أصبحت المنظّمات الأجنبية التي تعمل على دعم الديمقراطية وتتعاون مباشرةً مع الأحزاب السياسية العربية مستهدفة بعدما تراجعت بعض الحكومات العربية على مبادرات الإصلاح السياسي في العامين الأخيرين. ففي الجزائر والبحرين ومصر في شكل خاص، المعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الدولي هما من أولى المؤسّسات التي شعرت بوطأة الضغوط. وفي العراق حيث تنفق هذه المؤسّسات الجزء الأكبر من التمويل المخصَّص للشرق الأوسط، يواجه موظّفوها المخاطر – قُتِل موظّف في المعهد الديمقراطي الوطني في يناير/كانون الثاني في بغداد – وبرامجها هي على الدوام رهن التقلبات السياسية. وهذه هي الحال أيضاً في فلسطين. في الأردن والكويت و والمغرب واليمن، حافظت المؤسّسات الحزبية على حرّية العمل، لكن حتّى هناك، استغلّت الحكومات أحياناً الاستياء الشعبي من التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية. وفي العديد من البلدان العربية الأخرى، لا تضطلع هذه المؤسّسات بأنشطة مهمّة لأنّها تعتبر أنّ البيئة تقيِّد إمكانية التحرّك إلى حدّ كبير.
تتألّف برامج المساعدات الحزبية في شكل أساسي من حلقات عمل وندوات وأنشطة أخرى تهدف إلى إطلاع الناشطين المحلّيين على كيفية تطوير الأحزاب السياسية. وفي بعض البلدان، أجرت المؤسّسات الحزبية أيضاً استطلاعات للرأي العام وساعدت على تنظيم مراقبة الانتخابات، وقد أثارت هذه الأنشطة غضب الحكومات في بعض الحالات. على الرغم من أنّ المساعدات الحزبية الأميركية لا تقتصر فقط على تحضير الأحزاب للحملات الانتخابية، فخلال هذه الحملات بالذات، تُظهر الأحزاب المعارف والمهارات التي اكتسبتها من المشاركة في برامج المساعدة.
تنشأ أحياناً مشكلات بين المؤسسات الحزبية والحكومات العربية بسبب أعمال محدّدة تقوم بها المؤسّسات أو ممثّلوها، لكن غالباً ما تنبع هذه المشكلات من انطباع عام لدى الحكومات بأنّ المؤسّسات تجاوزت حدود منفعتها. في الأعوام الأخيرة، دعت الحكومات العربية المؤسسات الحزبية الأميركية إلى القدوم إلى بلدانها أو على الأقلّ قبلت بوجودها بهدف تحسين صورة إنجازاتها في الإصلاح السياسي، فقد اعتبرته الحكومات ثمناً ضئيلا نسبياً مقابل سيطرتها على السياسة المحلّية. وقد انقلب هذا القبول على مضض رفضاً عندما ازدادت فعالية المؤسّسات الحزبية في تمكين الأحزاب المعارِضة أو إزعاج جداً للنافذين في الأنظمة أو الوقوف في طريق الخطط الحكومية للسيطرة على الانتخابات الوشيكة.
حاولت الحكومات العربية استخدام آليّتَين لعرقلة أنشطة هذه المنظّمات ومنها المعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الدولي: إنشاء هيئات حكومية لإعاقة عملها وزيادة القيود القانونية. ففي البحرين مثلاً، وبعدما أدّى المعهد الديمقراطي الوطني دوراً مهماً في إقناع الحزب السياسي المعارض الأساسي، الوفاق، بالمشاركة في الانتخابات، طلبت الحكومة من المعهد أن يعمل من خلال هيئة حكومية مستحدثة ("معهد البحرين للتنمية السياسية") بدلاً من التواصل مباشرةً مع الأحزاب. وفي الجزائر أيضاً، فرضت الحكومة أن يتشاور المعهد الديمقراطي الوطني معها قبل اختيار شركاء لأنشطته.
في ما يتعلّق بالقيود القانونية، غالباً ما سمحت الحكومات للمؤسّسات الحزبية بالمباشرة بالعمل من دون تراخيص رسمية – لكنّها عادت لاحقاً لتفرض الحصول على تراخيص وقيوداً أخرى. تعوق الحكومات في الجزائر والبحرين ومصر أنشطة المعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الدولي من خلال المجادلة بأنّه ليس هناك تشريع محدّد يجيز إنشاء فروع لمنظّمات أجنبية غير حكومية أو عبر تعقيد إجراءات التسجّل في حال توافرت القوانين اللازمة أو بكل بساطة عبر الامتناع عن منح تأشيرات سفر أو إقامة لموظّفي هذين المعهدَين. في مصر، وجدت المؤسّسات الأميركية التي تعنى بالمساعدة على دعم الديمقراطية، نفسها في مأزق قانوني بعدما غضب المسؤولون الحكوميون والنوّاب من تصريحات صحافية أدلى بها ممثّل عن إحدى المؤسسات الحزبية عام 2006؛ ما زال لدى هذه المنظّمات موظّفين في القاهرة لكنّها لا تستطيع تأسيس مكاتب رسمية أو الاضطلاع بأنشطة. وفي الجزائر والبحرين، لم يُسمَح لممثّلي المؤسّسات الحزبية بالبقاء في البلاد. وعندما ردّت هذه المؤسّسات بتنظيم حلقات تدريبية في بلدان أخرى ودعوة ناشطين من أحزاب محلّية للمشاركة فيها، منعت الحكومات في بعض الحالات المدعوّوين من السفر.
اعترضت الحكومة الأميركية – التي تموِّل أنشطة دعم الديمقراطية التي تضطلع بها المؤسّسات الحزبية من خلال الصندوق الوطني للديمقراطية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة الخارجية – على هذه الممارسات لكنّها لم تتابع المسألة مع الحكومات العربية تضغط بصورة حقيقية على الحكومات العربية. علاوةً على ذلك، فرضت الحكومة الأميركية أحياناً قيوداً على هذه المؤسّسات من خلال مطالبتها مثلاً بأن تستثني من أنشطتها في مصر الأشخاص التابعين لمنظّمات غير مرخَّصة من الحكومة المصرية.
ما زالت عمليات المعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الدولي تتوسّع وتتمتّع بهامش تحرّك كبير في الأردن والكويت واليمن والمغرب. ففي إطار الاستعداد للانتخابات التشريعية المغربية في سبتمبر/أيلول، زاد المعهد الجمهوري الدولي عدد موظّفيه من دون أن يتسبّب ذلك بردّ فعل رسمي. وفي اليمن، كان المعهد الديمقراطي الوطني من بين المنظّمات غير الحكومية المحلية والأجنبية المخوّلة مراقبة الانتخابات الرئاسية والبلدية في سبتمبر/أيلول 2006. لكن حتّى في هذه البلدان، تستخدم الحكومات أحياناً المنظّمات الأجنبية المعنيّة بالمساعدة على نشر الديمقراطية كوسيلة لزرع الشكوك بشأن أهداف الأحزاب المعارضة. في مايو/أيار 2007، اتّهمت أعلنت صحيفة تابعة للحكومة الأردنية عن اجتماع خاص بين جبهة العمل الإسلامي، وهو الحزب المعارض الأكبر في البلاد، بطلب عقد اجتماع مع وممثلّين عن المعهد الديمقراطي الوطني، مدعية أن الحزب قد طالب بدعم من المعهد لمناقشة إمكان دعم الجبهة قبل الانتخابات البلدية والتشريعية. وقد وصف بيان صادر عن الجبهة الرواية بأنّها فصل آخر في حملة الحكومة الأردنية المستمرّة ضدّ الحزب الإسلامي.

دينا بشارة مساعدة تحرير نشرة الإصلاح العربي.