحفيين، مثل محمّد بن شيكو الذي لم يجد سوى "الانترنت" وسيلة للتعبير عن آرائه في سياسة الرئيس بوتفليقه، ما كلفه في 2004 عامين في السجن ومنع صحيفته "لي متان". وفي اليمن يحبس من حين لآخر الصحفيون بتهم سياسية ملفّقة أويتم الاعتداء عليهم بالضرب والاختطاف، مثلما حدث في عام 2005 لجمال عامر، أو يتم حجب عدد من المواقع الإخبارية كما حدث في الأسابيع الماضية. و لم يسلم الصحفيون في المغرب، التي شهدت إصلاحات سياسية جريئة قبل جلوس الملك محمّد السادس على كرسي العرش في عام 1999، من الاعتداءات، ومن إصرار السلطة التنفيذية على الإبقاء على قوانين تضع الملك وعائلته فوق القانون، وعلى استغلال القضاء لتقييد الصحف والصحفيين. ومثال على ذلك الحكم القاضي بحبس علي لمرابط ثلاثة أعوام بتهمة قذف الملك وتهديد الوحدة الترابية في عام 2003 ومنعه لاحقا من الكتابة الصحفية لعشرة أعوام ، وما تعرّض له بوبكر الجامعي من مضايقات ومحاكمات أجبرته على مغادرة البلاد في بداية العام الجاري. ولعلّ من بين ما يساهم في تحسين صورة المغرب أنّ حكومته هي الوحيدة في العالم العربي التي تقرّ علنا بأنّ السلطة القضائية تفتقر إلى الاستقلال.
ويبدو أنّ عدد الاعتداءات على الصحفيين في الدول العربية أخذ في الارتفاع، وأصبحت المنطقة العربية منذ الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 أخطر بقعة على الصحفيين في العالم. لقد أصبح جليّا أنّ الإدارة الأمريكية وكذك الدول المؤثّرة في الاتحاد الأوربي لا تهمّها مسألة الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي بقدر ما يهمّها التعاون مع حكّام عرب مستعدّين لتنفيذ ما يطلب منهم مقابل مساعدتهم على البقاء في الحكم وإعداد أقربائهم.للجلوس من بعدهم على كرسي السلطة.
لكنّ هذه الحقيقة لن تؤثر في إصرار الكتّاب والمدوّنين العرب، سواء كانوا وراء القضبان مثل ميشيل كيلو في سوريا و محمّد عبّو في تونس و كريم عامر في مصر أم في ظلّ الحصار البوليسي المشدّد، على مواصلة التضحية من أجل الحرّية. و لاشكّ في أنّ تقديم قتلة قصير وتويني، الذي قد يصبح أمرا ممكنا بعد قرار مجلس الأمن رقم 1757 بإنشاء محكمة دولية للنظر في اغتيال الحريري وجرائم أخرى، سيؤثّر إيجابا على حماية الصحفيين وحرية التعبير رغم التحدّيات المتكاثرة وفي مقدّمتها رفض الحكّام العرب الالتزام بالمعايير الدولية لحرّية التعبير والسير بجدّية على طريق الإصلاح.

كمال العبيدي صحفي من تونس.