تبدأ دولة الإمارات في منتصف ديسمبر 2006 أولى خطواتها على طريق الإصلاح السياسي بكثير من التردد والحذر، فقد أعلن الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة في ديسمبر 2005، إجراء انتخابات "غير مباشرة" لاختيار نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، لتكون التجربة الأولى من نوعها في تاريخ الإمارات.

ومنذ قيام الدولة الاتحادية المشكلة من سبع إمارات، كان حكام الإمارات يعينون أعضاء المجلس الوطني الاتحادي الأربعين، بواقع ثمانية أعضاء لكل من أبوظبي ودبي، وستة أعضاء لكل من الشارقة ورأس الخيمة، وأربعة أعضاء لكل من عجمان والفجيرة وأم القيوين. ويرى المعنيون أن المجلس أدى، إجمالاً، دوراً متواضعاً في الحياة السياسية، وأن غياب دوره الرقابي والتشريعي، وصلاحياته المحدودة، إضافة إلى نوعية الأعضاء، أدت إلى تآكل حضوره، وفقدانه الفاعلية والتأثير.

في فبراير 2006 استحدثت في التشكيل الوزاري الجديد وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، وتولاها الدكتور أنور قرقاش، رجل الأعمال والمثقف الليبرالي المقرب إلى دوائر الحكم. وكانت مهمة الوزارة تنظيم العملية الانتخابية، والإشراف على مختلف مراحلها. وفي أغسطس أصدر رئيس الدولة قراراً ينص على انتخاب نصف أعضاء المجلس من قبل هيئة انتخابية تشكل بواقع مائة مضاعف لممثلي كل إمارة كحد ادنى، ويختار أعضاء الهيئة حكام الإمارة، الذين يعينون النصف الباقي من الأعضاء.
تم إعلان أسماء أعضاء الهيئة الانتخابية في أول اكتوبر، ليثير نقاشاً وجدلاً حول الآليات والمعايير الحاكمة لاختيارهم. وبلغ عدد الأعضاء 6689 عضواً، منهم 1189 من النساء، بنسبة تبلغ 17.7%، وكان الحرص على وجود النساء متوقعاً. واتضح أن من أعضاء الهيئة كثيراً من الأميين وربات البيوت والطاعنين في السن وذوي التعليم المتواضع. وكانت حجة المدافعين عن تشكيل الهيئة أنها تمثل كل فئات المجتمع، ومختلف طبقاته وشرائحه.

غير أن فكرة "الهيئة الانتخابية" تعني نخبويتها بصورة ما. وقد توقع كثير من المتابعين قبل تشكيلها أن تضم رجال أعمال وأكاديميين وإعلاميين ومثقفين يمتلكون القدرة على اختيار العناصر المؤهلة للانتقال نحو الديمقراطية، وتوسيع إطار المشاركة، خاصة أن المجلس الجديد سيتولى تهيئة البيئة اللازمة لتفعيل عمل المجلس الوطني، وتوسيع صلاحياته، ووضع أسس الانتقال من مرحلة الرأي الاستشاري غير الملزم إلى مرحلة التشريع ومراقبة الأداء الحكومي.

كان هناك تصور بأن حق الترشيح سيكون متاحا للجميع، ثم اتضح أنه مقصور على أعضاء الهيئة. وبذلك تمخضت "العملية الانتخابية" عن درجة من درجات التعيين، وإن تكن قد أثارت حراكاً ملحوظاً في المجتمع الإماراتي الهادئ.

وكانت أعداد المرشحين مفاجئة، إذ بلغوا 456 مرشحاً، بنسبة تبلغ نحو 7% من مجموع أعضاء الهيئة الانتخابية، بينهم 65 امرأة. واعتبرت جهات عدة هذا العدد الكبير دليل تعطش إلى المشاركة، وأمارة من أمارات الحيوية والفاعلية السياسية، غير أنه كانت هناك إشارات إلى افتقار كثير من المرشحين للمؤهلات اللازمة لعضوية المجلس، وأن العدد الهائل من المرشحين يفتت أصوات الناخبين القليلة.

احتفى الإعلام الإماراتي، الحكومي في معظمه، بالتجربة، وتابع مجرياتها، وهو احتفاء لم يمتد إلى وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية. وقد يعود ذلك إلى ضيق الدائرة التي تجري الانتخابات في إطارها، مما ينزع عنها صفة المعركة الحقيقية. كذلك احتفى الإعلام المحلي ببرامج المرشحين التي ركزت على قضايا داخلية وخدمية، وغابت عنها القضايا السياسية، الداخلية منها والخارجية.

بدأت العملية الديمقراطية في الإمارات خطواتها بحذر بالغ، وقيل تفسيراً لذلك إنه حرص على "التدرج" وعدم التسرع، لتجنب النتائج السلبية. والحقيقة أن ذلك لا يصلح مبرراً للحذر، فقد شهدت البحرين، ذات التركيبة الطائفية المعقدة، انتخابات ارتفعت فيها المنافسة إلى أقصى حد. كما أجريت انتخابات شاملة في قطر، التي شهدت إطاحة بالحاكم ومحاولة انقلاب فاشلة قبل بضع سنوات. وحتى السعودية، المهددة بالإرهاب والتشدد الأصولي، أجريت فيها انتخابات بلدية. ويبدو مستغرباً أن يسيطر على الإمارات، التي تمتلك تاريخاً من الاستقرار السياسي والتجانس، هاجس الخوف من توسيع مساحة الممارسات الديمقراطية.
الخوف المبالغ فيه من التيارات الإسلامية كان ملحوظاً، ولذلك كان هناك تمثيل تختلف درجاته لاتجاهات سياسية وفكرية شتى داخل الهيئة الانتخابية، غير أن التيار الديني تم استبعاده. وهذا الخوف المبالغ فيه ليس له ما يبرره، فالإمارات تكاد تكون الدولة الوحيدة التي لا تمثل فيها هذه التيارات مشكلة. وقياساً إلى الكويت أو البحرين أو السعودية، فإن التيارات الدينية الإماراتية ذات علاقة جيدة تاريخياً بالسلطة، ولم تصطدم معها من قبل. وربما يقود هذا الاستبعاد، إلى عكس ما يهدف إليه، أي زيادة نفوذ التيار الديني وتقويته، واهتزاز علاقتة الجيدة بمؤسسات الحكم.

فرضت قضية زيادة عدد أعضاء المجلس نفسها على أجواء النقاش، فقد تضاعف عدد السكان عدة مرات منذ تأسيس الدولة والمجلس الوطني عام 1971، ولكن ذلك يثير إشكالية توزيع الأعضاء بين الإمارات التي تشكل الدولة الاتحادية، حيث سيزيد نصيب بعضها ويقل نصيب الأخريات، إذا تم الاعتماد على الوزن السكاني كما هو متوقع، ولن تتخلى أي من الإمارات بسهولة عما تعتبره مكاسب لها، وهو ما ينطوي على إمكانية حدوث خلاف لا يرغب أحد فيه.

يصف المسؤولون الإماراتيون هذه المرحلة بـ "الانتقالية"، ويعدون بإجراء انتخابات لكامل أعضاء المجلس الوطني بعد أربع سنوات، وربما يكون ذلك صحيحاً، ولكن إذا قررت الدولة، لأي سبب، أن تؤجل هذه الخطوة، وليس ذلك مستبعداً، فلن تلقى معارضة تذكر. ولا توجد قوى منظمة مستعدة لممارسة ضغوط لتحقيق ذلك. وتستند السلطات الإماراتية في ذلك إلى إنجازات اقتصادية وتنموية ملموسة، واستقرار سياسي واجتماعي، وقنوات غير رسمية للتواصل بين المواطنين والمسؤولين، ودرجة من توزيع الثروة تضمن وصول نصيب منها إلى مختلف الفئات، ويجعلها ذلك بمنأى عن ضغوط الداخل نحو التغيير.

أمل هاشم باحثة سياسية مصرية.