يُطبق على البحرين الآن صمت رهيب وخوف مشلّ للحركة. فمنذ منتصف مارس/آذار، أي المرّة الأخيرة التي نزل فيها عشرات آلاف المحتجّين إلى الشوارع للمطالبة بالإصلاح السياسي، وما زالت القوى الأمنية والعسكرية البحرينية تشنّ حملة عنيفة ومنظّمة لسحق قوى الديمقراطية في البلاد. القمع شديد ومروِّع. فقد قُتِل عشرات الناشطين، ويقبع مئات آخرون في السجون ويتعرّضون للتعذيب. كما أنه من المتوقع توقف صدور جريدة الوسط، أهم صحيفة مستقلة في البحرين، يوم 10 أيار/مايو.

أمام تحرّكات النظام الاستفزازية، تسقط المزاعم بأن جل ما تسعى إليه الملَكية هو إعادة إرساء القانون والنظام؛ فعلى العكس، من الواضح أن الحكومة تستخدم القانون العرفي للثأر من كل من تحدّى سلطة عائلة آل خليفة الحاكمة. فقد أقيمت نقاط تفتيش لمضايقة المواطنين الشيعة الذين يشكّلون غالبية سكّان البحرين والثقل الأساسي للمعارضة السياسية. وضربت القوى الأمنية طوقاً حول المستشفيات وأوقفت عدداً كبيراً من العاملين في القطاع الطبّي في إطار ما يبدو على أنه ترهيب حقود وغير إنساني. وطوال أسابيع، جاب عناصر الشرطة ومؤيّدو النظام في شوارع القرى الشيعية فدمّروا سيارات وممتلكات أخرى. من دعموا التظاهرات يخشون الآن الخروج من منازلهم خوفاً من أن يغمز أحد من قناتهم علناً أو أسوأ من ذلك، يُعتقَلوا ويختفوا.

يتّخذ النظام أيضاً خطوات دراماتيكية لإسكات منتقديه. فقد استهدفت السلطات الصحف والصحفيين والمدوّنين لخنق الانتقادات العامة وفرض الرقابة على التقارير عن حجم القمع وإخافة من قد تحدّثه نفسه بالتكلّم جهاراً وحمله على التزام الصمت. في الأسابيع الأخيرة، لم تعد المدوّنات البحرينية والتعليقات على صفحات "تويتر" تنبض بالحياة المعتادة، بل صمتت وهدأت نبرتها أمام همجية ما يحدث من حولها.

وهناك فعلاً ما يدعو إلى الخوف. فمن تجرّأوا على التكلّم علناً أو حاولوا الكتابة عمّا يجري من حولهم يدفعون ثمناً باهظاً.

حكاية الوسط: عبرة

في مطلع أبريل/نيسان، استهدف المسؤولون الحكوميون كبرى الصحف المستقلّة البحرينية، الوسط، واتّهموها بنشر أخبار كاذبة. إستقال رئيس تحرير الصحيفة منصور الجمري في محاولة لردع الانتقادات الموجهة الى الصحيفة. بعد استبدال الجمري بعبيدلي العبيدلي الموالي للحكومة، من المحتمل ان يواجه الجمري وشخصان من فريق تحرير الوسط محاكمة مسيّسة. وفي الخامس من أبريل/نيسان، أوقفت السلطات كريم فخراوي، أحد مؤسّسي الصحيفة وعضو جمعية الوفاق السياسية المعارضة؛ وفي 12 أبريل/نيسان توفّي الفخراوي في ظروف غامضة خلال حجزه لدى الشرطة. في 22 أبريل/نيسان، وسّعت الشرطة هجومها على صحيفة الوسط، فتعرّضت بالضرب لكاتب العمود الخاص حيدر محمد النعيمي واعتقلته، ولا يزال مصيره مجهولاً.  في ظل تلك الضغوطات، وَرَدَ أن مجلس ادارة الصحيفة والمستثمرين قرروا إغلاقها يوم إبتداء من 10 أيار/مايو.

تلقّى الأشخاص الذين تربطهم صلة بالمجموعات السياسية المعارضة الضربة الأقوى، لكنهم ليسوا الوحيدين الذين يعانون من الوطأة الشديدة لحملة القمع التي يشنّها النظام ضد حرّية التعبير. فقد أوقِف مدوّنان بحرينيان بارزان هما محمود اليوسف ومحمد المسقطي في مطلع أبريل/نيسان لأنهما دوّنا مشاهداتهما حول ما يجري في البلاد. على الرغم من أنهما انتقدا العنف الذي يمارسه أمن الدولة، إلا أنهما لا ينتميان إلى المعارضة. وطوال أسابيع وجّها دعوات متكرّرة للهدوء وضبط النفس وشجّعا الحكومة والمتظاهرين على السواء على تفادي الاستفزاز والتصعيد. وقد وجّه اعتقالهما إشارة واضحة بأن النظام لا يقبل أي اعتراض عليه.

تعبئة وسائل الإعلام الرسمية


ليست حملة القمع التي يشنّها النظام ضد وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي شكلاً من أشكال العقاب وحسب، بل هي أيضاً انعكاس لمعركته الهادفة إلى فرض رقابته على الروايات حول ما يجري في البلاد. فإلى جانب إسكات الأصوات الانتقادية، عبّأت السلطات أيضاً وسائل الإعلام الرسمية لتثبيت سيطرتها وترويج رواية بديلة حول النزاع الداخلي. وقد تصدّر التلفزيون الرسمي البحريني هذه المحاولات عبر التطرّق بالتفصيل إلى القضيّة العامّة ضد صحيفة الوسط في الثاني من أبريل/نيسان في برنامج استعرض التهم الموجَّهة إلى الصحيفة حول نشرها أنباء كاذبة. وقد شنّت المحطة حملات مماثلة ضد ناشطين بارزين أيضاً بينهم نبيل رجب الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان.

والدور الأهم الذي اضطلع به التلفزيون البحريني هو تصوير ما يجري في البلاد بأنه صدام مذهبي وليس صراعاً من أجل حقوق ديمقراطية. وقد استخدمت وسائل الإعلام الرسمية شبح التدخّل الإيراني والتهويل بصعود نفوذ الشيعة لترويع السنّة الأقل عدداً وحملهم على دعم الوضع السياسي القائم وحملة القمع الحالية.

بيد أن الإعلام الرسمي البحريني فضح عن غير قصد أساليب النظام الهمجية. في 28 أبريل/نيسان، كشفت السلطات أنه حُكِم على أربعة ناشطين بالإعدام وثلاثة آخرين بالسجن المؤبّد متّهمة إياهم بالضلوع في مقتل شرطيين بحرينيين. مثل الناشطون السبعة أمام محاكم عسكرية مغلقة. ورداً على الاتّهامات بأن النظام لم يمنحهم محاكمة عادلة، عرض المسؤولون البحرينيون شريط فيديو يظهر فيه الناشطون وهم يعترفون بارتكابهم الجريمة.

والأسوأ من الاعترافات التي انتُزِعت على الأرجح تحت تأثير الضغوط هو ظهور جثّة رجل ثامن في شريط الفيديو يدعى علي عيسى صقر. توفّي صقر في 9 أبريل/نيسان خلال احتجازه لدى الشرطة. بعد الإعلان عن وفاته، زعمت السلطات أنه تسبّب ب"الفوضى في مركز الاحتجاز". سواء كان سجيناً مشاغباً أم لا، لقد أظهرت صور جثة صقر بأنّه تعرّض لتعذيب جسدي شديد. من شبه المؤكّد أنه تعرّض لضرب مبرح حتى لفظ أنفاسه. سواء كان وجود صقر في شريط الفيديو مقصوداً أم لا، كانت الرسالة عن المعاملة التي لقيها واضحة جداً. وهي الرسالة نفسها التي يبثّها النظام من خلال انتهاكاته واستغلاله لوسائل الإعلام.

لا يواجه النظام البحريني تحدّياً حقيقياً من وسائل الإعلام. فقد رُوِّع الإعلام المستقل في الداخل. أما الإعلام الإقليمي، ولا سيما قناتي العربية والجزيرة، فقد بقيتا على مسافة من الأحداث في البحرين. والسبب الأساسي هو أن قطر قدّمت دعماً واضحاً للقمع في البحرين. صحيح أن الحكومة سمحت لحفنة من الصحفيين الأجانب بدخول البلاد، لكن كثراً مُنِعوا من الدخول. ويورد صحفيون ممن على اتّصال بالبحرينيين بأن الناس يتردّدون أكثر فأكثر في الحديث علناً خوفاً من تعرّضهم للانتقام.

على الرغم من مزاعم الحكّام البحرينيين بأنهم يفضحون الطبيعة الحقيقية للانتفاضة التي يصفونها بأنها مؤامرة إيرانية تهدف إلى زعزعة استقرار المملكة، من الواضح أن كل ما يهمّهم هو حماية أنفسهم ومعاقبة خصومهم – وأنهم مستعدّون لاستخدام كل الوسائل الضرورية لتحقيق الأمرين معاً. في الوقت الراهن، لم يبقَ أمام البحرينيين سوى أن يفكّروا في مصيرهم بصمت. لكن لا ننخدع من الهدوء الحالي، فالنزاع بين ملَكية مصمّمة على الحكم السلطوي وأكثرية حريصة على أن يكون لها رأي في اختيار حكّامها لم ينتهِ بعد.

توبي سي جونز أستاذ مساعد لمادّة تاريخ الشرق الأوسط في جامعة روتغرز. مؤلّف "مملكة صحراوية: كيف رسم النفط والمياه معالم السعودية الحديثة" (هارفرد 2010)، ومحرّر في مجلة "ميدل إيست ريبورت".