محاكمة 150 أردنياً بتهمة الإرهاب، وهي الأكبر من نوعها في تاريخ البلاد الحديث، تُقدِّم دليلاً وافياً على الشوائب التي تعاني منها محكمة أمن الدولة الأردنية. وقد انطلقت المحاكمة على خلفية شجار عام وقع في 15 أبريل/نيسان الماضي بين مؤيّدين للحكومة و بين معارضين لها، وعناصر من الشرطة في مدينة الزرقاء الفقيرة شمال شرق عمان: وحدهم أعضاء المعارضة يواجهون تهماً بارتكاب أعمال إرهابية.

 المحاكمة التي تدور وقائعها داخل رواق في سجن الموقر 2 ذي الحراسة الأمنية المشدّدة في الصحراء شرق عمان، مشوبة بعيوب خطيرة، ما يطرح علامات استفهام حول الادّعاء بأن الأردن تلتزم سيادة القانون. كما أن اختيار الإسلاميين من دون سواهم لمحاكمتهم في تهم إرهابية، يثير شكوكاً حول مسار الإصلاح السياسي الذي تسلكه المملكة، وحول رغبتها المعلَنة في حماية الحق في حرية التعبير والتجمّع.

نظّم السلفيون احتجاجات عدّة في وقت سابق من هذا العام، وكانت كلّها سلمية، بهدف الضغط من أجل الإفراج عن السلفيين الموجودين في السجون وتطبيق الشريعة الإسلامية. لكن في 15 أبريل/نيسان، وبعد انتهاء التظاهرة، وقعت أعمال عنف لمدّة عشرين دقيقة على مسافة نصف كيلومتر من موقع الاحتجاج. ليس واضحاً من هو الطرف الذي بدأ العنف أو ما هي الدوافع؛ فكل ما تعلمه منظمة هيومن رايتس ووتش هو أن بعض السلفيين والموالين للحكومة وعناصر الأمن تعاركوا بواسطة العصي والحجارة والسكاكين وتبادلوا اللكمات. وروى أحد المتظاهرين لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن بعض المشاركين في التظاهرة جاؤوا مسلّحين بالسكاكين والسيوف، بعدما كان موالون للحكومة وعناصر من الشرطة قد تهجّموا على مجموعة من المحتجّين غير السلفيين في عمان في 25 مارس/آذار. وزعمت مديرية الأمن العام أن أكثر من 80 شرطياً أصيبوا بجروح، فيما أُدخِل نحو اثني عشر سلفياً إلى المستشفى للعلاج. وأعقبت تلك الحادثة حملة توقيفات سريعة طالت 159 شخصاً في ستّة أيام، فيما لاتزال الشرطة تبحث عن مئة مشتبه به، بحسب المسؤولين في الأمن العام. وورد في القرار الاتهامي الذي حصلت منظمة هيومن رايتس ووتش على نسخة منه أن المدّعي العام العسكري في دائرة المخابرات العامة وجّه في 20 أبريل/نيسان الماضي تهماً إلى 230 شخصاً بارتكاب "أعمال إرهابية" و"القيام بأعمال شغب" و"الاعتداء" و"التجمهر غير المشروع". وليس بين المعتقلين أيٌّ من الموالين للحكومة أو من رجال الشرطة.

أوقفت القوى الأمنية بعض الأشخاص لمجرّد أنهم سلفيون – أو تجمعهم صلة قربى بسلفيين – من دون أن تكون هناك أدلّة عن تورّطهم في أعمال العنف. وروى سلفي لم يشارك في التظاهرة أن عناصر من فرقة المغاوير التابعة للقوات الخاصة اقتحموا منزله في الواحدة فجراً وأوقفوه مع نسيب له لاينتمي إلى السلفيين. وأضاف أن عناصر من المغاوير يضعون أقنعة على وجوههم احتجزوه مع آخرين في مكان مجهول وضربوهم طوال ثلاث ساعات بعدما عصبوا عيونهم وكبّلوا أيديهم خلف ظهرهم. وقد أُخلي سبيل هذا الشخص ونسيبه بعد ثلاثة أسابيع. وروى سلفي آخر أنه أوقِف في 16 أبريل/نيسان لدى خروجه من المستشفى على أثر خضوعه إلى عملية جراحية وكانت ملفّاته الطبية لاتزال بحوزته، وأن الحرّاس في إدارة البحث الجنائي في عمان أوسعوه ضرباً ورطموا رأسه بالجدران. وتحدّث العديد من المعتقلين الآخرين أيضاً عن تعرّضهم للضرب أثناء احتجازهم لدى الشرطة أو بعد نقلهم إلى سجن الموقر. بيد أن محامي الدفاع عن السلفيين يقولون إنه لم تُجرَ أي تحقيقات بعد لكشف ملابسات سوء المعاملة. وقد أخلي سبيل 77 من الموقوفين لعدم كفاية الأدلّة. أما المئة الآخرون الذين لايزالون قيد الحجز فقد أمضوا أكثر من خمسة أشهر في الحبس الانفرادي، ولايزال عبد شحادة الطحاوي وأيمن البلوي اللذان يُعتبَران من القادة، في الحبس الانفرادي. وقد ردّت المحكمة مراراً وتكراراً الطلبات التي رُفِعت إليها لإطلاق سراح الموقوفين بكفالة.

لاتتضمّن الأدلّة ضد الأشخاص الذين يخضعون للمحاكمة، بما في ذلك إفادات الشهود التي استمعت إليها منظمة هيومن رايتس ووتش في المحكمة وراجعتها مع محامي الدفاع، أي مؤشّر عن أن المتّهمين مسؤولون عن ارتكاب عنف سياسي يندرج في خانة الإرهاب. وقال شهود من الشرطة إنهم رأوا كل الأفرقاء (السلفيين والموالين للحكومة ورجال الشرطة) يتعاركون. لم تكفِ هذه الأدلة لإثبات تهم الإرهاب، ناهيك عن توجيه الإتهام إلى المعارضين السلفيين بأنهم المعتدون. بيد أن الادّعاء اعتبر أن المشاركة في تظاهرة مرتبطة بالعنف – حتى ولو أن مسافة زمنية ومكانية تفصلها عن موقع العراك – هو جناية إرهابية، وأشار إلى توقيفات سابقة أو اعترافات بعض المدّعى عليهم بأنهم ينتمون فعلاً إلى تيار "سلفي جهادي".

وبين المدّعى عليهم أشخاص مثل نضال الغرايبة الذي يقول إنه اعتُقِل عندما دفع به شرطي للاحتماء داخل شاحنة صغيرة للشرطة بعدما بدأت الحجارة تتطاير. وتجربته هذه تسلّط الضوء على العواقب التي تترتّب عن عمل القوى الأمنية غير الخاضعة للمساءلة بالتعاون مع المحاكم التي تذعن لها. وروى صالح، شقيق الغرايبة، لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن شقيقه أصبح سلفياً العام 2004 بعدما سمع شرطي خارج دوام خدمته بالصدفة كلاماً قاله الغرايبة عرضاً عن الملك، واتّهمه بالمس بالذات الملَكية. أمضى الغرايبة أشهراً في الحجز (حيث تعرّف إلى عدد من السلفيين) قبل أن تجده المحكمة غير مذنب. أُدخِل السجن من جديد العام 2010، وقيل له إنه سيُخلى سبيله إذا دوّن خطّياً آراءه الصريحة عن البلاد والملك. فامتثل، لكن عوض إطلاق سراحه، حوكِم أمام محكمة أمن الدولة وأدين مرّة أخرى بتهمة المس بالذات الملكية، إنما هذه المرّة بالاستناد إلى الآراء التي طلبت منه المحكمة تدوينها كتابةً.

ليس اعتقال المشتبه بهم المعتادين وتوجيه تهم شكلية إليهم بالأمر الجديد في الأردن. وعلى الرغم من ذلك، تختلف هذه المحاكمة عن المحاكمات الأخرى في محكمة أمن الدولة على خلفية تهم بارتكاب جنحة القدح والذم أو أعمال إرهابية. فقد واجه المدّعى عليهم في قضايا سابقة تهماً باللجوء إلى العنف السياسي أو دعمه، على غرار القضيّة ضد القيادي السلفي عصام البرقاوي، المعروف بأبو محمد المقدسي، وثلاثة آخرين اتِّهِموا بتقديم دعم مالي لحركة طالبان، لكنهم وُجِدوا غير مذنبين في المحاكمة التي انتهت في يوليو/تموز الماضي؛ أو أيضاً مخطّط تفجير مطار الملكة عليا الذي أُحبِط العام 2006 (أُدين المخطّط العام 2007). وفي القضية الوحيدة الأخرى التي طالت عشرات المدّعى عليهم في أعمال إرهابية وتهم أخرى ذات صلة، كان حجم العنف مختلفاً أيضاً: أصدرت محكمة أمن الدولة أحكاماً بحق 34 مدّعى عليه العام 2006، وبرّأت 74 آخرين من التهم المنسوبة إليهم على خلفية دورهم في أعمال الشغب التي شهدتها مدينة معان جنوب الأردن العام 2002، حيث لقي ستّة أشخاص بينهم شرطيان مصرعهم في صدامات استمرّت أياماً عدّة بين الآلف من عناصر الشرطة وسكّان المدينة.

مازال على عدد كبير من شهود الادّعاء والدفاع الإدلاء بشهادتهم، لكن الفرصة سانحة أمام رئيس الوزراء الجديد عون الخصاونة، الذي كان قاضياً في محكمة العدل الدولية، كي يسعى إلى تطبيق جوهر التعديلات الدستورية التي أُقِرَّت في 30 سبتمبر/أيلول ويفرض العمل بمبدأ عدم محاكمة المدنيين في المحاكم الخاصة. والسبب هو أن محكمة أمن الدولة، وهي إحدى هذه المحاكم الخاصّة، ليست مستقلّة، بل تنعقد في هيئات مؤلَّفة من قاضيَين عسكريين يعيّنهما رئيس أركان القوات المسلحة، وقاضٍ مدني يعيّنه رئيس الوزراء الذي يحقّ له إحالة قضايا إلى المحكمة.

تنصّ التعديلات على حصر صلاحيات محكمة أمن الدولة بقضايا الخيانة العظمى والتجسّس وتجارة المخدّرات والإرهاب. وعندما تنطلق محاكمة في قضايا من هذا النوع، وحدها محكمة أمن الدولة تستطيع متابعتها والوصول بها إلى خواتيمها، لكن بإمكان الخصاونة أن يوضح أن القضايا المشابهة لقضية الأحداث التي وقعت في 15 أبريل/نيسان وتشير فيها الأدلّة إلى أن ما حصل هو في أقصى الأحوال شجار في الشارع، يجب أن تكون من اختصاص المحاكم المدنية.  

كريستوف ويلكي باحث أول في شؤون الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش.

تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.