ردّاً على الانتقادات الحادّة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أعلن ممثّلو الحكومة البحرينية أنهم سيوافقون على أكثر من 150 توصية صادرة عن المجلس لتحسين حقوق الإنسان ومعاملة السجناء، وسيعملون على تطبيقها. وصرّح وزير الخارجية خالد بن أحمد آل خليفة بأنه "يجب أن تبدّد الأفعال، أكثر من الأقوال، أيَّ شكوك حول التزام حكومتي تعزيز حقوق الإنسان من خلال سيادة القانون".

لكن على الرغم من هذه الوعود، ثمّة أسباب حقيقية للتشكيك في أن المنامة جاهزة فعلاً لطيّ الصفحة. ومما لاشك فيه أن الحكومة تسعى إلى إظهار نفسها بصورة أكثر تقدّمية على الساحة الدولية، لكن الحقيقة هي أن السلطات لاتزال ملتزمة بتطبيق أجندة سياسية متشدّدة تشمل الإمعان في ممارسة القمع بحقّ الناشطين.

وقد ازدادت عمليّات القمع ففي نيسان/أبريل 2011، أوقفت الشرطة عبد الهادي الخواجة الذي يملك الجنسية الدنماركية إلى جانب الجنسية البحرينية، وقد تعرّض إلى التعذيب وحُكِم عليه بالسجن المؤبَّد. وصحيح أن الخواجة اكتسب الكثير من الشعبية لانتقاده العائلة المالِكة (ورئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة على وجه الخصوص)، لكن لطالما كان التزامُه الأساسي حمايةَ حقوق الإنسان والدفاع عنها عبر العمل على لفت انتباه المجتمع الدولي إلى الانتهاكات العديدة داخل البحرين. وفي تموز/يوليو الماضي، اعتُقِل صديق الخواجة، نبيل رجب، الذي يتعاون معه منذ وقت طويل، بتهمة انتقاد قيادة البلاد عبر موقع "تويتر"، ووُضِع في الحجز ووُجِّهت إليه في نهاية المطاف تهمة تنظيم احتجاجات غير قانونية وحُكِم عليه بالسجن ثلاثة أعوام. ومن المرتقب أن تُعقَد جلسة الاستئناف في قضية رجب في أواخر أيلول/سبتمبر الجاري. كذلك اعتُقِلت زينب الخواجة، ابنة عبد الهادي، في مطلع آب/أغسطس الماضي بتهمة المشاركة في الاحتجاجات، وقد تكبّدت مخاطر كبيرة في سعيها العلني إلى لفت الأنظار إلى همجيّة النظام. ونتيجةً لذلك، أوقِفت مرّات عدّة في الأشهر الثمانية عشر الأخيرة، وتواجه الآن تهماً متعدّدة قد تبقيها في السجن لسنوات. 

إزاء هذه التطوّرات، ازدادت شعبيّة نبيل رجب وعبد الهادي الخواجة وابنته وناشطين بارزين آخرين في مجال حقوق الإنسان، وتعزّز رأسمالهم السياسي. وهذا البروز للاعبين جدد في البحرين يُربِك الحكومة إلى حد كبير، مع العلم بأنها تلجأ منذ عام ونصف العام إلى تسييس شديد لمسألة حقوق الإنسان. فمنذ مطلع العام 2011، سعى النظام إلى استخدام الانتفاضة ذريعةً لمعاقبة خصومه السياسيين المخضرمين. وقد شنّت السلطات في بداية العام الماضي حملة لاعتقال معارضيها الذين تعتبرهم الأكثر مشاكسةً - وبينهم إبراهيم شريف، وعبد الجليل السنكيس، وحسن مشيمع، وعبد الوهاب حسين، وسواهم - وكل القادة المعارضين الذين ينتقدون النظام علناً. وقد زعم المسؤولون زوراً أن "راديكاليّتهم" هي السبب في اعتقالهم، وذلك خدمةً لهدف سياسي ملح: تقويض المنظّمات التي من شأنها أن تحشد حراكاً شعبياً، وتشكّل بالتالي التهديد الأكثر فورية لبقاء النظام.

لكن اللافت هو أنه لاعلاقة لهذه النشاطات الجديدة بجمعيات المعارضة السياسية الأساسية في البلاد، مثل "الوفاق" أو "حق". ففي حين سعت جمعية الوفاق وسواها في خطوة مثيرة للإعجاب، إلى التفاوض على وضع حدّ للقمع الذي يمارسه النظام (لكن فشلت في مسعاها)، أصرّ رجب وعبد الهادي الخواجة وابنته على وجوب محاسبة المسؤولين وإحقاق العدالة للمعذَّبين والضحايا منذ بدء الانتفاضة، فأثبتوا إلى حدّ كبير أنهم أكثر كفاءة من المعارضة الرسمية في اجتذاب الانتباه الدولي. وفي غياب القادة الذين يتمتّعون بالمصداقية، أصبح رجب والخواجة وابنته رموزاً بحكم الأمر الواقع للمعارضة الشعبية ولبرنامج يجمع بين الفرصة السياسية والعدالة الاجتماعية. وقد ساهموا، إلى جانب سعيد يوسف المحفظ وعلاء شهابي، المعروفَين بتعاونهما معهم، واللذين واجه كلٌّ منهما أيضاً الاعتقال مرّات عدّة، في لفت الانتباه إلى الانتهاكات الحكومية والصمود المتواصل لقوى المعارضة. وبما أنهم تعرّضوا هم أيضاً إلى سوء المعاملة، كان لالتزامهم المستمرّ برواية الأحداث ودعم الدعوات إلى المحاسبة، تأثير أيضاً على إلهام المحتجّين من أجل المضي قدماً ومواصلة تحرّكهم. لم يسعَ أيٌّ منهم خلف السلطة التي يؤمّنها المنصب، لكنهم أصبحوا رموزاً سياسية رئيسة بالنسبة إلى جزء كبير من السكّان المتململين في البلاد. إزاء هذا الحضور القويّ والعلاقات مع الخارج، كان متوقَّعاً أن تزجّهم السلطات البحرينية في السجون، وهي ربما كانت تتحيّن فقط الوقت المناسب لذلك.

الأجندة التي يطبّقها النظام هي عامل أساسي في قضيّة كل من رجب وزينب الخواجة. فالناشطون المدافعون عن حقوق الإنسان في البحرين واضحون جداً في رفضهم للسياسة المذهبية. ولذلك يشكّلون مصدر إزعاج كبيراً لعلاقات النظام العامة وآلته التي تختلق الروايات. لقد سعت السلطات جاهدة إلى وضع الانتفاضة في إطار مذهبي، مدّعيةً أن الثورة في البلاد تعكس أجندة سياسية شيعية تهدف إلى استبدال آل خليفة بدولة ثيوقراطية مدينة بالفضل لإيران. بالتأكيد، لاوجود لأدلة فعليّة بأن المعارضة البحرينية تتلقّى أوامرها من طهران، لكن ثمة أدلّة دامغة، منها سجلّ المعارضين وتصاريحهم العلنية الثابتة على مواقفها منذ مايزيد عن عقد، بأن جلّ ماتسعى إليه الغالبية الكبرى من الناشطين هو التخلّص من القمع، والحصول على فرص أكبر للمشاركة السياسية. واقع الحال أن النظام هو الذي يتمسّك بوضوح أكبر بالمذهبية، فرجب والخواجة وابنته لم يندّدوا وحسب بالأجندات المذهبية بمختلف تجلّياتها، بل عملوا أيضاً جاهدين على تعزيز التعاون في مابين المذاهب. كما أن شعبيّتهم تشير إلى أن الأجندة التي عبّأت الاحتجاجات المستمرّة والسياسة الشعبية ولاتزال تُحرِّكها، هي أجندة غير مذهبية. لكن نظراً إلى أن الغالبية الساحقة من المعارضين في البحرين تنتمي إلى الطائفة الشيعية، وأن الجبهة المعارِضة الأكبر في البلاد، الوفاق، تتألّف حصراً من الشيعة، فإن مَن يتشاطرون الأجندة الرسمية أو لايفهمون جيداً السياسة البحرينية، يوافقون موافقة مطلقة على الادّعاءات بأن المعارضة تتحرّك انطلاقاً من اعتبارات مذهبية. وهكذا يندرج اعتقال الناشطين في إطار مجهود لإسكات النقّاد والذين نجحوا في فضح المخالفات والإساءات التي ترتكبها الحكومة.

نظراً إلى العجز الغربي في المسألة البحرينية منذ مطلع العام 2011، من غير المرجّح أن يدفع القمع الذي يتعرّض إليه المدافعون عن حقوق الإنسان، القوى العالمية القائمة إلى اتّخاذ موقف أكثر انتقاداً لآل خليفة. ففي حين دعا المسؤولون الأميركيون (وهذه نقطة تُسجَّل في رصيدهم) إلى الإفراج عن رجب، ليس واضحاً على الإطلاق ما هي الخطوات التي ستّتخذها وزارة الخارجية الأميركية أو سواها لتحقيق ذلك. لن تُحدِث إدانة رجب أيّ تغيير في دعم الولايات المتحدة للأسرة الحاكمة، ولا في التزامها بالوضع السياسي القائم في البحرين والخليج، وهذا بالضبط ماتعوِّل عليه المنامة. واقع الحال هو أنه في غياب ضغوط دولية مهمّة (ولاسيما من الولايات المتحدة)، سوف تُكمِل البحرين مسارها الحالي. وفي حين أن المسؤولين الأميركيين والبحرينيين لايزالون يتردّدون في اتّخاذ الخطوات الصائبة والذكيّة، لابد من أن الملتزمين بالمبادئ يجدون بعض العزاء لمعرفتهم بأن هناك أشخاصاً مثل رجب والخواجة وابنته يتصرّفون بصواب وذكاء.

توبي جونز أستاذ مساعد في مادّة التاريخ، ومدير مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة روتغرز، وباحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.