في كانون الأول/ديسمبر 2012، اقترح ولي العهد البحريني سلمان بن حمد آل خليفة حواراً آخر على المعارضة لمناسبة انعقاد "حوار المنامة" السنوي، حيث تناقش مجموعة من الجهات المحلية والدولية المسائل الأمنية في الخليج. وفي 10 شباط/فبراير من العام الجاري، دعا النظام وأخيراً ممثّلي المعارضة المعتدلة إلى طاولة الحوار، بعدما ثبّت في كانون الثاني/يناير الماضي الحكم الصادر في العام 2011 بحق ثلاثة عشر من كبار قادة المعارضة. خلافاً لمعظم المعارضين المسجونين، يسعى هؤلاء الممثّلون إلى إصلاح النظام لا إطاحته. لكن النظام والمعارضة على السواء ينخرطان بحذر في الحوار الجديد.

يرأس وزير العدل الشيخ خالد بن علي آل خليفة المحادثات الراهنة، وقد أثنى عليه حلفاء البحرين الغربيون لجهوده الهادفة إلى تطبيق توصيات اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق التي أصدرت تقريراً في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 أشارت فيه إلى ارتكاب النظام انتهاكات لحقوق الإنسان بحق المحتجّين المنتمين إلى المعارضة. بيد أن الوزير عاجز عن تحفيز الإصلاحات السياسية الحقيقية التي تطالب بها المعارضة، والتي لايمكن تحقيقها إلا بدعم من المتشدّدين النافذين داخل النظام.

خفّضت المعارضة، التي تتمثّل في شكل أساسي بحركة "الوفاق"، التي لم ترسل أياً من مسؤوليها الكبار إلى الحوار، توقّعاتها إلى حد كبير مقارنةً بما كانت تناضل من أجله قبل عامين، حيث كانت تدعو إلى قيام نظام ملَكي دستوري. فالحركة التي لم تَعُد تتطلّع إلى التخلّص من رئيس الوزراء الصقوري خليفة بن سلمان آل خليفة، تبدو مكتفية بالعمل من أجل إطلاق عملية سياسية من جديد. واقع الحال أن حركة "الوفاق" وسواها من مجموعات المعارضة المعتدلة تتراجع أمام التيارات المعارضة المتعنّتة في مواقفها، مثل "ائتلاف 14 فبراير"، التي ردّت على إعلان الحوار الأخير بشعار "ارحلوا. لا حوار معكم".

لم يتوقّف العنف منذ قمع الانتفاضة في آذار/مارس 2011، إذ تواصل مجموعات على غرار "ائتلاف 14 فبراير"، وهي حركة شبابية غير مركزية ومن دون قيادة ظهرت في نهاية العام 2011، معركتها العنيفة لإطاحة النظام، وتفعل كل ما في وسعها للإبقاء على أجواء ثورية في البلاد. ويُعتقَد أن المجموعة تقف خلف الجزء الأكبر من الاضطرابات التي تتكرّر في شكل شبه يومي. ومع أن بعض أعمال العنف يقع خلال تظاهرات غير مرخَّصة في المنامة، إلا أن الجزء الأكبر من الاضطرابات يحدث ليلاً في القرى الشيعية والمناطق المحاذية لها.

تختلف الاستراتيجيا التي يعتمدها النظام للتصدّي للعنف، والتي وضعها وزير الداخلية راشد بن عبدالله آل خليفة مع مستشاريه البريطانيين والأميركيين، عن أسلوب القمع المنهجي والمنظَّم للمحتجّين الذي استُخدِم لكبح الانتفاضة في العام 2011. صحيح أن الشرطة لاتزال تستخدم الغاز المسيل للدموع بمثابة سلاح، إلا أنها لم تَعُد تسعى إلى مطاردة جميع المتسبّبين بالشغب واعتقالهم، لا بل يبدو أن النظام يسمح بهذه التحرّكات شرط ألا تتمدّد إلى خارج القرى الشيعية. وقد يكون الهدف من ذلك تحسين صورة البلاد على الساحة الدولية عبر تقديم البرهان على أن النظام قادر على إدارة الاحتجاجات من خلال التكتيكات المشروعة للسيطرة على الجماهير. كما أن السماح بأعمال التخريب يجعل الاحتجاجات تبدو كأنها حوادث روتينية، بحيث يقتصر تأثيرُها على حياة السكان اليومية على حدّه الأدنى.

لكن التاريخ الحديث يُظهر أن العنف يمكن أن يدوم لسنوات في غياب صفقة سياسية كبرى. فقد شهدت البحرين بين العامين 1994 و1999 انتفاضة كبيرة لم تنتهِ إلا بعد وفاة الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة وتسلُّم الملك الحالي حمد مقاليد السلطة.

لذلك من المستبعد أن ينتهي العنف في المدى القصير، ولاسيما أن التباعد الشيعي-السنّي تحوّل إلى نزاعات مذهبية في مناطق حيث كان تقاسم المصالح المشتركة في مجال الأعمال وبين أبناء الطبقة الواحدة، يخفّف من حدّة هذا الانقسام. قبل الانتفاضة، كان قطاع الأعمال موحّداً إلى حد كبير في رفضه لإصلاح سوق العمل الذي تترتّب عنه، بحسب عدد كبير من رجال الأعمال، زيادةً لاتُحتمَل في كلفة العمل. وجاءت الانتفاضة وقمع الحكومة لها ليطلقا نوعاً من المطاردة لرجال الأعمال؛ فقد حاول المتشدّدون في النظام إقالة العضوين الشيعيين البارزين في مجلس إدارة غرفة التجارة، عادل العلي وإبراهيم الدعيسي، لأنهم اعتبروهما موالَين للمعارضة. إلا أنه أعيد تعيينهما في منصبهما بعدما تحرّكت الجمعية العامة في غرفة التجارة - حيث يمتلك الشيعة الأكثرية - لإلغاء القرار.

في موازاة ذلك، تعرّض عدد من الأعمال الشيعية الناجحة الأخرى إلى الاستهداف الصريح والواضح من الحكومة. والوطأة الأكبر تتحمّلها الشركات التي تعتمد إلى حد كبير على المناقصات الحكومية، فيما تتعرّض شركات أخرى إلى المضايقات. والمثل الأبرز في هذا الإطار هو ما حصل مع رجل الأعمال فيصل جواد الذي يملك (من جملة أمور أخرى) سلسلة متاجر تعرّضت إلى التخريب في العامَين 2011 و2012. في إحدى المرّات على الأقل، أظهرت كاميرات المراقبة عناصر الشرطة وهم يطلبون بهدوء من المعتدين إخلاء المتجر، لكنهم لم يعتقلوا أياً منهم. يفكّر فيصل جواد الآن في بيع جزء من ممتلكاته في البحرين، الأمر الذي يُشير إلى احتمال تبدّل التوزيع المذهبي للشركات الكبرى في البلاد.

وتؤثّر المذهبية المتزايدة أيضاً في سوق العمل. ففي حين أعيد معظم المحتجّين الذين طُرِدوا من وظائفهم بعد الانتفاضة، وغالبيتهم من الشيعة، إلى أعمالهم، لم يستعد عدد كبير منهم موقعه السابق أو الراتب الذي كان يتقاضاه قبل طرده. وانقسمت الحركة النقابية في تموز/يوليو 2012 عندما انسحبت بعض النقابات من "الاتحاد العام لنقابات البحرين"، وشكّلت "الاتحاد الحر لنقابات عمال البحرين"، وذلك على خلفية تنظيم الاتحاد العام الذي تسيطر عليه حركة "الوفاق"، إضراباً عاماً خلال الانتفاضة، في خطوة رأى الاتحاد الحر أنها قوّضت مصالح العمّال. كما يزعم الاتحاد الحر الذي يستند إلى تحالف غريب بين الإسلاميين السنّة والمتشدّدين الماركسيين السنة، أن الاتحاد العام يتعامل مع شؤون العمل من منظار مذهبي بسبب قربه من المعارضة. وقد ساهمت التعديلات التي أُدخِلت إلى قانون النقابات في العام 2011 في تسهيل انقسام الحركة العمّالية؛ فهي تجيز، من جملة أمور أخرى، إنشاء أكثر من نقابة عمالية واحدة بين الشركات، وكذلك أكثر من اتحاد واحد للعمال. 

فضلاً عن ذلك، يجري اللعب على وتر الانقسام بين المواطنين والمغتربين في البحرين، ويُستغَل أكثر فأكثر لأغراض سياسية. تضم الجالية الاغترابية شديدة التنوّع 670 ألف نسمة (54 في المئة من مجموع السكّان، وفقاً لإحصاء 2010)، ومعظمهم لايفهمون تعقيدات المشهد السياسي البحريني، ويتعاطفون عموماً مع النظام. فالجاليات تعتبر عامةً أن النظام منفتح الذهن، وأنه يتعامل إلى حد ما بسخاء مع المغتربين المقيمين مقارنةً بالدول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي. ويتّفق عدد كبير من المقيمين مع النظام بأن المحتجّين في العام 2011 كانوا زمرة من المتشدّدين الدينيين الشيعة المصمّمين على فرض نظام ثيوقراطي. كما أن الأحداث اليومية تثير استياء عدد من هؤلاء المغتربين الذين يريدون من الحكومة اتّخاذ خطوات أشدّ حزماً بحق المشاغبين، ولذلك انتقد "اتحاد جمعيات الجاليات في البحرين" ضمناً إدارة وزارة الداخلية للاضطرابات في أيلول/سبتمبر 2012، مشيراً إلى الفوضى التي تتسبّب بها "المسيرات والتظاهرات غير القانونية وغير المرخَّصة"، والتي وصفها بأنها "أنشطة إجرامية" و"يجب وضع حد لها". وجاءت التفجيرات في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 لترسّخ أكثر فأكثر هذا الموقف الجازم من الأزمة، إذ يعتقد كثرٌ أن الجاليات أصبحت هدفاً محدداً للهجمات. وتستغلّ الحكومة هذه المخاوف لتحقيق مآربها. فعلى النقيض من الصحف العربية، تحرص الصحف الناطقة باللغة الإنكليزية والموالية للحكومة، على توثيق الأحداث التي تقع في أحياء المغتربين، وتنشر باستمرار تصاريح صادرة عن مسؤولين حكوميين يتعهّدون فيها حماية جميع المغتربين المقيمين في البحرين بغض النظر عن دينهم أو جنسيتهم، في وجه ما يسمّونه الهجمات "العنصرية".

في هذا السياق، حتى لو أثمر الحوار الجديد بعض النتائج، فإن إعادة بناء الثقة بين أطراف المجتمع البحريني الذي يعاني من الاستقطاب الشديد تحتاج إلى مقاربة أكثر جذرية لمشاكل البلاد قد يكون المسؤولون في النظام غير مستعدّين لاتّخاذها.

لورنس لوير باحثة في معهد العلوم السياسية، ومركز الدراسات والبحوث الدولية، والمركز الوطني للبحوث العلمية في باريس.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.