من المقرّر أن يبدأ الحوار الوطني في اليمن في 18 آذار/مارس الجاري، لكن على الرغم من الإجراءات الحكومية، لايزال الأمن مهدّداً في الإجمال. فوتيرة الاغتيالات السياسية في تصاعد، ويكتسب النزاع المسلّح في الجنوب زخماً متزايدا.  ولذلك، كي ينجح الحوار الوطني المقبل، لابدّ أولاً من معالجة هذه المسائل الأمنية.

تقف الحركة الانفصالية في الجنوب (الحراك) و"تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" خلف الجزء الأكبر من الاضطرابات؛ لكن أياً منهما ليس طرفاً في الحوار، ولايملك مصلحة في الحفاظ على وحدة البلاد. تزعم الحكومة اليمنية أن الانفصاليين في الجنوب يحصلون على الدعم المالي و"الأسلحة الخطيرة" من إيران (التي تنكر هذه المزاعم). على الرغم من أن الانفصاليين يقولون إنهم يريدون الاستقلال فقط من خلال الوسائل "السلمية"، إلا أن صدامات مسلّحة تقع من وقت لآخر. بالفعل، شهد الجنوب توتّراً متزايداً بين الانفصاليين و"الإخوان المسلمين" المؤيّدين للوحدة في اليمن، والذين يمارسون، إلى جانب كونهم جزءاً لايتجزأ من حزب "الإصلاح"، تأثيراً واسعاً في الجنوب، ويعارضون منذ وقت طويل الانفصاليين الاشتراكيين.

  وصف علي سالم البيض، زعيم الحركة الانفصالية الذي يعيش في المنفى، "الإخوان المسلمين" بالإرهابيين بعدما قتل عناصر تابعون لهم عشرة انفصاليين على الأقل في 21 شباط/فبراير الماضي. فقد أراد الإخوان منع بمساعد الأمن والجيش الانفصاليين من تنظيم تجمّع في عدن في ذلك اليوم، إذ كانت الجماعة تستعدّ للتجمّع في المكان نفسه دعماً للوحدة الوطنية. فردّ الانفصاليون الغاضبون بشنّ أعمال عنف واسعة النطاق في مختلف أنحاء الجنوب، حيث أحرقوا مكاتب تابعة للإخوان المسلمين، وقطعوا الطرقات، ومارسوا المضايقات، وهدّدوا أبناء الشمال واصفين إياهم بـ"المحتلّين". حتى إن الانفصاليين أضرموا النار برجل من الشمال كاد يلقى حتفه، في مدينة سيئون في حضرموت في 23 شباط/فبراير.

 ويؤدّي "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" دوراً بارزاً أيضاً في النزاع بين الانفصاليين و"الإخوان المسلمين". ففي حين أن العلاقة بين الإخوان و"القاعدة" تشوبها سجالات حادّة وتكهّنات، لدى التنظيمَين مصلحة في أن تكون الحكومة المركزية ضعيفة.  بيد أن كلاً من الانفصاليين والإخوان يحاول استخدام "القاعدة" ضد الطرف الآخر. بعد اغتيال الصحافي وجدي الشعبي، الذي غطّى تحرّكات الانفصاليين منذ العام 2007، في عدن في 22 شباط/فبراير الماضي، اتّهمته الحكومة المحلية برئاسة الإسلامي ، وحيد رشيد، بأنه كان الناطق الإعلامي باسم تنظيم "القاعدة"، مدّعية أن انتماءه هذا كان السبب وراء مقتله. و بعد ساعات، أعلنت الحكومة المركزية أنه عُثِر على جثّة "المواطن" وجدي في منزله، وأن التحقيقات جارية لمعرفة هويّة القاتل، بما يؤشّر ضمناً إلى نفي حكومة صنعاء انتماءه إلى "القاعدة". وجاء الاغتيال بعد ساعات من إصدار الحكومة بياناً مفاجئاً أعلنت فيه أن المسلّحين الموالين لعلي سالم البيض فضلاً عن عملاء "القاعدة" يقفون خلف أعمال العنف والقتل في عدن.

 يؤكّد عبد الرزاق الجمل، وهو كاتب وباحث متخصّص في شؤون "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب": "القاعدة أقوى وأفضل حالاً من السابق، لأن الناس يتجاوبون معها أكثر من تجاوبهم مع الحكومة التي فشلت في إحداث أيّ تغيير في حياتهم". بالفعل،. وغالب الظن أن التنظيم ضالع في 74 عملية اغتيال استهدفت مسؤولين عسكريين وأمنيين كباراً في مختلف أنحاء اليمن منذ 2012 حتى شباط/فبراير 2013، عندما قتل مسلّح يقود درّاجة نارية ويحمل مسدّساً كاتماً للصوت، خالد السواري الذي كان مسؤولاً في مكافحة الإرهاب، في صنعاء. وفي مطلع آذار/مارس الجاري، نشر "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" قصيدة حماسية بقلم أبو هاجر الحضرمي الفار من سجن المكلا في شرق اليمن في العام 2011، وفيها يُطلق التنظيم تهديدات بمواصلة هذا الأسلوب في الاغتيالات.

 على الرغم من ذلك، يتباهى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي على نحو خاطىء بتحقيق انتصار على تنظيم "القاعدة" مستشهداً بـ"تحرير" بلدات ومناطق في الجنوب (مثل زنجبار وجعار) حكمتها "القاعدة" كإمارة على طريقة "طالبان" طوال أكثر من عام. لكن تنظيم "القاعدة" لم يُهزَم في اليمن، بل غيّر تكتيكاته وحسب. وأحد المؤشّرات عن قوّته هو عمليات الخطف المستمرة وقدرته على إخفاء الرهائن. يحتجز التنظيم حالياً أربعة رهائن هم ديبلوماسي سعودي وزوجان فنلنديان ورجل نمساوي  في 27 شباط/فبراير الماضي، أُفرِج عن رهينة سويسري يحتجزه التنظيم منذ عام تقريباً، بعدما دفعت الحكومة القطرية فدية بلغت خمسة ملايين دولار أميركي. وقد تولّى زعماء قبليون مقرّبون من "الإخوان المسلمين" تنسيق عملية الإفراج عن الرهينة. تقول مصادر مطّلعة على جهود الوساطة إن "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" حصل على مليونَي دولار، في حين ذهب باقي المبلغ، أي ثلاثة ملايين دولار، إلى زعماء القبائل. طائرة قطرية خاصة نقلت السويسرية من صنعاء إلى الدوحة.

 لدى انتخاب هادي رئيساً في شباط/فبراير 2012، تعاون عدد من رجال القبائل معه ضد تنظيم "القاعدة"، ظناً منهم أن أوضاعهم ستتغيّر نحو الأحسن. لكن انقضى عام ولم يتغيّر شيء بالنسبة إليهم. قال الجمل الذي أجرى مقابلات مع عدد كبير من قادة تنظيم "القاعدة" ومكث معهم في مناطقهم لأشهر عدّة "لايهتم هادي سوى بالولايات المتحدة والسبيل لإرضائها، متجاهلاً سيادة اليمنيين ومشاعرهم. يُبدي علناً إعجابه بالطائرات بدون طيار، في كلامٍ لم يتفوّه به قط الرئيس السابق صالح".

فقد عبّر هادي خلال زيارته الولايات المتحدة في العام 2012، عن إعجابه بدقّة الطائرات بدون طيار التي تقصف المناطق المستهدفة، وقد أسفرت هجماتها عن مقتل ما يزيد عن مئة مقاتل منذ العام 2009، بحسب تصاريح صدرت مؤخراً عن رئيس الاستخبارات اليمنية، علي الأحمدي. كما فشل الرئيس هادي في التوصّل إلى اتفاق مع تنظيم "القاعدة" عن طريق زعماء القبائل. في مطلع آذار/مارس الجاري، أصدر تنظيم "القاعدة" بياناً عبر الإنترنت شدّد فيه على أنه لايتوقّع التوصّل إلى اتفاق مع الحكومة، "بسبب موقف حكومة صنعاء المخزي المنجَرّ خلف مشاريع أمريكا وعملائها من دول الخليج"، كما جاء في البيان. في الوقت نفسه تقريباً، تحديداً في الرابع من آذار/مارس، قُتِل ما لايقل عن 12 شخصاً من القبائل وأصيب 17 آخرون بجروح عندما فجّر انتحاري من تنظيم "القاعدة" نفسه في المقر الرئيسي لما يُعرَف بـ"اللجان الشعبية" المناهضة لتنظيم "القاعدة"، وسط بلدة لودر عند حدود محافظة البيضاء.

 ويزداد الوضع تعقيداً بسبب الرابط غير الواضح بين تنظيم "القاعدة" و"الإخوان المسلمين" الذين يسيطرون على "الإصلاح"، الحزب الأكبر والمهيمن في التحالف الحاكم ( المشترك) ، الأمر الذي يُقلّل أكثر فأكثر من حظوظ نجاح الحوار الوطني المزمع عقده.  في شباط/فبراير الماضي، حذّر السفير الأميركي في اليمن، جيرالد فايرستاين، من فشل الحوار إذا شارك فيه الشيخ عبد المجيد الزنداني، وهو أحد القياديين في حزب "الإصلاح"، لأن الأمم المتحدة والولايات المتحدة تعتبرانه إرهابياً. وكان الزنداني قد أعلن في وقت سابق أنه ينبغي على الولايات المتحدة الامتناع عن التدخّل، وأنه لن يكون هناك حوار من دون موافقة العلماء.  قال نجيب غلاّب، وهو محلل سياسي بارز يركّز على شؤون اليمن والخليج "يستخدم الإخوان المسلمون تنظيم القاعدة وكأنه جناحهم العسكري لإخافة أميركا والغرب كي يقبلا بالإخوان المسلمين ويعتبراهم النموذج الأفضل للاسلام المعتدل". وأضاف "لذلك ، تعتقد أميركا والغرب الآن، عن خطأ، أنه إما يقبلان بالإخوان المسلمين، وإما القاعدة هي البديل". لكن نظراً إلى الديناميات السياسية والأمنية التي تتغيّر باستمرار في اليمن، ليست الخيارات بهذا الوضوح. كي يتمكّن الحوار الوطني من تحقيق نتيجة، يجب أن يكون السياق المحيط به أكثر استقراراً.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ناصر الربيعي صحافي يمني مقيم في صنعاء. كتب تقارير لصحيفة "نيويورك تايمز" (وسواها من المنشورات)، ويدوّن عن الشؤون اليمنية.