تنشط الحملات استعداداً للانتخابات النيابية في البحرين، لكن الظروف متفجِّرة أكثر من العادة هذه السنة. فوسط تدابير حكومية صارمة واسعة النطاق بحق الشخصيات والتنظيمات المعارِضة التي معظمها تدافع عن مصالح وحقوق المحرومين من الشيعة، تبذل الجمعيات السياسية (ليست هناك أحزاب سياسية في البحرين) مجهوداً لتحديد مواقفها من الانتخابات النيابية والبلدية المزمع إجراؤها في 23 أكتوبر/تشرين الأول.

بعد أسبوع واحد من إعلان الملك حمد بن عيسى آل خليفة في الثامن من أغسطس/آب إجراء انتخابات نيابية وبلدية في 23 أكتوبر/تشرين الأول، بدأت حملة التدابير القمعية بتوقيف الدكتور عبد الجليل السنكيس، وهو شخصية أساسية في "حركة الحريات والديمقراطية" (حق). وفي اليوم التالي اعتُقِل ثلاثة ناشطين بارزين آخرين في مجال حقوق الإنسان. وقد وُجِّهت إلى الأربعة تُهم بإنشاء "شبكة منظَّمة تهدف إلى تقويض أمن البلاد واستقرارها"، وكذلك التحريض على العنف والأعمال الإرهابية ضد أملاك خاصة وعامة.

رداً على التوقيفات، اصطدم محتجّون مع شرطة الشغب في المناطق الفقيرة التي ذات أكثرية شيعية حول المنامة. وأصبح إشعال الإطارات وسلاّت المهملات لقطع الطرقات الرئيسة التي تقود إلى الضواحي الأفقر، أكثر انتشاراً وتواتراً. لكن وخلافاً لأحداث أبريل/نيسان 2009، عندما أرغم التعبير عن الغضب العام الحاكم على الإفراج عن السنكيس، زادت القوى الأمنية من حدّة الهجوم على منتقدي النظام. فقد احتُجِز أربعة مدافعين بارزين آخرين عن الإصلاح في 19 أغسطس/آب، إلى جانب اثنَي عشر شاباً متّهمين بإحراق الإطارات وإلقاء قنابل يدوية. وبما أنّ المحتجَزين موقوفون بموجب قانون مكافحة الإرهاب شديد القسوة الذي أُقِرّ العام 2006، فهم لايتمتّعون بحقوق المراجعة القضائية أو توكيل محامٍ. وقد انضمّ مركز البحرين لحقوق الإنسان إلى منظّمة هيومن رايتس ووتش ومجموعة الخليج الإقليمية في الإشارة إلى تعرّضهم إلى التعذيب. ونتيجةً لذلك، أضيف رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان إلى قائمة الإرهابيين المزعومين. حينما طالبت الجمعية البحرينية لحقوق الانسان (التي هي أكثر مراعاة للنظام من مركز البحرين لحقوق الانسان) باحترام الحقوق الانسانية للمحتجزين، قامت وزارة التنمية والشؤون الاجنماعية بتجميد صلاحيات الجمعية وتعيين مدير مؤقت لها.

برّرت السلطات البحرينية هذه الإجراءات الاستثنائية بالزعم أنّ جمعية حق ومجموعات أخرى تحصل على التمويل من إيران والعراق، وبأنّها تُبقي على صلات مع خلايا مشبوهة تابعة للجماعة المتشددة الإيرانية، أنصار حزب الله. لكن ثمة شكوك واسعة النطاق بأنّ التوقيفات هي محاولة لتفتيت المعارضة وإضعافها أكثر من كونها ردّاً على تهديد إرهابي أو انقلابي حقيقي.

لم ينفك التنظيم المستهدَف، حق، ينتقد الجمعية السياسية البارزة في البحرين، جمعية الوفاق الوطني الإسلامية ذات الغالبية الشيعية، بسبب قرارها خوض انتخابات 2006 والانضمام إلى قواعد اللعبة السياسية. إنّ إثارة التشنّجات عبر اتّخاذ تدابير قاسية ضد جمعية حق عشية عملية الاقتراع الشهر المقبل، يضع قيادة الوفاق أمام معضلة رصّ الصفوف مع إخوتها الشيعة والانسحاب من العملية الانتخابية (فتُبرهن تالياً، على الأقل في عيون الحكومة، تواطؤها مع قوى خارجية معادية) أو المشاركة في الانتخابات والتخلّي عن جزء كبير من ناخبيها الشيعة أملاً في تحفيز التغيير من الداخل.

لكن الوفاق أدان في شكل عام استخدام النظام ومناصري "حق" أسلوب العنف. كما اتّهم رئيس الجمعية لجوء النظام للعنف بانهه قد دمر عشر سنوات من التقدم وصرّح متحدّث بإسم خمعية الوفاق بأن تصاعد الاحتجاجات ليس بسبب استفزازات خارجية بل انه بسبب مظالم اقتصادية طويلة الأمد. فبعد وقت قصير من انتقاد قادته التوقيفات وتوجيههم دعوة إلى الهدوء والحوار السياسي، وجدت الجمعية نفسها في مرمى أنظار الحكومة. وموقعها الإلكتروني هو واحد من العديد من المواقع التابعة للمعارضة التي حظرتها الحكومة في مطلع سبتمبر/أيلول. وقد كان ردّ الوفاق قوياً، إذ أصدر بياناً في 6 سبتمبر/أيلول شجب فيه تجريد المتّهمين من حقوقهم القانونية وأشار إلى وجود أدلّة عن تعرّضهم إلى التعذيب. بالوقت ذاته، سجلت الوفاق قائمة مرشحين لخوض الانتخابات في أكتوبر/تشرين الأول. ولكن القائمة لم تشمل أسماء ثلاث نواب حاليين، بما فيهم زعيم المجتمع الشيخ علي سلمان الذي فضّل الابتعاد عن معارك البرلمان.

تساهم حملة التدابير أيضاً في حسم خيارات المجموعات المعارِضة الأخرى الغاضبة أصلاً من عجز مجلس النواب عن إحداث أيّ تغيير حقيقي منذ العام 2006. فقد ساعدت هذه المشاعر على إعادة إحياء جمعية العمل الوطني الديمقراطي الليبرالية (الوعد) والمنبر التقدّمي اليساري اللذين لم يفز أيّ منهما بمقاعد في انتخابات 2006. انتقد التنظيمان أداء الوفاق في مجلس النواب، وتحاول جمعية الشبيبة، التابعة للمنبر التقدّمي، تعبئة الناخبين الشباب للتخلّص من قبضة الإسلاميين على مجلس النواب. وفي أوساط سنّة البحرين أيضاً، برزت مجموعات جديدة، مثل حركة العدالة الوطنية التي تنتقد الحملة التي تشنّها الحكومة لمنح الجنسية لآلاف السنّة غير البحرينيين. فضلاً عن ذلك، ظهر مرشّحون مستقلّون (معظمهم رجال أعمال) بأعداد غير مسبوقة، وهم يسعون إلى استبدال المشاحنات التي لاتنتهي بين الأفرقاء بحوكمة منظَّمة. وبينما كامل قائمة الوفاق الانتخابية تتألف من الرجال، تقدمت بعض النساء النافذات للترشح مع "الوعد" وكمستقلات.

السياق الأوسع لحملة التدابير والانتخابات هو مجتمعٌ يشعر باستياء شديد، بسبب غياب فرص التوظيف، ولاسيما للمواطنين المثقَّفين. يتظاهر خرّيجون جامعيون بانتظام أمام وزارتَي التربية والعمل للمطالبة بوظائف آمنة في الخدمة المدنية، وقد سار ألف عضو من الاتحاد العام لنقابات عمّال البحرين باتّجاه مبنى البرلمان في الأول من مايو/أيار للاحتجاج على خسارة الوظائف في قطاعَي البناء والمالية، وللمطالبة بالسماح لموظّفي القطاع العام بتشكيل نقابات. ولاتزال مظالم أخرى مستمرّة منذ وقت طويل تعتمل في النفوس أيضاً، مثل قيام أشخاص نافذين بمصادرة الممتلكات الزراعية والشاطئية بصورة منهجية. لم تؤدِّ هذه الممارسات إلى إثراء أفراد العائلة الحاكمة وحلفائهم المقرّبين وحسب، بل تسبّبت أيضاً بارتفاع شديد في أسعار الأراضي.

حتى الان ، ليس من الواضح ما إذا كانت السلطات سوف تفرج عن النشطاء المحتجزين استجابة للغضب الشعبي، كما فعلوا في الماضي. إن لم يحصل ذلك ، فعلى الأرجح ان انتخابات أكتوبر ستجري في الاجواء الأكثر تقلباً في البحرين منذ أن تولى الملك حمد السلطة في عام 1999. وتطور كهذا قطعاً سوف يحرم برنامج الملك الاصلاحي من اي مصداقية متبقية منذ صدور الدستور المعدّل في عام 2002. 

فريد ه. لوسون هو أستاذ علوم سياسية في كلية ميلز.