يخوض الإسلاميون المنتخَبون في مصر معركة مع القضاء تتأرجح بين المواجهة الكاملة والتسوية الحذرة. ثمة مايبررّ المخاوف التي تراود الإسلاميين بشأن القضاء، لكن بما أنهم يُسيطرون على العملية السياسية في البلاد الآن، فإن الخيار بين المواجهة والتسوية يقع على عاتقهم إلى حدٍّ كبير. وقد استخدم الإسلاميون والعديد من القضاة على السواء كل الأدوات المتاحة لهم في معركتهم هذه، لكن إذا استمرّوا في استعمالها بتهوّر كما في الأشهر القليلة الماضية، فالخاسر الأكبر سيكون الانتقال الديمقراطي المضطرب الذي تشهده البلاد.

وهكذا، فإن الرئاسة المصرية التي وجدت على مايبدو أن الجزء الأكبر من المعارضة المدنية إما متمسّك بمواقفه وإما غير قادر على ممارسة تأثير، تركّز طاقاتها السياسية في شكل أساسي على ترجمة انتصاراتها الانتخابية إلى موقع أكثر رسوخاً وصلابة في أجهزة الدولة. يبدو حالياً أن الرئيس محمد مرسي توصّل إلى تسوية مؤقّتة قابلة للحياة مع الجيش، وأخرى أكثر اهتزازاً مع الأقسام المختلفة لجهاز الأمن الداخلي. لكن بدلاً من سلوك المسار نفسه في التعامل مع القضاء، ربما يرى مرسي وحلفاؤه أن القضاة يشكّلون عائقاً يجب تخطّيه عن طريق الإجراءات التنفيذية والتشريعات، وشيء من الترهيب.

وقد أدّت الخطوة الأكثر جسارة في هذا الإطار، والتي تمثّلت في الإعلان الدستوري الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إلى تصلّب في المواقف لدى مختلف الأطراف. ففي السلك القضائي، تحوّلت المشاعر المختلفة حيال صعود الإسلاميين، والتي تراوحت من المعارضة الناشطة مروراً بالتوجّس وصولاً إلى التسوية، إلى نوع من المعركة المميتة. فسلوك الإسلاميين أكثر منه أيديولوجيتهم هو الذي أثار الشعور بالمرارة لدى عدد كبير من القضاة. فقد بدا أن القيادة المنتخبة الجديدة، وعبر إعادة صوغ الإطار القانوني والدستوري للبلاد، تُنتج من جديد سلطوية مبارك الفاسدة (وإن كانت أقل تصلّباً)، لابل تعود إلى منظومة عبد الناصر الأكثر خضوعاً إلى نسق صارم وموحَّد (والأقل قانونية إلى حدٍّ كبير).

لكن لاتزال المسألتَان الخلافيتان الأهم تنطويان على طرق يمكن أن تؤدّي إلى التسوية، فأيٌّ من الطرفَين لم يحرق بعد الجسور التي تقود إلى تلك المسارات. 

تدور المعركة الأولى والأكثر علنية حول قانون جديد لتنظيم القضاء، أي التشريع الأساسي الذي يضمن استقلال السلطة القضائية (أو يقضي عليه). المفارقة هي أن الجهود الآيلة إلى وضع قانون جديد تعود إلى نحو عقد تقريباً (مع وجود سوابق تعود إلى فترة أطول)، بقيادة قضاة إصلاحيين سعوا إلى التخلّص من مخلّفات الأدوات السلطوية والتعدّيات من السلطة التنفيذية التي تراكمت في شكل أساسي خلال الحقبة الناصرية. في الأشهر التي تلت اندلاع انتفاضة 2011، اعتبر القضاة الإصلاحيون أن الوقت مناسب لإعادة إحياء ذلك المجهود، إلا أن مساعيهم توقّفت عندما حُلّ مجلس الشعب في العام الماضي.

لكن عندما تبنّى مجلس الشورى، الذي يُسيطر عليه الإسلاميون، المشروع فجأةً في نيسان/أبريل 2013، ثارت حفيظة القضاة في موقف مفهوم، إذ اكتشفوا أن ادّعاء مناصرة استقلال القضاء أصبح "أورويلياً" جداً: كان القانون الذي اقترحه مجلس الشورى ليفرض على القضاة الأكبر سناً التقاعد، بما يؤدّي إلى "تطهير" القضاء تحت ستار انتزاع السيطرة عليه من قبضة القضاة المتقدّمين في السن. غالباً ماتتركّز المناصب القضائية في أيدي عدد صغير من العائلات - كما هو الحال في المهن الأخرى – الأمر الذي يدفع بالإسلاميين (الذين تسبّب التدقيق الأمني بإقصائهم من السلك القضائي طوال سنوات)، إلى المناورة لتعيين مجموعة أكثر تنوّعاً من القضاة الأصغر سناً. وقد نظّم كوادر الإخوان المسلمين تجمّعات حاشدة دعماً للقانون المقترح، ووجّه القياديون في الجماعة انتقادات لاذعة جداً إلى القضاة الذين اعتبروا أنهم يتسبّبون بالتعطيل والشلل، وتحدّثوا بغضب شديد عن سيطرة عدد قليل من العائلات على السلطة القضائية. وأثارت هذه التطوّرات خوفاً شديداً لدى القضاة الذين لم ينسوا المواجهتَين السابقتين مع الرئاسة في العام 1954 ثم 1969، حيث أدّت المواجهة الأولى إلى تقويض المحاكم الإدارية التي كانت تمارس سلطتها بحزم، في حين أسفرت المواجهة الثانية عن طرد أكثر من 200 من أعضاء الهيئات القضائية من مناصبهم في حادثة لايزال يُشار إليها الآن بـ"مذبحة القضاء".

في لقاء مع المسؤولين القضائيين  (مع أن أجواء اللقاء كانت منحازة نحو الجهات التي تميل إلى التسوية)، بدا أن الرئيس مرسي يقترح هدنة في النزاع حول قانون القضاء، على الرغم من أن الطبيعة المحدّدة لوعوده لاتزال غير واضحة. فبحسب قراءتهم الأكثر طموحاً، وافق مرسي على العمل مع السلطة القضائية لوضع قانون بالاستناد إلى آلية سبق أن استخدمها القضاة الإصلاحيون في السنوات الأولى من عهد مبارك، وتتمثّل في عقد مؤتمر حول القضاء على صعيد البلاد ككل من أجل إعداد مقاربة توافقية نحو إصلاح القضاء وتحقيق استقلاليته. بيد أن العديد من المراقبين المشكّكين أبدوا خشيتهم من أن جلّ مافعله مرسي هو إرجاء المواجهة إلى مرحلة لاحقة.

المعركة الثانية أكثر تعقيداً من الناحية القانونية، لكن تبعاتها ليست أخف وقعاً، وتتمحور حول تعيين النائب العام. فالمنصب حسّاس كونه يشرف على كل المحاكمات الجنائية، ويُحدّد بالتالي الاتهامات التي يتم التحقيق فيها بحماسة وتلك التي يتم التغاضي عنها. كان تعيين نائب عام موثوق من الأساليب الأساسية التي اعتمدها النظام السابق للتعامل مع مجموعة من القضاة الذين يتمتّعون في معظم الأحيان باستقلالية مفاجئة. ولذلك، لم يكن مستغرباً أن تحاول أي حكومة بعد الثورة إيجاد بديل عن عبد المجيد محمود الذي كان نائباً عاماً في عهد مبارك؛ وقد ازدادت السلطات تصميماً على تعيين نائب عام جديد مع فشل محمود في إطلاق إجراءات فعّالة لمحاكمة رموز النظام السابق.

لكن عندما تحرّك الرئيس مرسي أخيراً ضد النائب العام وقام بتعيين طلعت عبدالله، جاءت خطوته هذه في أجواء شديدة الاستقطاب، كما أنه لجأ إلى مجموعة جريئة من التدابير التي سعى من خلالها إلى تجاهل القوانين والإجراءات المعمول بها عبر تغيير النظام الدستوري الانتقالي ليتناسب مع أهدافه. وقد أفادت تلك الإجراءات من الحصانة التي يمنحها إياه دستور العام 2012 وتحول دون إمكانية تحدّيها، أو على الأقل هذا مابدت عليه الأمور إلى أن قامت هيئة قضائية في محكمة الاستئناف في القاهرة مكلّفة النظر في النزاعات المتعلّقة بأعضاء السلك القضائي، بنقض قرار مرسي بإقالة محمد.

لكن محكمة الاستئناف، وعبر قيامها بذلك، استندت إلى نظرة واسعة جداً إلى "المبادئ فوق الدستورية" التي زعمت أن بإمكانها تفسيرها بحسب ماترتئيه مناسباً. وهي لم تُلقِ بذلك شكوكاً حول صلاحية مرسي في إصدار الإعلان الدستوري في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وحسب، بل اتّبعت أيضاً نمطاً في التحليل القانوني يلفت بجسارته أكثر بكثير منه بتماسكه. وفي الجوهر، اعتمدت المحكمة أسلوباً عشوائياً لايختلف كثيراً عن ذاك الذي انتهجه مرسي، فقد سمحت لنفسها بأن تختار، من بين البنود والأحكام الدستورية المتعدّدة، الأجزاءَ التي تنطبق على هذه القضية تحديداً، وبأن تتجاوز بقيّة نصوص الدستور.

حتى الآن، لم يُطبَّق الحكم. وليس واضحاً إذا كانت الرئاسة تتجاهله بسبب المنطق العشوائي للمحكمة، أم فقط لمجرد أنها ترغب في إبقاء نائبٍ عام مفيد في منصبه. بيد أن تسلسل الأحداث عمّق أكثر فأكثر الشكوك التي يشعر بها السلك القضائي حيال مرسي، وهي مشاعر متبادلة إلى حد كبير. 

التسوية متاحة بسهولة، وتتمثّل في السماح للنائب العام الحالي بترك منصبه، واختيار نائب عام جديد وفقاً للإجراء الجديد الذي ينص عليه الدستور، حيث يقترح كبار القضاة في مجلس القضاء الأعلى اسم مرشّح على الرئيس الذي يقوم عندئذٍ بتعيينه رسمياً. إذا قبِل مرسي بالتسويات المختلفة - العمل على إعداد قانون القضاء الجديد بالتعاون مع أعضاء السلك القضائي، وتعيين مدّعٍ عام جديد من خلال مجلس القضاء الأعلى - فسوف يواجه اعتراضات من داخل جماعة الإخوان المسلمين التي ستتّهمه بالاستسلام لخصومه. لكن غالب الظن أن قنوات التواصل المغلقة بين القضاء والمعارضة ستُفتَح من جديد، الأمر الذي من شأنه إفساح المجال أمام المصريين ليبدأوا بالخروج من العثرات الكثيرة التي يتخبّطون فيها.

ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث أول غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.