تصدّر العنف الصفحات الأولى في الأردن من جديد، في 31 آذار/مارس، عندما شهدت ثلاث جامعات وطنية أعمال عنف في حرمها. ففي جامعة الأردن، طُعِن أحد الطلاب في العنق، وانتقل نزاع قبلي إلى داخل حرم جامعة آل البيت مع وقوع صدام بين طالبَين. وكانت الحادثة الأكبر في جامعة مؤتة في محافظة الكرك، حيث شارك مئات الطلاب في شجار اندلع على خلفية انتخابات مجلس الطلبة، وأُضِرمَت خلاله النيران في سيارة للشرطة، كما لقي شاب في الواحدة والعشرين من العمر مصرعه خلال محاولته الهروب من العنف متأثّراً بأزمة قلبية أصيب بها جرّاء مشاكل مزمنة في القلب. وقد أغلقت الجامعة أبوابها "حتى إشعار آخر"، ثم عادت واستأنفت التدريس بعد يومَين. تشهد الجامعات الأردنية أعمال عنف تكاد تصل إلى مستوى الأزمة الحقيقية، وتشكّل تهديداً ليس لقدرة الطلاب على التعلّم وحسب، إنما أيضاً لتطلّعات الأردن إلى بناء منظومة جامعية تنسجم مع الخطاب الأردني عن اقتصاد المعرفة. 

يتفاقم العنف في الجامعات الأردنية في الأعوام الأخيرة؛ ففي العام 2011، وقع 58 شجاراً واسعاً في الجامعات، بفارق كبير عن العام 2010 الذي سُجِّل فيه31 حادثاً عنفياً. تُهدّد هذه الحوادث سمعة الأردن كدولة مصدِّرة للتعليم العالي في المنطقة، والأهداف الأوسع المتمثّلة في بناء منظومة جامعية قادرة على المنافسة على الساحة العالمية. يدرس أكثر من 28 ألف طالب أجنبي في الأردن حالياً، وعدد كبير منهم يدفعون أقساطاً أغلى بكثير من أقساط الطلاب الأردنيين، كما أن حضورهم يساهم في تعزيز سمعة البلاد في المنطقة على المستوى التعليمي. لكن في العام 2012، توقف 600 طالب سعودي عن حضور المحاضرات بسبب أعمال العنف في جامعة مؤتة. ويُعتقَد أيضاً أن الأحداث الأخيرة دفعت بخمسة آلاف طالب من الخليج إلى التوجّه إلى جامعات أخرى في المنطقة. وقد حذّر وزير التعليم العالي، أمين محمود، الذي تسلّم منصبه مؤخراً، من أن الطلاب العرب بدأوا يتوجّهون نحو جامعات خارج الأردن، الأمر الذي يمكن أن يمارس تأثيراً كبيراً على موازنات الجامعات الأردنية.

ينفرد الأردن إلى حد كبير بين البلدان العربية في حجم أعمال العنف التي تشهدها الجامعات. ففي أجزاء أخرى من العالم العربي، على غرار تونس، نادراً مايجنح الحراك داخل الجامعات للمطالبة بالحقوق السياسية أو الحريات، نحو العنف. على الرغم من أن الأردن شهد مؤخراً نشاطاً مماثلاً مع تنظيم الطلاب في جامعة الأردن وجامعة الطفيلة اعتصامات أو احتجاجات للمطالبة بنوعية حياة أفضل، إلا أن هذا النوع من الحراك يبقى محدود النطاق. فالعنف في الجامعات الأردنية مرتبط مباشرة بالخصومات القبلية التي يزيد من حدّتها الدور الذي يؤدّيه النفوذ القبلي في السياسات الوطنية المعتمدة في قبول الطلاب في الجامعات وفي القرارات التي تتّخذها الإدارات الجامعية. غالباً مايُربط الشرف القبلي بسلوك الفتيات؛ وتندلع في أحيان كثيرة شجارات على خلفية اتهام فتيات من قبيلة معيّنة بمواعدة شبّان من قبيلة أخرى. في آذار/مارس 2012، اندلع شجار في جامعة الأردن عندما رأى طالب قريبةً له تتحدّث مع شبّان من قبيلة أخرى، وأطلق النار في الهواء. كثيراً ماتمتدّ الشجارات القبلية إلى خارج حرم الجامعات وتتسبّب بأضرار في المدن المحيطة بها.

يسلّط عجز الأردن عن ضبط العنف في الجامعات، الضوء على وجود تجاذب شديد في قطاع التعليم العالي الأردني، بين رغبة الجامعات الأردنية في تقديم نموذج تربوي عصري قائم على المساواة من جهة والضغوط التي تمارسها  الروابطها القبلية والعائلية والتي وتتيح للبعض التفلّت من القوانين البيروقراطية من جهة أخرى. كما أن الشرف القبلي يساهم في اندلاع أعمال العنف على خلفية انتخابات مجالس الطلبة التي تُعتبَر بمثابة منبر لاستعراض النفوذ القبلي. فالتشنّجات التي أحاطت بانتخابات مجلس الطلبة كانت في أساس أعمال العنف التي اندلعت مؤخراً في جامعة مؤتة. وقد أوردت حملة "ذبحتونا" أن الطلاب مُنِعوا عنوةً من دخول غرف الاقتراع على خلفية اتنماءاتهم القبلية في انتخابات مجلس الطلبة في جامعة الأردن في العامَين 2010 و2011. وفي الإطار عينه، علّقت جامعة عمان الأهلية انتخابات مجلس الطلبة لمدّة تسع سنوات بسبب أعمال العنف. وفي العام 2011، عندما سمحت الجامعة بتنظيم هذه الانتخابات من جديد، بدأ أقرباء المرشّحين الخاسرين (وقد جاء عدد كبير منهم من خارج الجامعة) الرشق بالحجارة بعد إعلان النتائج، ماأدّى إلى إلغاء انتخابات مجلس الطلبة من جديد.

ومن المعلوم أيضاً أن السياسات المعتمدة لقبول الطلاب في الجامعات تساهم في اندلاع أعمال العنف، فهي تمنح الطلاب المنتمين إلى بعض القبائل أو الخلفيات، القبول والمنح الدراسية من خلال سياسات التمييز الإيجابي الواسعة النطاق (تُعرَف بالمكارم)، بما يؤدّي إلى قبول طلاب ذوي مستوى أكاديمي متدنٍّ، في الجامعات الوطنية. وفقا لمقال بقلم محمد نسور (أستاذ القانون في جامعة الأردن) هؤلاء الطلاب هم عادةً الأكثر ضلوعاً في أعمال العنف في الجامعات، ربما لأنهم قادمون من مناطق حيث يُعتبَر العنف رداً مناسباً للدفاع عن الشرف القبلي. وقد حاولت بعض الجامعات، لاسيما جامعة الأردن، خفض عدد الطلاب المقبولين بموجب نظام المكارم، مع العلم بأنها لم تنجح دائماً في ذلك. لكن إذا ظلّ العنف يتحوّل أكثر فأكثر نحو الجامعات التي تستمر في قبول أعداد كبيرة من الطلاب عن طريق المكارم، فقد يؤدّي ذلك إلى مزيد من عدم المساواة في نوعية التعليم التي يحصل عليها الطلاب من مختلف الخلفيات.

على المستوى المؤسّسي، نجح عدد من الجامعات، بينها جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية وجامعة الأردن، في الحد من العنف عبر المبادرة فوراً إلى طرد المعتدين، وإطلاق إصلاحات على غرار طلب بطاقات الهوية من الأشخاص للسماح لهم بدخول الجامعة، وتركيب كاميرات مراقبة، وتدريب عناصر الأمن على السيطرة على العراك. ومن الإجراءات الأولى التي اتّخذها وزير التعليم العالي الجديد إدانة العنف ودعوة جميع رؤساء الجامعات إلى وضع خطة عمل لمكافحة العنف. وفي اجتماع طارئ في الرابع من نيسان/أبريل، اتّخذ مجلس التعليم العالي موقفاً حازماً رداً على الأحداث التي شهدتها جامعة مؤتة، مشدِّداً على وجوب طرد جميع الأشخاص الضالعين في أعمال عنف ومنعهم من إعادة التسجّل في الجامعات الأخرى في البلاد.

يبقى أن نرى إذا كانت هذه السياسة ستوضَع حيّز التنفيذ؛ فحتى الآن تسبّب النفوذ القبلي بتقويض السياسات القائمة. فالطلاب الضالعون في أعمال العنف في جامعة مؤتة في آذار/مارس الماضي كانوا قد طُرِدوا العام الفائت من الجامعة بسبب السلوك نفسه، لكن سُمِح لهم بإعادة التسجّل بسبب الضغوط القبلية؛ حتى إن مصلح الطراونة، المسؤول السابق عن شؤون الطلاب في جامعة مؤتة، استقال من منصبه احتجاجاً على قرار إعادة قبول الطلاب المشاركين في أعمال العنف.

قد تُصدر الحكومة الوطنية سياسات حازمة، لكن سلطة قبول الطلاب ومعاقبتهم وطردهم تبقى في أيدي مديري الجامعات الذين يقع على عاتقهم مقاومة الضغوط التي تمارسها القبائل النافذة، كي يتمكّن الأردن من لجم العنف في الجامعات. فعندما يخضع المديرون للضغوط القبلية ويُعيدون قبول الطلاب الضالعين في أعمال العنف في الجامعات، لايُهدّدون سلامة الطلاب الآخرين وحسب بل أيضاً سمعة قطاع التعليم العالي في الأردن، واضعين بذلك المصالح القبلية الضيّقة فوق المصلحة الوطنية العليا.

إليزابيث بكنر طالبة دكتوراه في جامعة ستانفورد تتختص في التعليم الدولي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.