إنه أمر محسوم أن يختارالجنوبيون الاستقلال عن الشمال في الاستفتاء حول تقرير المصير الذي سيُجرى في التاسع من يناير/كانون الثاني. بيد أن رد فعل حزب المؤتمر الوطني الحاكم على انفصال الجنوب الغني بالموارد، والسؤال حول صمود اللحمة الداخلية للحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب بعد الاستفتاء يثيران مخاوف عميقة على الصعيد المحلي، ولدى جيران السودان العرب والأفارقة، وداخل المجتمع الدولي. لقد كان الوصول إلى هذه المرحلة صعباً بما فيه الكفاية؛ واقتضت إدارة عملية سلمية ممارسة ضغوط شديدة على الطرفَين وممالقتهما لإقناعهما بتوقيع اتفاق السلام الشامل العام 2005.

بدأت الاستعدادات للاستفتاء متأخِّرة، وسارت المفاوضات حول المسائل الحسّاسة ببطء. فالمحادثات التي تمّت بوساطة من الاتحاد الأفريقي حول وضع منطقة أبيي المتنازع عليها ومسائل مترابطة مثل ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، والمواطنية، وتقاسم العائدات النفطية، راوحت مكانها مع عدم إظهار الجانبَين استعداداً فعلياً لتقديم تنازلات. في البداية، بدا أن المتشدّدين في الخرطوم يسعون إلى افتعال معركة على خلفية النتيجة المتوقَّعة. والأكثر إثارة للقلق كانت التصريحات الصادرة عن العديد من المسؤولين الحكوميين والحزبيين المنتمين إلى حزب المؤتمر الوطني والذين دعوا إلى طرد الجنوبيين الذين يعيشون في الشمال ويُقدَّر عددهم بنحو مليونَي نسمة، انتقاماً من التصويت لصالح الانفصال. صحيح أن حزب المؤتمر الوطني لجم لاحقاً التصريحات الرسمية المعادية علناً للجنوبيين، إلا أنه استمرّ في استخدام المواطنية أداة سياسية في مفاوضات الوضع النهائي عبر الإصرار على حرمان الجنوبيين الذين يعيشون في الشمال من "الحرّيات الأربع"، أي الإقامة والعمل والتنقّل والتملّك، التي منحتها الحكومة على سبيل المثال للمصريين المقيمين في السودان.

من شأن تصلّب المواقف في موضوع المواطنية أن يلحق الضرر بالسكّان على  جهتَي الحدود، نظراً إلى أن العديد من الجنوبيين مندمجون اقتصادياً في الاقتصادات الريفية للمجتمعات الشمالية المحاذية، ولاسيما كعمّال زراعيين وحرفيين. ورداً على التهديد بسحب الجنسية جماعياً من الجنوبيين الذين يعيشون في الشمال وطردهم، قد تحاول الحركة الشعبية لتحرير السودان منع الهجرة الموسمية للرعاة الشماليين الذين تتوقّف أرزاقهم على تمضية جزء من العام في الجنوب مع قطعانهم، الأمر الذي سيقود حكماً إلى كارثة. من أجل تأمين رفاه شعبَيهما، سوف يكون على حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان الاتفاق على حدود مرنة تجيز حرّية التنقّل والتبادلات الاقتصادية، بحسب توصيات وسطاء الاتحاد الأفريقي.

بغض النظر عن التصريحات العامة المثيرة للانقسام والحملات الإعلامية الرسمية المعادية، دفعت اعتبارات براغماتية بالحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر الوطني إلى الموافقة، ولو على مضض، على المسائل العالقة، حيث يحافظ جنوب السودان على اعتماده الكامل على العائدات النفطية التي يجب تقسيمها بالتساوي مع الخرطوم بموجب أحكام اتفاق السلام الشامل، في حين أصبحت الخرطوم تعتمد أيضاً على الإيرادات من حقول النفط الجنوبية التي تؤمّن ثلاثة أرباع الإنتاج النفطي الوطني. تصبّ التسوية المستندة إلى الاستمرار في تقاسم العائدات النفطية في مصلحة الطرفَين، إذ إنّه لامخرج للجنوب إلى البحر في حين أن كل مصانع تكرير النفط وخطوط الأنابيب المستخدمة في التصدير تقع في الشمال.

بحلول نهاية العام المنصرم، بدا أن حزب المؤتمر الوطني أذعن لفكرة استقلال جنوب السودان، لكن خوفاً من إضعاف متوقّع لقبضته على السلطة في باقي السودان عقب انفصال الجنوب، انسحب في نهاية 2010 من محادثات السلام في دارفور التي كانت تتم بوساطة مشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وبتيسير من قطر. في الوقت نفسه، استمرّ تدهور الوضع الأمني في دارفور مع سعي القوات الحكومية إلى قمع ومعاقبة أنصار حركة العدل والمساواة وفصيلَي حركة تحرير السودان في دارفور. هذه المجموعات تنتظر الآن ماستؤول إليه الأمور، أملاً في أن يدعم جنوب السودان المستقل مطالبها بوضع ترتيبات فعلية لتقاسم السلطة والثروات في دارفور وتعويضات مجدية عن ضحايا الحرب، الأمر الذي أظهرت الحكومة تردّداً في القيام به حتى الآن.

فضلاً عن ذلك، تملك مجموعات أقلّية كبرى أخرى في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق حيث كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان شريكاً في الحكم مع حزب المؤتمر الوطني طوال المرحلة الانتقالية الممتدّة لست سنوات إنما من دون تعبئة عشرات الآلاف من مقاتليها، روابط إتنية وسياسية قوية مع الجنوب. وفي مؤشر هام، أطلق قادة كبار في الحركة الشعبية لتحرير السودان في ولايتَي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وفي المعارضة الوطنية، مؤخراً تهديداً يكاد يكون مكشوفاً بالعودة إلى الحرب إذا جرى محو بعد الاستفتاء المكاسب التي تحقّقت بشق النفس لمصالح الأقليات التي يمثّلونها في الشمال. من شأن التقاء حركات التمرّد في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق أن يضع شمال السودان، الدولة الجديدة الأخرى التي ستنبثق عن استفتاء يناير/كانون الثاني، على فوهة بركان.

في الجنوب، يثير سؤالان أساسيان القلق: هل ستصمد وحدة الهدف الحالية التي ولّدها الاستفتاء بعد انتهائه؟ وكيف سيحقّق الجنوب المستقل الازدهار الاقتصادي؟ على الأرجح أن التشنّجات الإتنية والسياسية التي لاتزال تؤجّج العنف المحلي بين المتّحدات المجتمعية في المنطقة سوف تتفاقم أكثر فأكثر في الدولة الجديدة الناشئة. سوف يكون على قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان التخلّي عن تعاملها بصورة استعلائية مع المعارضين والمستقلّين، وعليها أن تصبح أكثر شمولاً واستيعاباً لمجموعات الناخبين المتنوّعين في الجنوب من أجل ضمان السلام والاستقرار في الدولة الجديدة. فضلاً عن ذلك، انتظر السودانيون الجنوبيون عبثاً مغانم السلام الاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية، مع هدر قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان موارد قيّمة على مشاريع عقيمة ورشاوى للنخبة الحاكمة.وأخيرا، سيتعيّن على الدولة الجديدة اعتماد معايير شفّافة وديمقراطية للحاكمية، كما أنه يجدر بها ألا تكون متسامحة على الإطلاق في التعامل مع فساد المسؤولين كي لاتتحوّل إلى دولة فاشلة.

سليمان بالدو مدير الشؤون الأفريقية في المركز الدولي للعدالة الانتقالية.