شهدت التجربة البرلمانية الكويتية مدا وجزرا غير مسبوق في السنوات الماضية زاد من ناحية من رصيدها ومصداقيتها ومن ناحية أخرى ساهم بالكثير من التشكيك والتساؤل حول جدواها ومردودها بسبب الكثير من الإحتقان والتأزيم بين السلطتين وتكرر الأزمات والصدامات بين الطرفين في المشهد السياسي الكويتي أدت إلى تآكل الكثير من ذلك الرصيد.
بقيت تجربة المشاركة السياسية الكويتية نموذجا محليا وإقليميا ملهما ومحفزا لأكثر من جيل للكويتيين والخليجيين وحتى للكثير من خارج منطقة الخليج. وتطورت التجربة بشكل تراكمي لتشكل تفردا بين أقرانها في الدول العربية. بدأت التجربة البرلمانية الكويتية بشكلها الرسمي الدستوري في مطلع الستينيات من القرن الماضي عندما اعتمدت الكويت أول دستور مكتوب وأنتخبت أول مجلس أمة بالإقتراع السري المباشر وبعده انتخب الكويتيون اثنا عشر مجلس أمة وشهدوا تعطيلا لخمس مجالس أمة وإستقالة لخمس حكومات وإستجواب لأكثر من أربعين وزيرا بينهم وزراء من أسرة الصباح الحاكمة. أنتهى الكثير من تلك الإستجوابات إما باستقالة الوزير أو باستقالة الحكومة أو بحل مجلس الأمة.
ساهم ذلك كله في إعادة التفكير بجدوى وعوائد النموذج الكويتي المتفرد في الحريات والمشاركة والجرأة والرقابة وبسقف مرتفع للحريات في منطقة لم تتجذر فيها هذه المفاهيم والممارسات بعد. بينما ينظر الى النموذج الكويتي بعض المسؤولين وبعض العامة وحتى بعض المثقفين في الكويت والمنطقة بأنه لم يعد نموذجا ملهما ومحفزا وخاصة أمام نموذج دبي وأبوظبي وقطر في التطور والتمدن وإجتذاب رؤوس الأموال بعيدا عن صخب التجربة والمسآلة الكويتية. وهناك مقولة تتردد في الخليج تلخص المشهد برمته: "كويت الماضي- دبي الحاضر- وقطر المستقبل".
أصبحت مؤسسة البرلمان الكويتي تُحّمل مسؤولية تأخير وإعاقة التنمية والمشاريع وجذب الإستثمارات والشركات الكبرى التي يريد أمير الكويت تحويل بلده خلال العقد القادم الى مركز مالي وتجاري. ولكن حل مجلس الأمة ثلاث مرات خلال تسعة أعوام واستقالة أربعة حكومات خلال أقل من ثلاث أعوام وتشكلت خمسة حكومات خلال أقل من 3 أعوام أفقد تلك التجربة الكثير من الالهام والتحفيز ودفع بالعديد من الكويتين ومن أُعجب بتجربة المشاركة السياسية الكويتية الى إعادة النظر بتلك التجربة وطرح تساؤلات عن مسارها وواقعها ومستقبلها. وهل باتت بحاجة الى تقويم.
في هذا الوقت، يسعى أمير الكويت الى تحويل الكويت خلال السنوات القادمة إلى مركز مالي وتجاري في المنطقة. وتعقد الكويت في مطلع العام الحالي أول مؤتمر إقتصادي وتنموي وإجتماعي عربي لوضع بصمة واضحة وتأكد على جديتها في مقاربة هامة لدور الإقتصاد والتنمية في المجتمعات بالإضافة الى نموذجها في الحريات وحيازة الكويت المرتبة الأولى في حرية الصحافة بين الدول العربية وهي التي تشهد طفرة غير مسبوقة في إصدار الصحف اليومية الخاصة وصلت الى 15 صحيفة يومية عربية و3 صحف بالإنكليزية.
كما يرى البعض أنه بسبب الأزمات المتعاقبة واستقالات الحكومة وإقالة البرلمان المتكررة انسداد الأفق، ارتفعت وتيرة النقاش وقدمت الحكومة التي استقالت في نهاية عام 2008 البرلمان ثلاثة أسباب لما وصلت اليه الأوضاع وهي تدني مستوى الحوار، وتعسف في استخدام الأدوات الدستورية، وعدم القدرة على العمل مع مجلس الأمة في  ظل الأجواء الحالية، وفي بيان حكومي غير مسبوق بحدته وهجومه على مجلس الأمة، القت الحكومة بالمسؤولية على مجلس الأمة  "لمظاهر الفوضى والانحراف في الممارسة البرلمانية التي بلغت مرحلة مؤسفة من مراحل الاساءة للوضع العام والاضرار بالمصلحة الوطنية والتي كان آخرها الاستجواب المقدم لسمو رئيس مجلس الوزراء والذي جسد خروج الممارسة البرلمانية عن الثوابت الدستورية والقانونية والأعراف المستقرة بما أضحى معه السكوت عن هذا الانحراف تشجيعا للفوضى ودعوة لافساد المجتمع تحت شعار الديموقراطية بما يؤدي اليه ذلك من اثارة للفتن وضرب للوحدة الوطنية وإضرار بمصلحة الوطن والمواطنين وعرقلة التنمية في البلاد. على سبيل المثال، من أجل تجنب مواجهة بين الحكومة و مجلس الأمة، قرر المجلس الأعلى للبترول مؤخرا إلغاء صفقة بعدة مليارات دولار مع شركة داو كيميكال التي وافقت عليها الشركة الوطنية للصناعات البيتروكيماوية في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 حيت أصرت كتلة العمل الشعبي على استجواب رئيس الوزراء لذا لم يتم إلغاء الصفقة. تهدد هذه الضغوط السياسية مشاريع أخرى من بينها مشروع ب15 مليار دولار لبناء مصافي النفط..
النموذج الكويتي بالرغم من تطوره الكبير والإحتكام الى بنود الدستور قانون توارث الإمارة لتغيير أمير الكويت سلميا، جعل الكويت أول دولة عربية تقيل رئيسها من منصبة بطريقة سلمية في عام 2006. وسبق ذلك منح المرأة حقوقها السياسية كاملة ومشاركتها في انتخابات مجلس الأمة في عامي 2006 و2008 وترشح 27 أمرأة في المرتين دون ان تنجح أي منهم بالفوز بمقعد. وأعقب ذلك تقليص عدد الدوائر الإنتخابية من 25 دائرة الى 5 دوائر. كل تلك الإنجازات لم تشفع للكويت وزاد مؤشر الإحباط وإنسداد الأفق والإقتراب من حالة اليأس مما وصلته تجربة البرلمانية الكويتية. شهد الكويتيون في عام 2008 الحل الخامس لمجلس الأمة وترافق ذلك الحل مع فرز طائفي سني- شيعي غير مسبوق جرت خلاله انتخابات مجلس الأمة وللمرة الأولى ضمن نظام الخمس دوائر انتخابية. وشهد الكويتيون تشكيل وإستقالة الحكومة الرابعة للشيخ ناصر المحمد الصباح وإستجواب والتهديد باستجواب عدة وزراء بينهم رئيس الوزراء نفسه الذي تم تقديم بإستجوابه نهاية العام مما دفع بالحكومة للاستقالة. 
هذا كله لا يبشر بالكثير من التفاؤل وهناك نواب وسياسيين بدأوا يحضرون أنفسهم وفريق حملتهم الانتخابية للانتخابات المبكرة القادمة التي ستجري قريبا بعد أول مواجهة بين السلطتين تقود لحل مبكر لمجلس الأمة وانتخابات مبكرة خلال الربيع القادم بعد الإعلان عن الحكومة الجديدة التي وصفها العديد من النواب بأنها حكومة تأزيم وحكومة حل للمجلس وسط عزوف الكثير من الكتل والشخصيات السياسية عن المشاركة بالحكومة الجديدة مما يُعطي استشرافا متشائما حول مستقبل المراوحة الحرجة بين السلطتين والغير مفيدة في الكويت، وهذه رؤية المتفائلين.
كما يرى البعض أن المواجهة القادمة ستقود الأمير الى حل مجلس الأمة حلا غير دستوري كما حدث في عامي 1976 و1986 حيث عُلق مجلس الأمة لحوالي 12 عاما. إذا حدث ذلك وهو إحدى السيناريوهات فإن النموذج الكويتي سيصاب بانتكاسة كبيرة وسيفقد القابل للتطبيق والتصدير في بيئته وإقليمه الكثير من رصيده وتألقه وإلهامه في الخارج.
وهذا لا شك حكم قاسي لا تستحقه التجربة البرلمانية الكويتية التي تحتاج الى وقفة مراجعة وتقويم جادة تنتشلها وتقوم اعوجاجها وتعيد تألقها وبريقها وإلهامها الذي يحتاجه كل من الكويتيين وشعوب المنطقة لتجديد الإيمان والتمسك بتلك التجربة وليس إقصائها.

عبد الله الشايجي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الكويت.