صحيح أن اتفاق السلام الموقع في كينيا في 12 يناير 2005، الذي وقعه نظام الإنقاذ الذي يحكم حاليا برئاسة المشير عمر البشير مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، قد رفع من أسهم السودان دوليا، فقاد إلى مؤتمر للمانحين في أوسلو في أبريل 2005 تم خلاله رصد نحو 6 مليارات دولار كدعم اقتصادي للسودان. ولكن الصحيح أيضا أن ذلك السلام قد تداعى لآفاق أخرى اقتربت من فتح جراح جديدة خارج سياقات الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب .

 

اندلعت الحرب أصلا بتمرد في جنوب السودان في أغسطس 1955، لتنتهي باتفاق سلام هش في مارس 1972. وانهار الاتفاق في مايو 1983 بتمرد جديد للحركة الشعبية لتحرير السودان برئاسة الراحل جون قرنق، على خلفية أخطاء نظام جعفر نميري الكثيرة وبينها تطبيقه للشريعة الإسلامية وإقدامه على إعادة تقسيم الجنوب إداريا. وإلى ذلك فمبتدأ الجراح الجديدة التي فتحها اتفاق السلام بين الشمال والجنوب، يقول إن الخطاب السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان كان قد جذب سياسيين وعسكريين من خارج الأقاليم الجنوبية، من الشمال والشرق والغرب، مما أعطى الحركة الشعبية عمقا سياسيا في الشمال، خلافا لسائر حركات التمرد الجنوبية السابقة. وفتح تتويجها لنضالها باتفاق السلام مع نظام الإنقاذ الحالي شهية حركات أخرى كانت قد تشكلت على خلفية قضايا مثل التهميش السياسي واختلال التنمية بين مناطق السودان المختلفة، أي على نفس قواعد أدبيات الحركة الشعبية لتحرير السودان، لتطالب بالمثل.

 

ومن هنا كانت عطاءات الخبر بعد ذلك المبتدأ أن صعّدت حركتان في دارفور هما حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة من أعمالهما العسكرية ضد سلطة المركز،بدءا من أحداث فبراير 2003 بإقليم دارفور، ليشهد ملف دارفور تصعيدا قفز معه إلى مجلس الأمن. والغريب هنا أن مسارات أزمة دارفور محليا ودوليا قد تزامنت مع معظم أشواط محادثات السلام بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان التي انطلقت ببرتوكول ماشاكوس في يوليو 2002 لتنتهي باتفاق نيفاشا يناير 2005. والغريب أيضا أن رسالة حركات دارفور كانت تقول بالتضمين إن حكومة الخرطوم لا تتفاوض إلا مع من يحمل السلاح (الحركتان تخوضان الآن محادثات متعثرة تحت مظلة الاتحاد الإفريقي بالعاصمة النيجيرية أبوجا) . وتداعت نفس الرسالة شرقا، لنشهد إيماءات مماثلة من حركتين تتحدثان باسم شرق السودان وهما مؤتمر البجة والفهود الحمر. وقد رفضت حركتا دارفور وحركتا شرق السودان الانخراط في الحكومة القومية التي نص عليها اتفاق نيفاشا للسلام والتي تشكلت يوم الخميس 22 سبتمبر الماضي. وانطلق الرفض من تحفظات تقول إن اقتسام طرفيها، أي حزب المؤتمر الحاكم والحركة الشعبية، قد تجاوزا بقية أطياف السياسة في السودان باتفاقهما على اقتسام الثروة بنسبة 52% للشمال و48% للجنوب مثلما فعلا ذلك أيضا في برتوكولات اقتسام السلطة مركزيا وولائيا ( ولايات سودان الـ26) بنسبة خصصت 52% لحزب المؤتمر الحاكم و28 للحركة الشعبية و14% للقوى الشمالية خارج المؤتمر الوطني و 6% للقوى الجنوبية خارج الحركة الشعبية لتحرير السودان.

 

ومع ذلك، فالإيجابي في تطبيق اتفاق نيفاشا إنما يكمن في وجود إرادة سياسية لدى المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وتجاوزهما محنة الرحيل الكارثي لجون قرنق بشخصيته الكاريزمية، برغم أحداث الاثنين الأسود غداة رحيله التي أوشكت معها العاصمة الخرطوم أن تنزلق في حرب أهلية. فشهدنا تطبيقا مثاليا بتكوين مفوضية الدستور، ثم إجازة الدستور الانتقالي، ثم إعادة هيكلة مؤسسة الرئاسة ليشغل منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية فيها رئيس وقائد الحركة الشعبية، ثم تكوين حكومة وبرلمان الجنوب، ثم تشكيل الحكومة القومية برغم ما صاحبها من خلافات حول بعض الحقائب الوزارية. وكل ذلك رصيد لا بدّ أن يثمّن عاليا، كونه قد أرسى للأجهزة التنفيذية والتشريعية الموكول لها تسيير دفة الحكم لأربع سنوات تتلوها انتخابات ديموقراطية وتعددية.

 

ولكن، وفي المقابل، فالنظر العميق في فسيفساء المشهد السياسي في السودان يوحي بوجود ما يشبه القنابل الزمنية الموقوتة. إن قراءة المشهد حتى مع الجنوب الذي حصل بموجب الاتفاق على نسبة تقترب من سقف طموحاته ومطالبه، تقول إن الجنوب يملك أصلا وبموجب اتفاق السلام حق أن يستفتي شعبه بعد انقضاء فترة الست سنوات الانتقالية التي نص عليها الاتفاق، ليقرر بين خياري البقاء ضمن السودان الموحد أو الانفصال. تبقى هكذا معادلة رهنا بما سيشهده الجنوب من تنمية اقتصادية وخدمية تعوضه عن عقود من الحرمان بسبب الحروب ورهنا يالأداء التنفيذي والخدمي خلال السنوات الست باعتبار قابلية نظام حكم وليد لاستشراء الفساد وغياب الشفافية في التعامل مع تلك الأموال، وانعكاسات كل ذلك على المواطن البسيط بعد 6 سنوات. وسيناريو الانفصال قد يؤثر على مناطق أخرى تحمل غالب مكونات مشكلة جنوب السودان، والإشارة المستحقة هنا تتجه إلى ثلاث مناطق كان اتفاق السلام نفسه قد أكسبها خصوصية في التناول على خلفية مسمى «المناطق المتضررة من الحرب»، وهي مناطق جنوب النيل الأزرق، وأبياي، وجبال النوبة.

 

وعلى ذلك اقرأ سقف المطالب إذا ما كان لها أن تتواصل، لدى الحركات المسلحة في الغرب والشرق، أكبر أقطار القارة، واقرأ كل ذلك مع قضايا التباين العرقي والديني والثقافي بتراكماته ومراراته الممتدة منذ الاستقلال، ومع الكيفية التي سيمارس بها المعارضون للاتفاق، بل للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية، وبين هؤلاء قوى سياسية كبيرة بينها حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي والمؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي، والحزب الشيوعي السوداني، وربما نقابات مؤثرة في شارع شمال السودان السياسي.

 

من هنا يمكن القول إن في السودان أفقا للسلام والوحدة، ولكنهما يبقيان رهن الحكم الرشيد والإرادة السياسية، مدعومين بالبنيات الأساسية التي أرستها اتفاقات نيفاشا بين الشمال والجنوب، ولكن دون أن يلغي ذلك أن هناك بنسب تعلو أو تقل، لا يهم، أفقا آخر للتفتت والاحتراب.

 

  حسن ساتي كاتب ومحلل سياسي بصحيفة الشرق الأوسط بلندن, و رئيس تحرير صحيفة الأيام السودانية السابق.