دعا النظام البحريني الذي لا يزال يتمسّك بواجهته الديمقراطية فيما يقود انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان الأساسية، إلى حوار وطني يبدأ في 2 يوليو/تموز، وأمر الملك الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة في 29 يونيو/حزيران بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق مكلفة بالتحقيق في الأحداث الإحتجاجية التي صارت في الشهور الماضية وهي خطوة لتحفيز المعارضة للمشاركة في الحوار الوطني المقبل. وأعلن الملك حمد لتشكيل "لجنة تقصي الحقائق" للتحقيق في سبب الانتفاضات في البحرين في خطاب 29 حزيران ، في لفتة واضحة لتشجيع مشاركة المعارضة في الحوار. وخُطﹼت انتخابات تكميلية في 24 سبتمبر/أيلول المقبل لاستبدال النوّاب المعارضين الثمانية عشر الذين استقالوا في فبراير/شباط الماضي احتجاجاً على قمع النظام العنيف للمتظاهرين المنادين بالديمقراطية والذين تحرّكوا بتحفيز من المناخ العام للربيع العربية. وجميع النوّاب المستقيلين هم من جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (أيضاً تُعرَف بحركة "الوفاق") وهي الجمعية السياسية المعارضة الأكبر في البحرين، والتي انبثقت عام 2001 عن مجموعة من الاتّجاهات المختلفة داخل الإسلام السياسي الشيعي البحريني.

في الواقع الحوار يعيد أن يكون القشرة الديمقراطية الآخرى وتهدف إلى تعزيز واجهة الديمقراطية في البحرين. لعل هذه هو أكثر وضوحاً في تعيين رئيس البرلمان خليفة الظهراني كزعيم للحوار في يونيو22، في حين استبدال ولي العهد سلمان بن حمد آل خليفة (الذي بدأ محادثات) ، الظهراني نفسه يمارس السلطة التنفيذية قليلاً، والوفاق، رغبة معينة للتحدث مباشرة مع الملك أو ولي العهد حول القضايا الأكثر أهمية : خصوصاً التعديلات الدستورية.  الوفاق أكبر الحركة السياسية في البحرين وتعقد 18 من 40 مقعدا في البرلمان المتاحة، وهي فقط اُعطيت خمسة ممثلين في الحوار الذي سيتألف من 300 مشاركاً ، تخفﹼ صوتها إلى حد بعيد.

وعلاوة على ذلك، فإن اعتقالات المتظاهرين المستمرة والمواطنين والحُكم بالسجن المؤبد ثمانية ناشطو حقوق الإنسان وحكمهم من قبل محكمة عسكرية في ظروف مشكوكة فيها، يدل على التهديد بإستخدام العنف سيستمرﹼ في اللحظة نفسها التي ينمد يد الحوار. اجلت محكمة الاستئناف في جلسة الاستئناف الخاصة بهم حتى 11 سبتمبر، ويعني ان ناشطي المعارضة لن نعرف نتيجة المحاكمة النهائية قبل يقرروا أن يشتركوا في الحوار الوطني. حتى نشر هذا المقال تأخرت الوفاق قرارها للانضمام.

مرحلة المعارضة المروَّضة
شكّل قرار الوفاق المشاركة في انتخابات 2006 بعد مقاطعة انتخابات 2002 عندما أصدر الملك حمد دستوراً جديداً كبح إلى حدّ كبير سلطات مجلس النوّاب، والذي عد انتصاراً كبيراً للنظام الملَكي. فقد عنى أن القوّة المعارِضة الأهم رضخت لقواعد اللعبة التي فرضها الملك، فتحوّلت الى معارضة مروَّضة. وكان من نتائجه نشوء حركة حق حركة الحريات والديمقراطية (التي تُعرَف بحركة "حق")، وهي مجموعة شيعية معارضة غير مسجَّلة انشقّت عن الوفاق واستمرّت في مقاطعة الانتخابات.

أما عن علاقة الوفاق والحكومة  فقد ظهر نوع من الائتلاف بينهما لم يُشهَد له مثيل من قبل ، وكانت للفريقَين مصلحة في تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الذي وضعه ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة. وقد هدفت الإصلاحات إلى زيادة حصّة القطاع الخاص في الاقتصاد إنما أيضاً إلى توسيع امتداد دولة الرعاية الاجتماعية. لقد اعتبر حكّام البحرين أن هذين الهدفَين يسيران جنباً إلى جنب، فمن خلال فرض ضرائب على القطاع الخاص، تتمكّن الحكومة من سداد تكاليف السياسات الاجتماعية السخيّة التي أرادت تطبيقها. وسعى إصلاح سوق العمل الذي أُطلِق عام 2006 إلى معالجة مشكلة البطالة التي كانت عاملاً أساسياً وراء الاستياء والتعبئة السياسية في التسعينات. ومن أجل دفع القطاع الخاص إلى توظيف البحرينيين (بدلاً من العمالة الأجنبية الرخيصة)، عملت الحكومة على تحسين التدريب المهني الداخلي فيما زادت في الوقت نفسه تكاليف العمالة الأجنبية من خلال الضرائب ومنحت العمّال هامش مناورة أكبر في التفاوض على عقود العمل. على الرغم من أن هذه الإجراءات لم تعجب القطاع الخاص، إلا أنها صبّت في مصلحة جمعية الوفاق التي قدّمت نفسها على أنها صوت المحرومين. أما بالنسبة إلى الملك وولي العهد، فقد كان ترسيخ دولة الرعاية الاجتماعية أداة هائلة للسيطرة الاجتماعية، وكانا مستعدّين لإغضاب أزلام النظام الكثر في مجتمع الأعمال تحقيقاً لهذه الغاية.

إزاء تعاظم الانتقادات من التيّارات المعارِضة التي باتت أقلّ استعداداً للمساومة (وكذلك بعد اندلاع الثورة)، لم يعد بإمكان الوفاق أن يؤدّي دور المجموعة المعارِضة المروَّضة التي كان عليها عام 2006، وسوف يجد صعوبة في المشاركة في الانتخابات التكميلية في سبتمبر/أيلول المقبل. حتى النظام الملكي الذي تسود فيه الآن الفصائل المتشدّدة في الأسرة الحاكمة، يشعر أنه بحاجة إلى ترسيخ قاعدته السياسية أكثر منه إلى تعزيز روابطه مع الوفاق.

ماذا عن القاعدة الشيعية للملَكية؟
من الخطأ الاعتقاد بأن قاعدة آل خليفة الشعبية تتألّف فقط من السنّة؛ فشيعة البحرين تعبرهم انقسامات داخلية عدّة تُترجَم مواقف سياسية مختلفة. يتشاطر رجال الأعمال الشيعة الذين يؤدّون دوراً أساسياً في تمويل التديّن الشعبي وتنظيمه ويتمسّكون كثيراً بهويّتهم الشيعية، مصالح تجارية مع نظرائهم السنّة. فالطرفان مرتبطان بالنخب في الدولة عن طريق شبكات المحسوبيات التي يقودها في شكل أساسي رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة المستمرّ في منصبه منذ عام 1971.

يُعرَف عن رئيس الوزراء البالغ من العمر 76 عاماً أنه يضع الولاء لشخصه قبل الانتماء المذهبي عند منحه الحماية للأشخاص. ويُقدَّم في هذا الإطار نموذجاً عن التموضع التقليدي لآل خليفة الذين يُظهرون عادةً – وخلافاً لحماتهم السعوديين – موقفاً ليبرالياً حيال الدين. لقد ساهم الأمراء والنافذون في الأسرة الحاكمة في تمويل الطقوس الدينية الشيعية الشعبية أو ترميم المساجد والحسينيات (حيث يحيي الشيعة الاحتفالات المهمّة). يشار إلى أن اليومَين التاسع والعاشر في شهر محرّم (عندما يحتفل الشيعة باستشهاد الإمام حسين) هما عطلة رسمية في البحرين. ولطالما احتفظ الحكّام بعلاقات جيّدة مع عدد كبير من رجال الدين التقليديين.

بيد أن الحملة التي يشنّها النظام الملكي لقمع انتفاضة 2011 تؤكّد أنه يبتعد عن هذه المواقف المنوَّرة. فالتظاهرات المضادّة التي أطلقها النظام قادها علماء دين سنّة حاولوا بصراحة حشد التضامن المذهبي عبر تصوير المتظاهرين بأنّهم شيعة يتحرّكون بتحريض إيراني. فضلاً عن ذلك، ظهرت تقارير مقلقة في مايو/أيار الماضي عن أعمال تخريب في ما يزيد عن أربعين مقاماً ومسجداً ومقبرة شيعية – حتى إن بعضها دُمِّر بناء على أوامر حكومية. كما دعت حركة مذهبية سنّية تُدعى "تجمّع الوحدة الوطنية" إلى مقاطعة الأعمال والشركات الشيعية في مدينة حمد. هذا وقد شكّلت استقالة شخصيّات عامّة شيعية مرموقة موالية للنظام (ولا سيما قضاة دينيون وأعضاء في مجلس الشورى) مؤشّراً عن اهتزاز قاعدة النظام الشيعية بصورة لم يسبق لها مثيل.
إذا أصرّ النظام على إجراء الانتخابات التكميلية في سبتمبر/أيلول وقاطعتها جمعية الوفاق، فهل سيوافق وجهاء الشيعة الموالون للنظام تقليدياً على توفير غطاء ديمقراطي له عبر الترشّح للانتخابات في الدوائر ذات الغالبية الشيعية كما فعلوا عام 2002؟ يقع على عاتق الحوار الوطني إقناعهم بأنه لا تزال لديهم مصالح كافية تستحقّ منهم الوقوف إلى جانب النظام.
أما في ما يتعلّق بجمعيّة الوفاق فيقطع على الأرجح وعداً بإجراء تعديلات دستورية واسعة النطاق وإذا كان النظام يريد أن يُعيدها إلى دورها السابق في المعارضة المروَّضة.

لورنس لوير زميلة أبحاث في معهد العلوم السياسية ومركز الدراسات والأبحاث الدولية والمركز الوطني للبحث العلمي في باريس.