مع تصاعد أعمال العنف في شوارع البحرين - الأمر الذي يختلف إلى حد كبير عن التجمّعات السلمية في شباط/فبراير وآذار/مارس 2011 - يحاول النظام البحريني إعادة إطلاق الحوار مع المعارضة. وقد وُضِعَت شروط مسبقة للشروع في الحوار الذي بادر إلى الدعوة إليه وزير الديوان الملكي، خالد بن أحمد آل خليفة، الذي يُعَدّ من الممثّلين البارزين للمتشدّدين في السلالة الحاكمة. إلا أنه من المستبعد أن تقبل المعارضة بهذه الشروط - وسوف ترفض في شكل خاص الموافقة على دستور العام 2002 الذي حرم مجلس النواب من أي سلطة فعلية - كما أنه يجب إقناعها بصدق النوايا التي تقف خلف هذا الحوار. وفي حال إطلاقه، سوف يكون هناك صعوبة في تحقيق تقارب حقيقي، إذ تشهد الساحة السياسية البحرينية انقساماً متزايداً بين المجموعات التي لاتبدي استعداداً للتوصّل إلى تسويات في ما بينها. وهذا ما يطرح إشكالية، لأنه لم يَعُد بالإمكان حصر الفاعلين في فئتَين فقط: "النظام" و"المعارضة".

انتشار المجموعات المعارضة

انقسام المعارضة كان بالفعل حقيقة واقعة قبل اندلاع الانتفاضة. فبعد القرار الذي اتّخذته جمعية "الوفاق" بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية في العام 2006 - على الرغم من الغش والتزوير والقيود المفروضة على مجلس النواب - انشقّ العديد من المسؤولين عن الجمعية، وأسّسوا حركة "حق" التي استمرّت في الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات طالما أن دستور العام 2002 لايزال قيد التطبيق. وفي حين لايزال "الوفاق" يكتفي بترداد شعار العام الماضي ("الشعب يريد إصلاح النظام")، ويُقدِّم النظام الملَكي الدستوري بأنه الحل، انضم "حق" إلى تيار "الوفاء" و"حركة أحرار البحرين الإسلامية" في "التحالف من أجل الجمهورية" الذي لا مكان فيه على الإطلاق لسلالة آل خليفة. وتطرح المجموعتان المعارضتان آراء مختلفة تماماً عن الإصلاح في البحرين، والنظام الملكي يتعامل معهما على هذا الأساس: "الوفاق" هو القوّة المعارِضة الوحيدة التي تستطيع تنظيم تظاهرات قانونية، ولم يستهدفها القمع بقدر الجمعيات السياسية الأخرى (ليس هناك أيٌّ من قادته في السجن الآن، وهذا أمر لافت).

لكن في حين لايزال الوفاق مسيطِراً في أوساط المدافعين عن نظام ملَكي دستوري، أعادت أحداث العام 2011 رسم معالم المعسكر المُطالِب بتغيير النظام. وفيما يقضي قادة المجموعات المرخَّصة - حق والوفاء والوعد - عقوبات بالسجن المؤبّد، تسلّمت الحركات الشبابية زمام القيادة في ظل "ائتلاف 14 شباط/فبراير" الذي اعتبره البعض التيّار المعارض الأقوى حالياً. أما الائتلاف الذي يصفه أعضاؤه بأنه "منتج من منتجات الثورة" فهو ليس جديداً بالكامل؛ بل يمكن اعتباره تجسيداً سياسياً لموقع bahrainonline.org الإلكتروني، الذي أسّسه علي عبد الإمام (المتواري عن الأنظار حالياً) في العام 1998، وتحوّل بسرعة منبراً أساسياً للمعارضة. كذلك، أصبح للحركة اليوم شعار وميثاق، لكن إذا تجاوزنا هذه الشكليات، فنجد من الصعب تقويمها في ظلّ غياب قائد معروف لها أو عدم ضمّها أعضاء بارزين في صفوفها. إلا أن هذه السريّة تتيح للحركة التحرّك في مناخ شديد القمع، لكنها تعكس أيضاً رفضاً لفكرة التقيّد بالشكليات السياسية التقليدية. واقع الأمر أن الائتلاف لايتكلّم دائماً بصوت واحد، وتبدو مجموعات عدّة في داخله وكأنها تتصرّف بطريقة مستقلّة. وتتمسّك هذه المجموعات الفرعية بهويّاتها المحلّية، وتُسمّى تيمّناً بالمدن أو البلدات، مثل "شباب سترة" و"شباب السنابس" و"حركة شباب الدراز". هذا الفرز على أساس الانتماء المناطقي - حتى على الإنترنت - ليس مفاجئاً نظراً إلى انتشار القوى الأمنية في مختلف أنحاء البلاد وقدرتها على تعطيل حركة الناشطين من أجل الإصلاح.

في المستقبل، يمكن أن تتسبّب الطبيعة الفضفاضة لائتلاف 14 شباط/فبراير بتجاذبات وانقسامات داخلية. إذا نجح "الوفاق" في التوصّل إلى اتفاق، فسيُضطَّر الائتلاف إلى إعادة تحديد توجّهاته انطلاقاً من مضمونه. صحيح أن الائتلاف يتشدّد أكثر فأكثر في المطالب التي يرفعها، إلا أن ثمة مؤشّرات إلى أن بعض العناصر قد يوافقون على اتّفاق ما شرط أن يتضمّن تعديلات دستورية تمنح مزيداً من السلطات لمجلس النواب؛ وفي هذا الإطار، لابد من التذكير بأن تاريخ 14 شباط/فبراير لايشير إلى اليوم الذي انطلقت فيه التظاهرة الأولى في العام 2011 وحسب، بل أيضاً إلى الوعود التي قطعها الملك في ميثاق العمل الوطني الذي عُرِض على الاستفتاء العام في التاريخ نفسه من العام 2011، ونَصَّ على إنشاء ملَكية دستورية. وهكذا، اندرجت المطالب التي رُفِعت في البداية في سياق ما اعتُبِر عقداً شرعياً بين الحاكم والشعب.

التجاذبات داخل السلالة الحاكمة 

النظام يشهد أيضاً انقسامات داخلية: ففي العام الماضي، اضطُرّ الملك حمد بن عيسى آل خليفة إلى تأدية دور الحكم بين ثلاثة مراكز للنفوذ. قبل انتفاضة العام 2011، كان ولي العهد سلمان بن حمد آل خليفة الشخصية الصاعدة داخل الأسرة الحاكمة. فلطالما كان هذا الشاب، ذو التفكير الليبرالي، الذي تلقّى تحصيله العلمي في الغرب، الشخصية البحرينية المدلَّلة لدى الدبلوماسيين الغربيين، و"الوفاق" يعتبره الورقة الأفضل في النظام.

لكن صعود ولي العهد جرى على حساب عمّه الأكبر، رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة، الذي يرأس الحرس القديم في السلالة الحاكمة. تستند سلطة خليفة إلى حد كبير إلى شبكات داخل القطاع الخاص، ولاسيما في أوساط العائلات التي تعتاش من التجارة وتشكّل منذ عقود ركيزة من ركائز الأسرة الحاكمة. فقد تلقّت مصالحها ضربة قويّة بسبب الإصلاحات التي يقودها ولي العهد، ولاسيما إصلاحات سوق العمل التي شجّعت الشباب البحريني على المشاركة في القطاع الخاص كوسيلة لمعالجة البطالة المرتفعة في البلاد. وقد فُرِضَت ضرائب على استخدام العمّال الأجانب من أجل حمل التجّار على تجاوز تردّدهم في توظيف اليد العاملة البحرينية الأغلى كلفة.

فضلاً عن ذلك، ظهر ثنائي نافذ مؤخراً في موقع القوّة الثالثة داخل السلالة الحاكمة، تمثّل في وزير الديوان الملكي خالد بن أحمد آل خليفة ووزير الدفاع والقائد العام لقوة دفاع البحرين خليفة بن أحمد آل خليفة (يصدف أنهما شقيقان)؛ غير أنَّ علاقتهما برئيس الوزراء غير واضحة. ومنذ الانتفاضة، يواظب وزير الدفاع على توجيه انتقادات شديدة للتدخل الخارجي محمِّلاً إيران، بل أيضاً الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مسؤولية عرقلة صفقات الأسلحة مع البحرين. ومع أن وزير الديوان الملكي أقل إثارة للجدل، إلا أنه ليس أقلّ تشبّثتاً بمواقفه. وهو يثير خشية المعارضة في شكل خاص، إذ تعتقد أنه الراعي الأساسي للحركات الإسلامية السنّية المتشدّدة، علماً أن مراقبين خارجيين يؤيّدون هذا الزعم. في هذه المرحلة، ليس واضحاً بعد ما إذا كان الحوار الجديد الذي يُفترَض به إدارته مجرّد تمثيلية يقوم بها النظام كي يكتسب شرعية على الساحة العالمية.

أحدثت الانتفاضة تحوّلاً في ميزان القوى بين هذه المراكز الثلاثة للنفوذ داخل السلالة الحاكمة. وأدّى تدخّل القوّة العسكرية التي تألّفت في معظمها من جنود سعوديين في آذار/مارس 2011 تحت راية قوات درع الجزيرة (القوة العسكرية المشتركة لمجلس التعاون الخليجي) من أجل مساعدة النظام على فرض الأمن من جديد - أدّى إذاً دوراً أساسياً في هذا المجال، لكن لايُعرَف كيف اتُّخِذ القرار، وهل جرى التدخّل بناء على طلب أم أن السعوديين هم الذين فرضوه. الواضح هو أن التدخّل تسبّب بتوقّف مفاجئ للحوار بين ولي العهد و"الوفاق"؛ وكان بمثابة تنصّل من سلمان الذي وجد نفسه على هامش التحالف الذي نشأ بين المتشدّدين والسعوديين. صحيح أنه لايزال يحظى بدعم المملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلا أنه من غير المرجّح أن تدخلا في مواجهة مباشرة مع السعوديين من أجله.

لاعب جديد: الناشطون الإسلاميون السنّة

ساهمت التيارات السنّية الجديدة في تعقيد المشهد البحريني. قبل الانتفاضة، حاول النظام قولبة السنّة وجعلهم أسرى لديه عبر تقديم نفسه وفقاً لخطة منهجية في صورة المتراس الأفضل في وجه "المذهبية الشيعية المدعومة من إيران". وقد دفعت هذه الاستراتيجية المذهبية بالإخوان المسلمين (المنظَّمين تحت اسم جمعيتهم السياسية "المنبر") والسلفيين ("الأصالة") إلى أحضان النظام. لايعني هذا أن الناشطين الإسلاميين السنّة قدّموا دعماً غير مشروط للنظام؛ فقد عبّروا في مناسبات عدّة عن وجهة نظرهم السياسية الخاصة التي تدعو (من جملة أمور أخرى) إلى مراعاةٍ أكبر للسلوك الإسلامي القويم في الأماكن العامة ومنح مزيد من الصلاحيات لمجلس النواب. إلا أنهم امتنعوا حتى الآن عن ممارسة الكثير من الضغوط خوفاً من تعزيز نفوذ التيارات الشيعية المعارِضة.

لقد دفعت أحداث العام 2011 الناشطين الإسلاميين السنّة نحو التشدّد وتسبّبت بانقسامهم. في آذار/مارس 2011، نظّم الشيخ عبد اللطيف المحمود "تجمّع الوحدة الوطنية" في مسجد الفاتح الذي هو الجامع السنّي الأكبر في البحرين. وقد أطلق التجمّع الحاشد الذي اعتقد كثرٌ خطأ أنه مُوالٍ للنظام، ديناميكية جديدة في أوساط السنّة. وكان المحمود قد برز إلى الواجهة في مطلع التسعينيات عندما رفع عريضة طالب فيها بإعادة العمل بمجلس النواب (بعدما كان حُلَّ في العام 1975) - وكلّفه هذا المطلب خسارة وظيفته في جامعة البحرين حيث كان يعمل أستاذاً في مادّة الدراسات الإسلامية. لم تكن معارضته للثورة دفاعاً عن الوضع القائم، بل عكست رؤية مستقلّة تطالب بتعزيز صلاحيات مجلس النواب، وتنعت المعارضة التي يقودها الشيعة بأنها مناهضة للسنّة ومُنصاعة إلى إيران، وتدعو إلى منح السنّة صوتاً كاملاً في المفاوضات لحلّ الأزمة.

في الأسابيع الأخيرة من العام 2011، انشقّت عن "تجمّع الوحدة الوطنية" حركة شبابية تطلق على نفسها راهناً تسمية "صحوة الفاتح"، تيمّناً بالتجمّعات التي تنظّمها أيام الجمعة في المسجد الذي يحمل الاسم نفسه. وهي على غرار "ائتلاف 14 شباط/فبراير"، ترفض الانتظام في مجموعة سياسية تقليدية، وتنتقد القيادة الأكبر سناً في "تجمّع الوحدة الوطنية" على قيامها بذلك، متّهمةً إياها بانشغالها بترسيخ نفوذ قادتها. وتدعو "صحوة الفاتح" أيضاً إلى التحرّك بقوّة أكبر للتصدّي لعنف المعارضة، وتبدي حساسيّة شديدة حيال مسألة الضغوط الغربية على البحرين - حتى أنها نظّمت في مرحلة معيّنة تجمّعاً أطلقت عليه اسم "ارفعوا أيديكم عن البحرين" - وتعتبر أيّ تنازلٍ يُقدّمه النظام للمعارضة بأنه خيانة لأنصاره الأوفياء. وفي خطوة غير مفاجئة، أعلن "شباب الفاتح" فور شيوع نبأ الحوار بين الحكومة والمعارضة، أنهم لن يقبلوا بأي حوار لايشملهم.

الانقسام الحالي الذي لم يُشهَد له مثيل في تاريخ البحرين الحديث يزيد إلى حد كبير من تعقيدات المفاوضات من أجل إيجاد حل للمأزق الراهن. في حال توصّل الحوار بين متشدّدي النظام و"الوفاق" إلى أي نتيجة ملموسة، مع العلم بأنه أمر مستبعد، سوف يتعرّض المعسكران إلى ضغوط ملحّة لإقناع المجموعات الفرعية المتعدّدة التي انبثقت مؤخراً بهذه النتيجة، وحملها على تأييدها.

لورنس لوير باحثة في كلية العلوم السياسية في باريس، وفي مركز البحوث والدراسات الدولية، ومركز البحوث العلمية الوطنية في باريس.

* تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.