لا تزال البحرين عالقة في أزمة سياسية تبدو عصيّة على الحل. فمنذ مارس/آذار الماضي، شنّت قوّاتها الأمنية حملة وحشيّة لقمع الحركة المؤيّدة للديمقراطية في البلاد. وقد أصيب آلاف المواطنين بجروح، وقتل العشرات في أعمال العنف. ولم توفّر حملة القمع أحداً من الداعمين لمطالب الإصلاح السياسي: فقد عانى صحافيون، ورياضيون معروفون، وناشطون وطلاب ومعلّمون، وآلاف العمّال (حتى المهنيّون الطبيون الذين عالجوا المصابين) من صدمات - تراوحت من خسارة عدد كبير من الأشخاص لوظائفهم إلى الأذى الجسدي. 

صحيح أن حدّة العنف تراجعت، بيد أن الاحتجاجات وتبادل الاتّهامات تتواصل. لكن النظام نجح، إلى حد كبير، في خنق الحركة الاحتجاجية عبر الإبقاء على حضور أمني دائم في القرى الفقيرة التي تؤوي معظم الأشخاص الذين يمكن أن يتظاهروا. كذلك، تواظب الشرطة على الإستخدام غير المتكافئ للقوّة في تفريق الجنازات والاحتجاجات، وكذلك التجمّعات السياسية السلمية.

لكنّ حكّام البلاد يدركون، على ما يبدو، أنه لايمكن أن يستمرّ الترهيب والعنف إلى ما لانهاية. لقد كانت كلفة القمع كبيرة جداً: فقد تباطأ الاقتصاد، ونقل المستثمرون رساميلهم إلى الخارج. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة امتنعت (حتى الآن) عن تحدّي تجاوزات النظام بصورة مباشرة، إلا أن ثمة مخاوف من أن المسؤولين الأمريكيين قد يُضطرّون في نهاية المطاف إلى إعادة النظر في علاقتهم الاستراتيجية القائمة منذ وقت طويل مع النظام في البحرين في حال استمرت الأزمة أو تفاقمت.

المؤشّر الأبرز عن إدراك النظام البحريني لهذا الواقع، كان في أواخر يونيو/حزيران الماضي عندما أصدر الملك حمد بن عيسى آل خليفة مرسوماً قضى بإنشاء اللجنة البحرينية قضى بإنشاء اللجنة البحرينية المستقلّة لتقصّي الحقائق التي تولّى رئاستها الباحث القانوني المحترم البروفسور محمود شريف بسيوني. وإلى جانب تقديم سرد كامل للآحداث وسياقها، طُلِب من اللجنة "تحديد ما إذا كانت أحداث فبراير/شباط ومارس/آذار 2011 (وبعد ذلك) قد شهدت انتهاكات لقوانين وقواعد حقوق الإنسان الدولية وتقديم التوصيات التي تراها مناسبة".

منذ الصيف، أعرب ناشطون ومجموعة كبيرة من المعارضين عن شكوكهم حول قدرة اللجنة على إجراء تحليل مستقلّ للأحداث. وزاد بسيوني من حدّة الالتباس بعدما أدلى بتصريحات متسرِّعة للإعلام أوحى فيها أن الحكومة غير مسؤولة عن الفظائع التي ارتُكِبت في مارس/آذار. لكن على الرغم من هذه الشكوك، أوليَت أهمية كبرى لتوصيات اللجنة على المستويَين المحلّي والدولي. وكانت الولايات المتحدة قد بادرت على الفور إلى تأجيل صفقة لبيع أسلحة إلى البحرين بقيمة 53 مليون دولار إلى حين صدور التقرير، ولاتزال الصفقة معلّقة بانتظار معرفة كيف ستتعامل الحكومة البحرينية مع توصيات اللجنة.

في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، أصدرت اللجنة البحرينية المستقلّة لتقصّي الحقائق استنتاجاتها التي جاءت لافتة إلى حد كبير. فقد أوردت اللجنة بوضوح أن الأجهزة الأمنية البحرينية استخدمت "القوة المفرطة" في تفريق الاحتجاجات، موثِّقةً نمطاً مدمِّراً من العنف والتعذيب والتعسّف المنظَّم. لقد أكّد التقرير عملياً، وبالتفصيل الدقيق، كل الانتقادات التي وُجِّهت إلى النظام في الأشهر العشرة الأخيرة. فعلى النقيض من الصرخات عالية النبرة التي أطلقها المسؤولون في المنامة والرياض عن وجود مؤامرة تحاك ضد البحرين، خلصت اللجنة إلى أنه ليس هناك من "رابط واضح" بين الاحتجاجات في البحرين وبين الحكومة الإيرانية، وأن الحركة المؤيّدة للديمقراطية ليست جزءاً من مخطّط دولي أوسع. 

لا بد من الإشارة إلى أن التقرير انتقد أيضاً المتظاهرين الذين استخدموا العنف، كما انتقد الوفاق والعديد من الجمعيات السياسية البارزة الأخرى لعدم انتهازها فرصة الحوار التي عرضها عليها ولي العهد سلمان بن حمد بن عيسى آل خليفة في مارس/آذار الماضي.

لاتزال الفائدة السياسية الحقيقية لاستنتاجات اللجنة غير واضحة. فهي توثّق الاستخدام المفرط للقوّة ومدى انتهاك حقوق الإنسان، لكنها أقل وضوحاً في مواضيع المحاسبة. فقد وجّهت اللجنة انتقاداتها الأهم إلى الأجهزة الأمنية عموماً بدلاً من أسيادها السياسيين. وتطالب بمعاقبة منتهكي قانون الجنايات ووضع حد للمحاكمات العسكرية، لكنها لاتحمِّل أيّ مسؤولية لكبار المسؤولين الحكوميين- ناهيك عن أفراد العائلة الحاكمة.

لم يعطِ الحكّام في البحرين، وهذا متوقّع، أيّ إشارة بأن الإصلاح السياسي الحقيقي مطروح على طاولة البحث، ولاتتطرّق اللجنة أبداً إلى هذه النقطة. وبعد صدور التقرير، قال الملك حمد إنه يسعى إلى طيّ الصفحة. لكن واقع الحال هو أن المسؤولين يبحثون، على مايبدو، عن أساليب للتهرّب من المسائل السياسية البنيوية التي تواجههم. كانت إحدى التوجيهات الأولى التي أصدرها الملك إنشاء لجنة ثانية لدراسة توصيات اللجنة البحرينية المستقلّة لتقصّي الحقائق، إلا أن هذا المشروع قد يطول إلى أجل غير مسمّى، وقد رفضته المعارضة. لقد سعت الحكومة إلى تطبيق إصلاحات أمنية محدودة، لكنها تبدو شكليّة في معظمها، فهي مجرّد بوادر تتقيّد تقنياً بتوصيات التقرير، إلا أنها لا تذهب أبعد من ذلك بكثير. ففي 29 نوفمبر/تشرين الثاني، أقال الملك حمد الشيخ خليفة بن عبدالله رئيس جهاز الأمن الوطني. وأعلنت السلطات أيضاً أنها ستضع مدوّنة سلوك للشرطة وتستقدم عناصر أمن أجانب للاستعانة بهم في التدريب.

ولعلّ المؤشّر الأبرز عن استعداد الأسرة الحاكمة للذهاب بعيداً في مواجهتها مع المحتجّين، هو أن الحضور الأمني في الشوارع بالكاد انحسر، لا بل على العكس، ازداد عنف الدولة حدّة. فقبل ساعات فقط من الحفل العام الذي أعلنت فيه اللجنة ما توصّلت إليه، قتلت الشرطة عبد النبي كاظم في قرية عالي. وفيما كان بسيوني يعرض استنتاجات التقرير أمام الملك في مؤتمر صحافي عام، كانت الشرطة تفرّق المحتجّين بالوسائل العنيفة والهمجية في القرى المجاورة.

صحيح أن اللجنة تجنّبت الغوص في الإرشاد السياسي المباشر، إلا أن إنشاءها كان كافياً لممارسة تأثير في المشهد السياسي في البلاد. فثمة اعتقاد على نطاق واسع بأنه في خضم الفوضى التي سادت في الربيع الماضي، ثبّت رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة الذي يتولّى منصبه منذ وقت طويل والمتشدّدون حوله، سيطرتهم وهمّشوا الشخصيات الأكثر "اعتدالاً" في الأسرة الحاكمة، ولاسيما ولي العهد سلمان بن حمد بن عيسى آل خليفة الذي حاول في مارس/آذار التفاوض على تسوية سياسية مع الوفاق لكنه لم ينجح.

اعتقد كثرٌ أن إنشاء اللجنة والتوصيات التي ستصدر عنها ستتيح فرصة جديدة لولي العهد ومؤيّديه. فمن الواضح أن اللجنة تعتبر أن عدم موافقة المعارضة على عرض الحوار الذي قدّمه ولي العهد في مارس/آذار الماضي كانت السبب وراء تدهور الأوضاع. لكن على الرغم من ذلك، ومع أن التقرير يسلّط ضمناً ضوءاً سلبياً على المتشدّدين في النظام، لا يُقدِّم خريطة طريق ولا مجموعة من الآليات السياسية التي تتيح للشخصيات الأكثر اعتدالاً أن تثبت وجودها من جديد.

لكن الأهم من ذلك، هو أن السرد الموجع عن وحشيّة النظام الذي تضمّنه التقرير منح زخماً لمختلف أطياف المعارضة البحرينية، مستنهِضاً التطلّعات إلى وجوب إجراء تغييرات شاملة. لقد أطلق قادة المعارضة، من الوفاق إلى أولئك الذين قادوا احتجاجات صغيرة إنما مستمرّة في الشوارع منذ الربيع المنصرم، (بما في ذلك الأشخاص الذين يتماهون مع الشباب الذين كانوا رأس الحربة في حركة 14 فبراير/شباط) دعوات علنية لاستقالة الحكومة، وإظهار التزام حقيقي بتطبيق إصلاح سياسي جوهري، وإحقاق العدالة إنصافاً للقتلى وللأشخاص الذين تعرّضوا إلى التعذيب في الأشهر العشرة الأخيرة. وهم يؤكّدون أن كل ما هو دون ذلك يجعل التقرير فرصة مهدورة. 

التصلّب الظاهر في موقف الوفاق هو نتيجة مباشرة لتقرير اللجنة البحرينية المستقلّة لتقصّي الحقائق. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أرسل التنظيم السياسي الأكبر في البلاد، إلى جانب العديد من الجمعيات المعارضة الأخرى، إشارات بأنه مستعدّ لإعادة النظر في الشروط التي عرضها ولي العهد في مارس/آذار كسبيل للخروج من المأزق. لكن الوضع قد يتغيّر مع صدور تقرير اللجنة الذي مارس تأثيراً مماثلاً بالنسبة إلى آلاف البحرينيين الذين لايصطفون إلى جانب المعارضة النظامية، والذين يشكّلون عصب الحركة الاحتجاجية، فقد أضفى التقرير شرعية على نضالاتهم وكوّن لديهم اقتناعاً بأنهم يملكون الآن مصدراً هاماً من النفوذ الجدّي يتيح لهم الإصرار على التغيير السياسي الشامل. ربما اعتقد الملك وأنصاره أن اللجنة سوف تبدِّل المشهد السياسي في البلاد لمصلحتهم، لكن يبدو أنهم أخطأوا التقدير، على الأقل في المدى القصير.

البحرين في ورطة الآن، فعبء التحرّك يقع بوضوح على كاهل النظام الذي لايتمتّع على ما يبدو بالإرادة السياسية الضرورية كي يخطّ مساراً جدّياً نحو الأمام. فهو يفضّل، كما يظهر، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتحديداً إلى مطلع مارس/آذار الماضي أملاً في إقناع المعارضة بملاقاته في منتصف الطريق. لكنّ النظام البحريني واهِم نظراً إلى سجلّه الطويل وتداعيات خياراته الوحشيّة والاستنتاجات التي توصّلت إليها اللجنة البحرينية المستقلّة لتقصّي الحقائق.فقد أتاح تقرير اللجنة، عن غير قصد، للمعارضة أن تستعيد قواها، والسبيل الوحيد للمضي قدماً نحو الأمام هو أن تتّخذ الحكومة خطوات جدّية لتطبيق إصلاح سياسي جوهري. في المدى القصير، يمكنها توجيه إشارة واضحة من خلال الإفراج عن السجناء السياسيين، وخفض الوجود الأمني في الشوارع، واتّخاذ تدابير فورية لمحاسبة جميع المسؤولين عن التعذيب. وكل ما هو دون الإصلاح الحقيقي سيؤدّي حكماً إلى استفحال الأزمة البحرينية.

 
توبي سي جونز أستاذ مساعد في مادّة التاريخ في جامعة روتغرز. يمكنكم متابعته على تويتر على @tobycraigjones.