وصل وفد تقني من صندوق النقد الدولي إلى القاهرة في الثاني من نيسان/أبريل الجاري لإجراء جولة جديدة من المباحثات حول طلب الحكومة المصرية الحصول على قرض بقيمة 4.8 مليار دولار أميركي. لكن الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية في مصر أسوأ بكثير الآن مما كانت عليه في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي عندما قام فريق صندوق النقد الدولي بتوقيع اتّفاق أولي مع مصر بشأن القرض. بيد أن هذا الاتفاق تم تعليقه في مطلع كانون الأول/ديسمبر الماضي، بناءً على طلب مصر، بسبب إخفاقها في زيادة الضرائب على المبيعات التي تشكّل جزءاً من الاتفاق مع الصندوق.

والآن، وبعد أربعة أشهر على تعليق الاتفاق، باتت الحاجات المالية لمصر أكثر إلحاحاً، حيث يستمرّ اقتصادها المتعثِّر في التدهور، وتزداد المرحلة الانتقالية فوضوية واستقطاباً. ولعل الأهم من ذلك هو الشعور باليأس وفقدان الأمل الذي يراود السواد الأعظم من المصريين والذي يتم التعبير عنه بصورة أكثر وضوحاً مع مرور الوقت. وقد أدى عجز الحكومة المصرية عن تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم التفاوض عليه سابقاً مع صندوق النقد الدولي تطبيقاً كاملاً بسبب هذه الظروف الصعبة، إلى قيامها بوضع خطة تقشّفية أخف وطأة أملاً في أن تتمكّن من الحصول على موافقة صندوق النقد الدولي عليها وإقناع المصريين، الذين يزدادون تململاً، بها.

أغلب الظن أن المباحثات الحالية سوف تتمحور حول موضوعَين أساسيَّين: تقييم الصندوق للبرنامج الاقتصادي الجديد الذي قامت مصر بإعداده، وكذلك عرض الصندوق بمنح مصر خطاً ائتمانياً طارئاً وقصير الأجل بقيمة 750 مليون دولار. وكان صندوق النقد الدولي قد عبّر، بحسب التقارير، عن عدم رضاه على التعديلات التي أدخلتها مصر على البرنامج الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، كما نُقِل عن المسؤولين المصريين عدم تحمّسهم للقرض البديل، وتفضيلهم لقرض الـ 4.8 مليار دولار.

وبغض النظر عن المسار الذي ستسلكه المباحثات التقنية الجارية حالياً، يبقى السؤال الأهم إذا كان بإمكان برنامج تقشّفي مدعوم من صندوق النقدي الدولي - سواء بصيغة معدَّلة أم لا - تحقيق هدفه المعلَن بتحقيق الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلّي، أم أنه سيدفع بالأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية المتردّية أصلاً نحو مزيد من الفوضى. وبصورة عامة، فإن السؤال عما إذا كان من الأفضل التوصل إلى تحقيق التوازن المالي باعتماد إجراءات تقشّفية، أو بتحقيق مستويات مرتفعة من النمو الاقتصادي، كان موضع نقاش واسع في الأشهر الأخيرة، ولاسيما على ضوء الاضطرابات التي تشهدها الدول الواقعة عند أطراف منطقة اليورو. وليس سراً بأن صندوق النقد الدولي يفضّل سياسة التقشّف عن غيرها، بيد أن الحالة المصرية مختلفة تماماً.

فالأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر منذ عامَين هي في جوهرها أزمة سياسية أيضاً. وللدلالة على ذلك يمكن الإشارة - فقط لتقديم البرهان على كلامنا، وليس دفاعاً عن المرحلة السابقة للثورة التي لايمكن الدفاع عنها - إلى أنه في الأعوام الستّة الأخيرة من حكم مبارك، شهدت مصر مستويات مرتفعة من النمو الاقتصادي، وكانت مصدر استقطاب شديد للمستثمرين الأجانب، كما أنها كانت تُصنَّف دائماً في خانة "الاقتصادات الناشئة". صحيح أن البلاد كانت تعاني من مشاكل خطيرة في مايتعلّق بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الدخل، وكان النمو يستند إلى حد كبير إلى المنظومة الريعية، ويميل بشدّة لصالح الفئة التي تتمتّع بالقدر الأكبر من الامتيازات وتملك شبكة واسعة من المعارف في الدوائر السياسية على حساب الأكثرية المهمَّشة والفقيرة. وصحيح أيضاً أن النمو تحقّق في ظل نظام سلطوي وفاسد وقمعي، مما أدّى في نهاية المطاف إلى سقوطه. بيد أن هذه التطورات الإقتصادية التصاعدية (على الرغم من جوانب القصور العديدة فيها) تُظهر أن مصر تملك طاقة اقتصادية هائلة يمكن الاستفادة منها مستقبلاً من خلال استخدام نموذج مختلف للنمو الإقتصادي يلبّي تطلّعات البلاد ويوفّر فرصاً اقتصادية عادلة ولائقة لسكّانها.

لكن منذ اندلاع الثورة، أدّت العملية الانتقالية السياسية الحافلة بالاضطرابات إلى تراجع اقتصادي حاد، وتململ اجتماعي واسع النطاق، وتسبّبت بأوضاع داخلية متردّية جداً على مستوى الأمن،  إلى درجة أن مصر صُنِّفت مؤخراً بعد باكستان وتشاد واليمن على هذا الصعيد، بحسب تقرير صادر عن "المنتدى الاقتصادي العالمي". والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل بإمكان خطّة إصلاح تقشّفية جداً أن تنجح في ظل هذه الظروف في وضع الاقتصاد المصري على طريق الإستقرار الكلي؟ هل يمكن أن يكون قرض صندوق النقد الدولي - إذا لم يتغيّر شيء في الأوضاع السياسية والأمنية الراهنة - كافياً لوحده لتوجيه رسالة تطمين إلى الأسواق المالية الدولية، واستعادة الاستثمارات الأجنبية؟ ثمة أسباب منطقية تدعونا إلى التشكيك في ذلك.

إن التركيز بشكل رئيسي على الجوانب الاقتصادية للأزمة الراهنة، وعدم التطرق بشكل كافي لجذورها السياسية، فإن من شأن أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي أن يُعرِّض الاستقرار الاقتصادي والسياسي معاً إلى مزيد من الخطر؛ ويدفع بالبلاد أكثر فأكثر نحو الهاوية. فمعدّلات التضخّم والفقر والبطالة تواصل إرتفاعها بصورة خطيرة بعد الثورة، نتيجة إستمرار الأزمة السياسية الداخلية التي أرهقت كاهل الاقتصاد. فما النفع من إضافة مزيد من الضغوط إلى وضع شديد التأزّم في الأصل؟

ليس المقصود بهذا الكلام نفي الحاجة إلى إصلاح السياسة الاقتصادية في مصر، بل إن الاعتراض هنا هو على توقيت تطبيق هذه الإصلاحات وعلى السياق الذي تتم فيه، وكلاهما في الفترة الراهنة غير مؤاتيَين إلى حد كبير. صحيح أن ثمة الكثير من الهدر في برنامج الدعم الحكومي الذي يعاني من نقص شديد في الفعالية، كما أنه سيّئ التوجيه، ويستحوذ بصورة عقيمة على أكثر من ربع موازنة الدولة. لكن كي تُطبَّق هذه الإصلاحات في شكل أفضل وتكون لديها حظوظ أكبر من النجاح، يجب أن تتم في أجواء مستقرّة سياسياً ومزدهرة اقتصادياً ومتجاوِبة اجتماعياً. فمحاولة تحقيق الإستقرار الكلي عن طريق تطبيق سياسات التقشّف، في ظل وجود اضطرابات سياسية واجتماعية، تقود حكماً إلى الكارثة.

اليوم، تقترب مصر سريعاً من نقطة الانهيار الإقتصادي. فاحتياطي العملات الأجنبية الذي يبلغ حالياً 13.4 مليار دولار، هو دون رقم الـ 15 مليار دولار الذي اعتبره البنك المركزي المصري في كانون الأول/ديسمبر الماضي "حداً أدنى حرجاً يجب الحفاظ عليه". كما أن البلاد بدأت تعاني من نفاد العملة الصعبة الضرورية لشراء كميات كافية من الوقود المستورَد، مما يتسبّب بوجود نقص حاد، ويُشكّل تهديداً خطيراً لموسم حصاد القمح الحالي. ويواصل الجنيه المصري انخفاضه الشديد في مقابل الدولار، فقد خسر 10.5 في المئة من قيمته منذ أواخر شهر ديسيمبر/كانون أول الماضي، مما أدّى إلى ارتفاع في الأسعار وتناقص في القدرة الشرائية. وكذلك تسلك مكانة البلاد الائتمانية على المستوى الدولي مساراً انحدارياً، حيث تضع وكالات التصنيف العالمية الكبرى مصر ومصارفها الكبرى باستمرار في مراتب متدنّية، وتتوقّع لها آفاقاً سلبية في المستقبل. وإذا أضفنا إلى هذه اللائحة حجم الدين العام الداخلي الآخذ في التزايد، وعجز الموازنة العامة الذي يزداد اتّساعاً، يتضح لنا حجم ونطاق المصاعب المالية التي تواجهها مصر في الوقت الراهن.

في ظل هذه الظروف المأزومة، يشكّل قرض صندوق النقد الدولي، فضلاً عن الدعم المالي الدولي الذي يمكن أن يتبعه، حاجة ماسّة بالنسبة إلى مصر التي تتخبّط في ضائقة مالية شديدة، وذلك من أجل معالجة العجز الكبير في الموازنة العامة للدولة وفي ميزان المدفوعات. ولكن، وهذه هي النقطة العامة هنا،  يجب أن يكون هذا القرض بشروط تختلف تماماً عن تلك التي اقترحها صندوق النقد الدولي في برنامج الإصلاح. وعلى وجه التحديد، وبدلاً من الدفع باتّجاه اعتماد برنامج تقشّفي يملك حظوظاً ضئيلة من النجاح، أو بالأحرى قد لايملك أية حظوظ على الإطلاق، في خضم الاضطرابات السياسية وشبه الانهيار الأمني، يتعيّن على صندوق النقد الدولي والمجتمع الدولي أن يسعيا إلى الحث على تشكيل حكومة مصرية تضم كل ألوان الطيف السياسي في مصر، وتقوم على أساس المشاركة في سلطة الحكم، وإلى العمل من أجل إطلاق عملية انتقالية سياسية قائمة على المصالحة، وتقود في نهاية المطاف إلى إرساء الاستقرار، وتعزيز الثقة بالبلاد، وإحياء الأمل بالمستقبل.

وبعد الانتهاء من ذلك كله، يجب وضع استراتيجية قومية أكثر شمولاً لتحقيق النمو الإقتصادي، بما يؤدّي إلى تصحيح الأخطاء التي ارتُكِبت في الفترة الأخيرة من عهد مبارك، وتحديد الأولويات والأهداف الوطنية، وتطبيقها في مناخ سياسي أكثر مؤاتاة. فإذا كانت مصر التي تعاني في الوقت الراهن من أوضاع حرجة جداً هي "أكبر من أن تفشل" (لكل الأسباب الواضحة)، فعلى الجهود الدولية أن تصبّ في هذا الإطار، وعلى المجتمع الدولي أن يمارس ضغوطاً للحؤول دون هذا الفشل. في افتتاحية نُشِرت قبل يومين في صحيفة "الفايننشال تايمز" (الأحد 7 نيسان/أبريل 2013) خلصت إلى القول: "في إطار الاتفاق [على القرض]، على صندوق النقد الدولي أن يصرّ على وجوب أن تكون السلطة كاملةً في يد حكومة منتخبة وشفّافة وخاضعة إلى المساءلة. إنه السبيل الوحيد لإنقاذ مصر، على الصعيد الاقتصادي وعلى مستوى دورها القيادي في العالم العربي". إنه الصواب بعينه، وهذا بالضبط مايجب فعله.

محمد السمهوري خبير اقتصادي مقيم في القاهرة وباحث اول ومحاضر سابق في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة برانديس في بوسطن. يمكنكم متابعته على تويتر على العنوان الآتي: (msamhouri@).