شهد شهر أيلول/سبتمبر الجاري تحوّلاً كبيراً، لايمكن العودة عنه على الأرجح، في أوساط شرائح من المعارضة الأردنية: يطالب عدد من الناشطين السياسيين علناً وتكراراً بالحد فوراً من سلطات النظام الملَكي، حتى أن أقلّية صغيرة (ولكن مسموعة جداً)، تدعو صراحةً إلى خلع الملك عبدالله الثاني عن العرش1. ففي بيان جريء إلى درجة مفاجئة أصدره منظّمو الاحتجاج في الثامن من أيلول/سبتمبر في حي الطفايلة (وقد جاء ردّاً على توقيف عدد من الناشطين في اليوم السابق، ثم تكرّر في 11 و13 أيلول/سبتمبر في محيط وزارة الخارجية في عمان وفي الدائرة الثانية)، انصبّت الانتقادات على صورة الملك الدولية التي يحرص على تلميعها للظهور بأنه إصلاحي مؤيّد للحداثة ويعمل على بناء الديمقراطية. فوَرَدَ في تعليقاتهم على موقع "فايسبوك" مايلي: "أنت متنكّر بلباس الحرية والديمقراطية، لكن بداخلك فاشية مطلقة وسيطرة على مصير هذا البلد وأرزاق شعبه. لم نعد نطيق الصبر على هذا القمع لأبنائنا المعتقلين الذين لاذنب لهم سوى المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية لجميع الأردنيين، ومحاربة الفساد المدعوم ملَكياً". [أنقر هنا للاطلاع على النص العربي كاملاً]

لقد سمح عبدالله الثاني في السابق بالاحتجاجات في شوارع الأردن؛ حتى أن النظام الملكي استخدم بعض مؤسّساته، ولاسيما مجلس النواب ورئيس الوزراء، كبش محرقة لاسترضاء الرأي العام المستاء. لكن الملَكية في ذاتها (والمخابرات والقوى الأمنية التي تدعمها) كانت بمنأى عن الانتقادات العلنية. إلا أن انتقاد الملك ازداد تدريجاً خلال العام المنصرم، وقد اضطُّر عبدالله إلى طلب المزيد والمزيد من المساعدات الخارجية من صندوق النقد الدولي وداعميه الأميركيين والخليجيين لتخطّي المعوّقات الاقتصادية وعجز قياسي في الموازنة. وقد أخفق النظام الملَكي في تحقيق إصلاح سياسي فعلي - السبب الجوهري وراء هذه الاحتجاجات - وبدأ صبر الناس التوّاقين إلى إصلاحات ملموسة ينفد منذ وقت طويل، الأمر الذي أدّى إلى طرح مزيد من علامات الاستفهام حول ما إذا كان الملك جزءاً من المشكلة بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل.

ليست حملة القمع التي تُشَنّ على منتقدي النظام الملكي مفاجئةً؛ فقد شهد العام الحالي تضييقاً متزايداً على الناشطين. في كانون الثاني/يناير الماضي، حُكِم على شاب في الثامنة عشرة من العمر من مدينة مادبا بالسجن عامَين (أعفي عنه لاحقاً بـ"مرسوم ملكي") لإقدامه على حرق صورة للملك عبدالله على الملأ. وفي آذار/مارس الماضي، اعتُقِل محتجّون في عمان بسبب إطلاقهم شعارات مناهضة للملَكية، كما أوقِف صحافي ومحرّر من "وكالة جراسا الإخبارية" الإلكترونية في نيسان/أبريل الماضي، على خلفية التلميح في أحد المقالات إلى أن الملك ضالع بقوّة في الفساد البرلماني. حتى التعديلات الدستورية التي أقرّها عبدالله لحصر صلاحيات محكمة أمن الدولة بالنظر في قضايا الخيانة العظمى والتجسّس والاتّجار بالمخدّرات والإرهاب، يجري التحايل عليها. فقد وُجِّهت إلى الناشطين الذين اعتُقِلوا في أيلول/سبتمبر الجاري، تهماً متعلّقة بالإرهاب، بدلاً من جرائم الضمير، وفقدوا بالتالي حق المثول أمام محكمة مدنية.

حتى الآن، أوقِف أكثر من 15 ناشطاً بتهمة "الإساءة إلى الذات الملكية" من جملة تُهَم أخرى. بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش"، يمثل الناشطون أمام محكمة أمن الدولة التي تتعاطف تقليدياً مع آراء المتشدّدين في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في المملكة. عدد كبير منهم شباب وليبراليون وعلمانيون، مايفسّر جزئياً الحماسة شبه المتهوِّرة التي تهاجم بها بعض المجموعات النظام الملكي. فهؤلاء ليسوا شباباً ساخطين وفاقدين للاتّجاه مثل أولئك الذين تورّطوا في أعمال العنف المناهضة للنظام خلال الثورة في مصر، بل إنهم ليبراليون مثقّفون ومتمرّسون في استخدام "الفايسبوك" على غرار الناشط المصري البارز ومدير التسويق الإقليمي في شركة "غوغل"، وائل غنيم. ربما لايحبّذون السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة، لكنهم معجبون بالمؤسّسات الديمقراطية الأميركية، ويعتبرون أنه يمكن إدراج عناصر منها في النظام السياسي الأردني. حتى أن العديد من قادة المعارضة يحملون الجنسية الأميركية إلى جانب الجنسية الأردنية، وبينهم الناشط عبدالله محادين، 25 عاماً، الذي اعتُقِل في 11 أيلول/سبتمبر، ولايزال قيد الحجز.

ويأتي إقرار قانون متشدّد للصحافة والمطبوعات بهدف الحدّ من وسائل الإعلام الإلكترونية الآخذة في التكاثر، ليقدّم دليلاً إضافياً على عدم استجابة النظام للمطالب المتزايدة بالإصلاح. فقد فُرِض على وسائل الإعلام المستقلّة التسجّل لدى الحكومة - مايقتضي تسديد رسم يصل إلى 1000 دينار أردني (نحو 1400 دولار أميركي) - وسوف تُحمَّل المواقع الإلكترونية من الآن فصاعداً مسؤولية الملاحظات التي تَرِد في خانة التعليقات. وتنصّ إحدى المواد المثيرة للقلق في القانون على وجوب احتفاظ المواقع الإلكترونية بكل البيانات الإلكترونية الخاصّة بالتعليقات طوال ستّة أشهر، والهدف من ذلك على الأرجح هو السماح لأجهزة الاستخبارات الأردنية بتحديد أماكن وجود أصحاب التعليقات وملاحقتهم.

يبقى أن نرى ما إذا كانت الكتلة المعارضة التقليدية التي تنتمي إلى "جبهة العمل الإسلامي" - الحزب السياسي التابع للإخوان المسلمين في الأردن - سوف تنضم إلى انتقاد الملَكية وتضع إمكاناتها التنظيمية في خدمة هذا الفريق الجديد. تملك الجبهة القدرة على حشد آلاف المحتجّين في الشوارع، لكنها تدين بوجودها للنفعية السياسية وغريزة بقاء قويّة. إذا شعرت جبهة العمل الإسلامي أنه من شأن تصعيد الخطاب ضدّ النظام الملَكي أن يؤدّي إلى دمارها من خلال حملة قمع تشنّها الحكومة عليها، فغالب الظن أنها ستظلّ في موقف المتفرّج. وفي حين أظهرت الجبهة استعداداً للتفاوض مع النظام الملَكي في السابق، استمرّت في الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات النيابية قبل وقت طويل من حملة الاعتقالات في أيلول/سبتمبر الجاري. لقد عبّر كلامٌ لزعيم الجبهة، حمزة منصور، بوضوح عن أن هذه الأخيرة لن تنصاع للضغوط من النظام، على الرغم من التصريحات التي أدلى بها الملك بأن هذه المقاطعة ستضع الحزب على الهامش:

"نقاطع الانتخابات لنظهر معارضتنا لقانون انتخابي رجعي لايتماشى مع المعايير الدولية للانتخابات. يحاول هذا القانون تقييد المعارضة في شكل عام، والمعارضة الإسلامية على وجه الخصوص... إذا أبدت الحكومة استعداداً لتغيير العملية الانتخابية بحيث يصبح الناس صنّاع القرار في اختيار مجلسَي النوّاب والأعيان، وكذلك في اختيار الوزراء، فنحن جاهزون للمشاركة".

صحيح أن كلام منصور يفتقر إلى الشغف الذي تُظهره هذا الشهر المجموعة الناشئة من الناشطين، لكن رفض جبهة العمل الإسلامي التزحزح عن موقفها في موضوع المطالبة بنظام ملَكي دستوري حقيقي، مؤشّر واعد فعلاً. ومع أن المطالبين بتنحية الملك عن العرش يُزَجّون في السجن بوتيرة مقلقة، إلا أنهم أحدثوا تحوّلاً كاملاً في طبيعة النقاش عن الإصلاح في الأردن. لقد بات بإمكان قادة جبهة العمل الإسلامي أن يناقشوا، الحدّ من صلاحيات النظام الملكي، كما أن العاهل الأردني عبدالله تعمّد وصف نفسه في مقابلتَين أُجريَتا معه مؤخراً بأنه "ملك دستوري". في نهاية المطاف، سيكون عليه أن يثبت استعداده للحدّ من سلطاته، الأمر الذي قد يؤدّي إلى الانتقال نحو انتخاب رئيس الوزراء ومجلس الأعيان بدلاً من أن يعيّنهم الملك.

إذا كان هذا الفريق الجديد من المعارضة عالية الصوت والمناهضة للملَكية، يأمل في ممارسة ضغوط حقيقية على الملك عبدالله كي يُحوِّل الوعود إلى إصلاحات فعلية، فلا شك في أنه سيحتاج إلى الدعم من جبهة العمل الإسلامي ليتمكّن من الانتشار أكثر. والجبهة تقف إلى حدّ ما خلفهم. في السابق، كان الإخوان المسلمون مستعدّين للمشاركة في سياسة المعادلة الصِّفرية في عملية الإصلاح الانتخابي البرلماني، إلا أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولي الحزب تشير إلى أنه لم يَعُد مستعدّاً لممارسة اللعبة التي لطالما شجبها معتبراً أنها مزوّرة. لكن على الرغم من الكلام القوي للناشطين الشباب والدعم السلبي من جبهة العمل الإسلامي، لايزال على خليط الناشطين العلمانيين الذي يقف خلف احتجاجات أيلول/سبتمبر، أن يبني القاعدة الضرورية من الدعم الشعبي لرفع تحدٍّ حقيقي في وجه الملك. فقدرتهم على الحفاظ على الزخم يعطّلها الجهاز الأمني الصبور والمتروّي، والمرواغ بما فيه الكفاية للتحلّي بضبط النفس في الاحتجاجات العامة التي يغطّيها الإعلام الدولي - فيما يوقف سرّاً وبعيداً عن الأضواء أبرز المطالبين بخلع الملك. 

على الرغم من أجواء الدراما الشديدة، قد لاتعدو أحداث شهر أيلول/سبتمبر كونها مجرّد محطّة أخرى مخيِّبة في سعي البلاد نحو الإصلاح. في الأشهر الأخيرة، راقب الأردنيون بهول شديد سورية وهي تنزلق نحو الحرب الأهلية، واللاجئين يتدفّقون عبر حدودهم بعشرات الآلاف. على ضوء ذلك، يبدو مستقبل هذه المجموعة الصغيرة إنما المسموعة، وحظوظها باكتساب زخم، قاتمة إلى حد ما. على الأقل تشكّل الانتخابات - التي أُرجِئَت حتى مطلع العام 2013 - مناسبة للتلهّي عن صعوبات الحياة اليومية وفرصة الإصلاح الضائعة. بالنسبة إلى معظم الأردنيين، ومهما بلغ حجم العيوب التي يعاني منها نظامهم السياسي في نظرهم، يبقى هذا أفضل من العيش في ظلّ دويّ الرصاص.

دايفد فوكس كاتب تقارير في مركز القدس للدراسات السياسية مقيم في عمان، وصحافي مستقلّ ومُدوِّن. كاترينا سمور مديرة في مؤسسة الملك حسين للسرطان.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.