التشنّج بين المعارضة السياسية والنظام الملكي في الكويت يعود إلى عقود خلت. لكن الجديد وغير المسبوق هو الذروة التي بلغها التوتّر قبيل الانتخابات التشريعية التي أجريت على عجل في كانون الأول/ديسمبر 2012، حيث نظّمت الفصائل المعارِضة تظاهرات حاشدة في الشوارع وقاطعت العملية الانتخابية، وذلك على خلفية المرسوم الذي أصدره الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح بخفض عدد أصوات الناخب من أربعة إلى صوت واحد. كما من المرتقب أن تصدر المحكمة الدستورية حكمها بشأن قانونية المرسوم ومصير مجلس الأمة الحالي في أواخر الربيع. وإذا لم تُسقِط المرسوم الانتخابي، فسوف تتّجه الخلافات الداخلية في الكويت نحو مزيد من الاحتدام على الأرجح.

تتّهم المجموعات المعارضة الأمير بإساءة استعمال الصلاحية التي تجيز له، بموجب المادة 71 من الدستور، إصدار مراسيم الطوارئ، وذلك بهدف الحصول على برلمان موالٍ تماماً له. يستند التبرير القانوني للقضية المطروحة أمام المحكمة الدستورية، إلى المواد 81 و79 و66 من الدستور التي تنص على الآتي: "تُحدَّد الدوائر الانتخابية بقانون" يقرّه مجلس الأمة بموافقة ثلثَي أعضائه. والقانون الوحيد في هذا الإطار هو حكم الـ 2006 الذي صادقت عليه المحكمة ضد الأمير في أيلول/سبتمبر 2012، والذي يمنح الناخب الكويتي حق الإدلاء بصوته لأربعة من المرشّحين في دائرته الانتخابية.

لكن ثمة مَن يقول إن النظام الملكي كان له الدور الأوّل في اختيار قضاة المحكمة، ولذلك من المستبعد أن تصدر هذه الأخيرة حكماً مستقلاً. فالقضاة الخمسة في المحكمة الدستورية يختارهم المجلس الأعلى للقضاء. والمجلس بدوره تعيّنه الحكومة التي يشكّلها رئيس الوزراء الذي يختاره الأمير. ومن شأن غياب الفصل بين السلطتَين التنفيذية والقضائية أن يدفع بالمحكمة، ولو بصورة غير مباشرة، إلى دعم المرسوم.

إلى ذلك، تبذل المعارضة قصارى جهدها من أجل إسقاط المرسوم؛ وتتعهّد بممارسة ضغوط على المحكمة الدستورية عن طريق الاحتجاجات، والإعلام، وكذلك عبر "تويتر" الذي يشكّل على الأرجح الوسيلة الأكثر فعالية. بيد أن التيارات والأشخاص الذين يؤلّفون المعارضة مشتّتون ومجزّأون، ليس بالضرورة حول الأهداف بل حول الوسائل. وثمة مظلّتان أساسيتان تنضوي المعارضة ضمنهما: "التحالف الوطني الديمقراطي" الذي يتألّف من ليبراليين "تقليديين" وقوميين علمانيين؛ و"جبهة المعارضة" المؤلّفة من "التكتّل الشعبي" والسلفيين و"الحركة الدستورية الإسلامية" (حدس) و"الحركة الديمقراطية المدنية" الشبابية (حدم). وفيما تختلف هذه القوى حول الأيديولوجيا، يسعون جميعاً إلى نظام ملكي دستوري أكثر ديمقراطية من خلال إدخال تغييرات في النظام، تتمثّل في إقرار الحق في تشكيل أحزاب سياسية، واختيار رئيس الوزراء والحكومة بطريقة ديمقراطية، وإسقاط مرسوم الـ 2012. بيد أن الآفاق المتاحة أمام المعارضة لإحداث هذه التغييرات ضئيلة في الوقت الراهن، إذ ثمة إدراك واسع النطاق بأن مقاطعة الانتخابات كانت خطأ حاسماً أدّى إلى إضعاف المعارضة وتفكّكها.

من جهة أخرى، للنظام الملكي مشاكله أيضاً. فالدولة "قويّة" بمعنى أنها تملك القدرة على سحق الاحتجاجات الكبرى بسهولة واعتقال المغرّدين الشباب عبر "تويتر" لنشرهم تعليقات عن أسلوب الحكم لا تروق المسؤولين. كذلك، تنشر أجهزة المخابرات الحكومية رجال المباحث، الذي يرتدون ثياباً مدنية رياضية، وسط التجمّعات الصغيرة التي تتواصل في الحدائق والساحات العامة. لكن تقييد حرية التعبير والاحتجاج دليل على الخوف؛ فالانقسامات داخل الأسرة الحاكمة تثير نقاشاً واسع النطاق وتولّد انطباعاً عن ضعف النظام من الداخل. وتحصل الملَكية بذلك على محفّزات إضافية للإمعان في الممارسات الفاسدة بهدف شراء الولاء؛ وهذا الفساد هو في صلب التململ الشعبي منذ تسلّم الأمير الحالي، الشيخ الصباح، السلطة في العام 2006. 

والمجموعات المعارِضة مصابة بالإحباط أيضاً. فعلى سبيل المثال، بدأ الشباب المثقّفون والنابضون بالحيوية الذين يجيدون استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لنشر أفكارهم، يُظهرون نزعة تهكّمية. فبعضهم يعتقدون أن القادة المعارضين الأكبر سناً يستعملون الشباب للضغط على الحكومة تحقيقاً لغاياتهم. فضلاً عن ذلك، هناك أيضاً الكويتيون الذين يدعمون الأمير، أي طبقة التجّار التقليدية والشيعة عموماً، والذين يشعرون أيضاً بشيء من خيبة الأمل. فعبر حلّ الهيئة التشريعية خمس مرات في غضون ست سنوات، تسبّب الأمير بإضعاف التقليد البرلماني الذي تتمتّع به البلاد. 

أما إذا أُسقِط المرسوم وأجريت انتخابات جديدة، فسوف تهدأ المجموعات المعارضة في الوقت الراهن. وفي حال لم يحدث ذلك ستظل المعارضة تعاني من النقص في الوسائل الضرورية للتحرّك لأنها غير ممثَّلة في مجلس الأمة. وقد تختار فصائلها المتعدّدة في نهاية المطاف وضع معاركها الذاتية جانباً من أجل القضية الأكبر، والتوحّد من جديد في احتجاجات حاشدة. إذا حدث ذلك، وهبّت الرياح المؤاتية لاندلاع ثورة حاشدة، تبقى إطاحة النظام احتمالاً بعيد الحدوث. فالولاء للإمارة لا يزال متوغّلاً في المجتمع الكويتي، وسوف يتم التركيز على إصلاح المنظومة الحالية، لا على إجراء تغيير شامل في الحكم. وفي مختلف الأحوال، المسار الذي تسلكه الكويت حالياً غير مستقر وغير قابل للاستدامة؛ والسؤال المطروح هو متى سيتغيّر وكيف؟

أماندا كادليك باحثة حائزة على منحة فولبرايت تقيم حالياً في الكويت حيث تجري أبحاثاً حول التيارات السياسية الشبابية.

* تٌرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.