قبل العام 2009، لم يكن يُنظَر إلى الإسلاميين في الكويت، عموما،ً بأنهم قوة معارِضة للحكومة. وفي الواقع، كان كويتيون كثر يعتبرون أن ولي العهد ورئيس الوزراء السابق الشيخ سعد العبدالله، قد وقف إلى جانب الإسلاميين في الثمانينيات والتسعينيات ضد اليساريين والليبراليين. لكن في العامَين الماضيين، تغيّرت جماعة الإخوان المسلمين في الكويت إلى حد كبير. فقد أدّى ذراعها السياسي، الحركة الدستورية الإسلامية أو حدس، دوراً بارزاً في التعبئة ضد رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح، وهو عضو في الأسرة الحاكمة وليبرالي الميول وذو خبرة ديبلوماسية واسعة، لكنّه متَّهم بالفساد منذ تعيينه رئيساً للوزراء لأوّل مرة في فبراير/شباط 2006. وقد استقال ناصر المحمد من منصبه في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وحلّ مكانه وزير دفاعه السابق، جابر المبارك الحمد الصباح. 

شكّلت إطاحة ناصر المحمد حدثاً نادراً في التاريخ الكويتي، إذ انه استقال سابقاً سبع مرّات وأعيد تكليفه من جديد، ولم يُستبدَل إلا في المرة الثامنة. وقبل العام 2006، أحجم النوّاب عن الدخول في مواجهة مع رئيس الوزراء لأنه كان أيضاً ولي العهد (وبالتالي أمير البلاد المقبل). لكن عندما فُصِل منصب رئيس الوزراء عن لقب ولي العهد، خسر رئيس الوزراء تلك الحصانة وأصبح عرضةً للاستجواب في مجلس الأمة. فتسبّب ذلك بمأزق أدّى إلى تعطيل مجلس الوزراء الكويتي: فعندما كان مجلس الأمة يرفع طلبات لاستجواب الحكومة، كان الأمير يبادر فوراً إلى حل مجلس الأمة، مما أدّى إلى حله ثلاث مرات بين العام 2006 وبين العام 2009، كما استقالت الحكومة أيضاً سبع مرات في محاولة للتهرّب من الاستجواب النيابي.

في خضم المعارضة النيابية الواسعة لناصر المحمد، لم يكن صوت حدس عالياً في البداية. لكن نقطة التحوّل الأساسية كانت العام 2009 خلال تنفيذ "مشروع مصفاة النفط الرابعة"، في إطار عقد قدره 15 مليار دولار أمريكي كان سيؤدّي إلى استبدال مصنع الشويبة المترهّل وتوسيع إنتاج النفط الوطني. فقد أشار النواب إلى وجود أخطاء إجرائية غير قانونية في المشروع، وهدّدوا بإخضاع وزير النفط محمد العليم – العضو في حدس– لاستجواب قاسٍ حول انعدام الشفافية. وبعد تسلّم تقرير ديوان المحاسبة، الذي جاء فيه أن وزير النفط الوطني الكويتي لم يتقيّد بالتنظيمات مرعية الإجراء، عمد رئيس الوزراء ناصر المحمد إلى إرجاء المشروع إلى أجل غير مسمّى. فشعرت حركة حدس بأنها تعرّضت للخيانة (لأنها دعمت العليم)، وردّت بطلب استجواب رئيس الوزراء نفسه، متّهمةً إياه بتبديد المال العام لأغراض شخصية، وعرقلة تنفيذ خطط إنمائية تصب في إطار المشروع المذكور. لكنها لم تدعم حججها بالبراهين الكافية مما ألحق ضرراً بمصداقيتها. فقد اعتُبِر تحرّكهم رد فعل غير أخلاقي، وهو موجّه ضد قيام رئيس الوزراء بسحب الدعم عن أحد أعضاء حدس. وكان هذا من العوامل التي أدّت إلى هزيمة الحركة في الانتخابات في مايو/أيار 2009. فقد فاز عضوان فقط في حدس بمقعد في مجلس الأمة، مع العلم بأنه لروابطهما القبلية الفضل الأساسي في ذلك، وهما: جمعان الحربش (من قبيلة عنزه) وفلاح الصواغ (من قبيلة العوازم). يشار إلى أن الحزب كان يشغل ستّة مقاعد في مجلس الأمة عام 2006. 

ومنذ المواجهة حول مصفاة النفط، ركّز الحزب على استعادة شعبيّته. فقام الحربش والصواغ  ببناء تحالفات مع نوّاب آخرين، واضعين أوراقهم في السلّة نفسها مع كتلة العمل الشعبي، بقيادة رئيس مجلس النواب السابق أحمد السعدون، والشخصية الأبرز في الكتلة، مسلم البراك، الذي يحظى بشعبية واسعة. لكن أبعد من موقفهما المعارِض لناصر المحمد، لا يتشاطر حدس وكتلة العمل الشعبي أي أجندات سياسية. 

كذلك، نسبت حدس الفضل لنفسها في حشد المعارضة خارج مجلس الأمة. فقد بلغت الدعوات لرحيل ناصر المحمد مستوى جديداً في 8 ديسمبر/كانون الأول 2010،عندما فرّقت شرطة مكافحة الشغب تجمّعاً سياسياً في منزل الحربش المنتمي إلى حدس. وقد تعرّض عبيد الوسمي، الذي شارك في اللقاء وهو أستاذ في القانون الدستوري في جامعة الكويت، إلى ضرب مبرح وجرى توقيفه لاحقاً بتهمة "إهانة رجال الأمن ومقاومتهم" و"التحريض على الشغب السياسي". فكانت هذه الحادثة كافية لحمل المعارضة على المطالبة باستقالة رئيس الوزراء. وقد توالت الاحتجاجات وطلبات الاستجواب رداً على ما جرى، وفي شهر مارس/آذار الماضي، شارك عدد أكبر من الأشخاص في تجمّع مناهض لناصر المحمد. 

لاحقاً، عندما أُعلِن عن تكليف الشيخ جابر المبارك رئاسة الوزراء بعد استقالة ناصر المحمد، لم تكتفِ حدس بتهنئته على الفور بمنصبه الجديد، بل نسبت إلى نفسها الفضل في إطاحة رئيس الوزراء. أما في الأسبوع الفائت، فقد اجتمع من جديد نوّاب وشخصيات سياسية في منزل الحربش لمناسبة الذكرى الأولى لحادثة 8 ديسمبر/كانون الأول الشهيرة، للتذكير بأن الحركة الناجحة ضد ناصر المحمد انطلقت من منزل نائب ينتمي إلى حدس. 

وفي خطوة ربما كانت غير مفاجئة، دعت حركة حدس إلى حل مجلس الأمة معتبرةً أنه يجب التخلّص من "النواب المرتشين" الذين كانوا يتقاضون أموالاً من ناصر المحمد. وقد قاد الحربش، الذي أصبح الشخصية الأبرز في حدس، هذه الدعوات عبر البيانات الصحافية التي أصدرها في الأشهر الماضية، إلى جانب محمد الدلال، الناطق باسم حدس والمرشّح للانتخابات النيابية المقبلة. إنها محاولة واضحة لاستغلال خروج ناصر المحمد واستثمار صورة الحزب المتجدِّدة، من أجل تحسين نتائجه في الانتخابات المقبلة التي ستجرى في الرابع من فبراير/شباط المقبل. وهذه المحاولة قد تتكلل بالنجاح.

من جهة أخرى، يُتوقَّع أن يخسر الليبراليون مقاعد بعدما هاجمتهم حدس وكتلة العمل الشعبي بسبب الفتور الذي تعاملوا به مع الاحتجاجات ضد رئيس الوزراء. فعلى الرغم من أن التكتّل الوطني الليبرالي اتّخذ موقفاً واضحاً ضد ناصر المحمد وصوّت ضده في جلسة حجب الثقة في يناير/كانون الثاني الماضي، إلا أنه  فشل في تنظيم احتجاجات عامة. فبدلاً من أن يطلق الليبراليّون حملتهم الخاصة ويوجّهوا دعوات لاستقطاب الدعم العام في الأيام الأخيرة لناصر المحمد في رئاسة الوزراء، امتطوا التيارات المعارِضة الأخرى. كما شجبوا اقتحام مجلس الأمة، معتبرين أنه من غير المشروع دخول ملكية عامة عنوةً. وقد فسّرت قاعدتهم الشعبية هذه الخطوات بأنها دليل ضعف وتردّد.

لن تكون عودة الإخوان المسلمين، في حال حدوثها، كبيرة كما في مصر، نظراً إلى أن حركة حدس لم تفز في تاريخها بأكثر من ستّة مقاعد (من أصل 50) في مجلس الأمة. لكنها ستُحدث تغييراً هامّاً في التحالفات في الهيئة التشريعية وفي الطريقة التي ستُستخدَم بها (أو يساء استخدامها) لخدمة المعارضة. فعلى سبيل المثال، لن يُعاد انتخاب النواب المستقلين الموالين للحكومة، فقد استدعي العديد منهم للاستجواب على خلفيّة اتّهامهم بتلقّي رشاوى من ناصر المحمد. وقد يوفّر ذلك فرصاً إضافية للإسلاميين وكتلة العمل الوطني للفوز بمزيد من المقاعد والتوحّد بهدف تشكيل أكثرية ائتلافية. أما الأطراف الذين لن يتحالفوا حكماً مع حدس والكتلة المعارضة في شكل عام، فهم النوّاب الشيعة الذين كانوا قريبين من ناصر المحمد والنواب المستقلّون الذين هم في معظمهم أعضاء غير فاعلين في مجلس الأمة ويركّزون على ردّ الجميل إلى ناخبيهم وتأمين الخدمات لهم عبر الوقوف إلى جانب الحكومة عند الحاجة. 

لاتزال المرحلة الجديدة، في ظل رئيس الوزراء المبارك، غير واضحة المعالم. إذ تحتفظ حكومته بكل الوزراء السابقين ما عدا ثلاثة كانوا قد استقالوا من مناصبهم احتجاجاً على التشنّج السياسي المتواصل. ومع ذلك، فإن استبدال ناصر المحمد بعد كل هذه المدّة وسعي الأمير إلى إنهاء المأزق الشديد، يعتبر تطوّراً هامّاً.

منى كريم صحافية وشاعرة. تُدوِّن على monakareem.blogspot.com.