بعد إعلان نتائج أول انتخابات رئاسية نزيهة في موريتانيا، ينتظر المراقبون الخطوة التالية، وهي الإجراءات التي سيتبعها الرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله لتشكيل حكومة وحدة وطنية يتحقق فيها أكبر إجماع وطني، كما أشار ولد الشيخ نفسه في تصريحات عقب الفوز. إضافة إلى ذلك ستواجه حكومة ولد الشيخ الجديدة تحديات تتعلق بالتنمية والبنية التحتية للبلاد، والتحدي الأكبر الذي يتمثل في التنمية الاقتصادية، والعلاقات الخارجية، إضافة إلى مهمة التأسيس لمسيرة الديمقراطية في موريتانيا.
لقد حظيت الانتخابات الموريتانية منذ بداياتها الأولى بأهمية استثنائية، وذلك بالنظر إلى أنها كانت الخطوة الأخيرة في مسلسل المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد منذ الإطاحة بولد الطايع، المرحلة التي شهدت صدور دستور جديد للبلاد في يوليو 2006 نص على تحديد فترات الرئاسة باثنتين فقط بعد أن كانت الفترات الرئاسية مفتوحة في ظل الدستور القديم.
وقد تميزت الانتخابات بعدد من السمات الخاصة التي عكست بدورها حزمة من الدلالات المهمة، منها أنها شهدت منافسة محمومة بين قوى وتيارات سياسية لكل منها رؤيته الخاصة، وهذا أمر كشف عن خصوبة الساحة السياسية الموريتانية.
كما أن المعركة الانتخابية دارت بين تكتلات أساسية، على الرغم من وجود مرشحين مستقلين، وهذا أمر مهم من زاوية أن السياسة هي لعبة جماعية وليست فردية.
ومن جانب آخر عكست المعركة الانتخابية حراكاً سياسياً لافتاً، وكان المؤشر الأهم على هذا الحراك ترشيح "ائتلاف قوى التغيير" والذي تشكل كمظلة موحدة للمعارضة السابقة لحكم ولد الطايع، لأكثر من مرشح.
وتجدر الإشارة إلى أن نتائج العملية الانتخابية في جولتها الأولى أسفرت عن فشل كل المرشحين الـ 19 في الحصول على الأغلبية المؤهلة للفوز، أما جولة الإعادة بين كل من سيدي ولد الشيخ عبد الله وأحمد ولد داده، أسفرت عن فوز سيدي ولد الشيخ عبد الله، بعد أن حصل على نحو 53% من الأصوات.
أما أهم الدلالات التي تظهرها نتائج الانتخابات، يتمثل أبرزها في نسبة المشاركة التي بلغت 70.7% في الجولة الأولي ووصلت إلى نحو 66% في جولة الإعادة وهي نسبة مرتفعة عكست ثقة الموريتانيين في العملية الانتخابية.
كما أفرزت النتائج حالة انقسام واضحة بين معسكرين كبيرين يتقاسمان الساحة السياسية تقريباً المعسكر الأول هو المعسكر المحسوب علي السلطة السابقة والحالية من ناحية، ومعسكر القوى المعارضة السابقة من ناحية أخرى، وقد تمكن المرشح المحسوب على المعسكر الأول حسبما أشارت العديد من التغطيات الإخبارية والتلفزيونية، أي سيدي ولد الشيخ عبد الله من الفوز في مواجهة أحمد ولد داداه مرشح المعسكر الثاني.
ولكن اللافت للنظر في هذه العملية الانتخابية، هو خلوها من العنصر النسائي، على الرغم من أن المرأة الموريتانية لها دور بارز في الحياة السياسية، حيث ترأس سيدتان حزبين سياسيين، وهناك ثلاث وزيرات في الحكومة الحالية.
وعلى الرغم من أن الانتخابات كانت المحطة الأخيرة في مسلسل المرحلة الانتقالية لجهة التأسيس لعهد ديمقراطي، فإن نجاح العملية الانتخابية لا ينفي وجود حزمة من الإشكاليات التي يمكن أن تهدد التجربة الديمقراطية الوليدة في البلاد، من أهم هذه التحديات والإشكاليات هي بناء توافق وطني حول أولويات المرحلة القادمة التي تعد غاية في الأهمية لجهة تكريس التجربة الديمقراطية، وهذه إشكالية نابعة من حقيقة أن موريتانيا عانت طويلاً من انقسام الصف الوطني، وقد يبعث مناخ الانفتاح السياسي الذي تعيشه البلاد حالياً بفوضى سياسية غير خلاقة.
وهناك أيضا تحدي إعادة بناء المجتمع الموريتاني على أساس معايير الدولة الحديثة، ذلك أن المجتمع الموريتاني مازالت تتحكم فيه وبشدة القبلية والجهوية والمحسوبية.
وضمن ما ستواجه حكومة ولد الشيخ، إشكالية التأسيس لحياة ديمقراطية حقيقية، ذلك أن الديمقراطية لا تعني فقط إجراء انتخابات نزيهة، وإنما هذا التأسيس يستلزم تكريس كل قيم الديمقراطية في إدارة اللعبة السياسية، بكل ما يعنيه ذلك من إرساء قيم الحرية والمساواة التامة والتداول السلمي للسلطة، وتفعيل عملية المشاركة السياسية إلى أقصى مدى ممكن.
كما سيظل التحدي الذي يتمثل في الدور السياسي للجيش مسألة جوهرية، رغم أن الجيش سلم السلطة إلى المدنيين، ولكن يبقى التساؤل مطروحا حول ما إذا سيكون هذا التسليم حقيقاً أم صورياً، وهل سيلتزم الجيش بالحياد، أم سيعود لتدخل مرة أخرى.
لا يمكن إغفال أن التحديات التي تواجه موريتانيا على الصعيد الاقتصادي كبيرة، ذلك أن الإحصائيات الحديثة تشير إلى أن نسبة الفقراء في البلاد تقدر بنحو 64.3% من إجمالي عدد السكان، ومن المؤكد أن النجاح أو الفشل في مواجهة تلك التحديات سيكون عاملاً أساسياً في تحديد شرعية أو لا شرعية المرحلة القادمة.
وبالإضافة إلى هذه التحديات الأساسية التي تواجه التجربة الموريتانية، فإن ثمة مخاوف لها ما يبررها على مستقبل هذه التجربة، وأهمها على الإطلاق، يتمثل في احتمال عودة نظام ولد الطايع للحكم مجدداً تحت مظلة ديمقراطية، والعودة المقصودة هنا، لا تنصرف إلى عودة أشخاص هذا النظام، وإنما عودة ممارسات ذلك العهد، والتلاعب بالحكم من خلال توظيف عناصر الفساد المالي، وتستمد هذه المخاوف مشروعيتها من حقيقة ولد سيدي الشيخ عبد الله وصل إلى الحكم مدعوماً من ائتلاف سياسي من الموالين لولد الطايع.
من هنا، يظل الترقب هو سيد الموقف لمعرفة ما هي أجندة الرئيس الجديد للبلاد واستراتجيته للتغلب على تلك التحديات وتكريس تجربة الانتقال الديمقراطي.

عـزة جـلال هاشـم باحثة مصرية