كان نصف العقد الماضي جيداً جداً للدول المصدِّرة للنفط، إذ إرتفع سعر النفط من أقل من ثلاثين دولاراً أمريكياً للبرميل في الجزء الأكبر من العام 2003 ليتجاوز عتبة المائة دولار. وقد استفادت الخزائن الحكومية في بلدان الخليج العربي كثيراً من تزايد الطلب العالمي على الطاقة وارتفاع سعرها. و نموذج الكويت خير مثال على ذلك، فالعائدات الحكومية تضاعفت ثلاث مرات تقريباً في السنة المالية المنصرمة مقارنةً بسنتي 2003/2004، والفضل الأكبر يعود إلى النفط.
 
عائدات الحكومة الكويتية في السنتين الماليتين 2003/2004 و2007/2008 (بمليارات الدولارات الأمريكية)
         
 
2003/2004
2007/2008
الإجمالي
23.1
67.3
العائدات النفطية
20.5
62.7
العائدات غير النفطية
2.6
4.6
 
 
 
نسبة النفط المئوية من الإجمالي
88.7
93.2
المصدر: "الحسابات النهائية 2007/2008" الصادرة عن وزارة المال الكويتية.
 
لكن ثمة جوانب سلبية تظهر حين نقارب هذه الأرقام بمعزل عن أي شيء آخر. إذ هي تشير إلى أن الكويت تبقى دولة ريعية تقليدية تعيش على ريع مواردها الطبيعية فقط، وتبدو غير راغبة أو قادرة على التنويع أو الإصلاح أو الدمقرطة أو التغيّر نحو الأفضل. وإن كانت هذه الأرقام تدلّ على شيء فعلى أن الإمارة تغرق أكثر فأكثر في الأوتوقراطية مع تزايد اعتماد الدولة على النفط، غير أن سياسات البلاد تُناقِض هذا الانطباع.
لقد أطلق عالم الاقتصاد الإيراني حسين مهداوي مفهوم الدولة الريعية العام 1970 وقام آخرون، من بينهم جياكومو لوتشياني، بتطويره وتطبيقه على الدول الناشئة في الخليج العربي. والحال أن تطبيق مفهوم الدولة الريعية يعني ضمناً أن الدمقرطة في المنطقة مشكوك فيها في أفضل الأحوال. ويستند هذا التحليل إلى الملاحظة بأن للمبالغ الطائلة التي تجمعها الحكومات الغنية بالنفط علاقة بالضرائب، بل هي تأتي بدلاً من ذلك من عائدات غير مكسوبة بالجهد تُجمَع من استخراج مورد طبيعي. ووفق نظرية الدولة الريعية، طالما أن الدول تحصل على مبالغ كافية من مثل هذا المدخول، فقد لا يكون لديها دوافع قوية للدمقرطة أو الإصلاح أو التطوّر.
هل يناقض المثل الكويتي الحالي هذه النظرية؟  على رغم أن الكويت دولة ريعية، حيث يشكّل النفط أكثر من تسعين في المائة من الدخل الحكومي، إلا أن سياساتها بعيدة عن مفهوم الدولة الريعية. فقد أدّت الانتخابات النيابية المفعمة بالحيوية إلى بروز مجموعة متنوعة من الناشطين السياسيين؛ وبلغت نسبة الاقتراع في انتخابات مايو/أيار 2008 سبعين في المائة، وهي نسبة عالية جداً مقارنة بنسب الاقتراع في بعض الديمقراطيات الغربية. ومع تزايد استقلالية المصالح والأيديولوجيات المختلفة أكثر فأكثر عن الأسرة الحاكمة، تشهد البلاد نقاشاً مفتوحاً حول المؤسسات، ويطلب مجلس النواب من الوزراء الإدلاء بإفاداتهم للتقصّي عن فساد محتمل، ويتدخّل أمير البلاد ليؤدّي دور الراعي أكثر منه المستبد، من أجل السماح بانفتاح ضئيل في مجال السياسات الديمقراطية وفق القواعد الدستورية.
صحيح أنه لا يزال أمام الكويت طريق طويل تقطعه في اتجاه الديمقراطية، إذ تظل النشاطات السياسية الحرة في قبضة السلطة التنفيذية القوية، ومنظّمات المجتمع الأهلي تحت رحمة وكالات الدولة كي تتمكّن من العمل؛ وحيث لا تزال الأسرة الحاكمة الحكَم النهائي الذي يحدّد سياسة النخبة؛ إلا أن الصحيح أيضاً أن التطور الديمقراطي التقليدي ممكن في الدولة الريعية الكويتية وذلك نظراً إلى وجود نخب اقتصادية واجتماعية متنافسة تستفيد كلها من اندفاع البلاد نحو التحديث برغم اختلاف وجهة نظرها حول مضامينه. قد تؤدّي الضغوط على النظام الكويتي تدريجاً إلى تمثيل ومشاركة أفضل، مثلاً في مجال التمثيل السياسي للجنسين، إذ لم تحصل النساء على أي مقعد في الانتخابات النيابية الأخيرة، على الرغم من أنهن يشكّلن 55 في المائة من الناخبين. لكن وفي حين أن تجربة الكويت عاصفة وأحياناً مربكة، إلا أنها تقدّم مثالاً لنموذج مستقبلي للسياسات في دولة ريعية.
إن أحد العوامل التي تشكّل عائقاً أمام الديمقراطية في الشرق الأوسط هو عدم اعتماد الحكومة على دعم المواطن. بدلاً من ذلك تتكّل الدولة على عائدات النفط مباشرةً، كما في دول مجلس التعاون الخليجي، أو بصورة غير مباشرة كما في إقتصادات مثل الأردن. والتداعيات السياسية لهذا المفهوم هي أنّ عدم اعتماد هذه الدول في نهاية الأمر على الضرائب المحلية من أجل البقاء يجعلها غير ملزمة بالسماح بالحرية السياسية، ويمكن أن يحد تالياً من النشاط السياسي المستقل الذي قد يؤثّر في الاستقرار الاجتماعي. غير أن الأموال الطائلة في الكويت والدول الأخرى المصدِّرة للنفط في الخليج العربي تساعد على ترسيخ الاستقرار وتقلّل من الحاجة إلى اللجوء إلى القمع. و في أوضاع كهذه، يمكن أن تتطوّر ممارسات ديمقراطية، وهي تتطوّر بالفعل.
هل يجب، والحال هذه، مراجعة نظرية الدولة الريعية؟
من الواضح أن لهذه الفكرة تطبيقات حتى في الاقتصادات غير النفطية؛ فعلى سبيل المثال اعتُبِر الأردن دولة شبه ريعية بسبب اعتماده غير المباشر على العائدات النفطية، وكذا الأمر بالنسبة إلى مصر بسبب اعتمادها على عائدات السياحة. بيد أن الأعوام الخمسة الأخيرة أظهرت أنه في ما يتعلّق بدول مجلس التعاون الخليجي، قد تحتاج المعادلة القديمة التي تربط الثروة النفطية بالريعية المناهضة للديمقراطية إلى تنقيح وتحديث.
 

رياض الخوري مدير KryosAdvisors التي شارك في تأسيسها، وباحث في معهد ويليام دافيدسون في جامعة ميشيغان، آن أربور.