تنطلق السياسة الخارجية القطرية من عاملَين مترابطَين أساسيَّين: المحدوديات التي يفرضها موقع البلاد، ونظرة النخبة إلى السبيل الأفضل لتخطّي هذه المعوّقات. تاريخياً، لطالما كانت قطر قوة صغيرة بين قوى أكبر، وقد أرغم هذا التفاوت النخب الحاكمة على السعي إلى إبرام سلسلة من الاتفاقات الحمائية، مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقلال الذاتي.

وقد ظهرت الولايات المتحدة في المراحل الأخيرة في موقع الدولة الضامنة لقطر التي سعت إلى الحصول على الحماية الأميركية في أعقاب اجتياح الكويت. لكن وإن كانت قطر تقبل العباءة الأمنية الأميركية بامتنان، تدأب قيادتُها على السعي إلى تنويع اعتمادها على الولايات المتحدة، الأمر الذي يتيح لقطر حرية أكبر في التحرّك، مايحدّ من قدرة الولايات المتحدة على ممارسة ضغوط عليها، وأكثر من ذلك، بما أن التاريخ يعلّمنا أن سلطات الوصاية ترحل في نهاية المطاف، من الحكمة أن تستعدّ قطر لمثل هذا الاحتمال.

في هذا السياق تندرج الاستراتيجية القطرية في تصدير الغاز الطبيعي المُسال، والتي يمكن وصفها بأنها سياسة اقتصادية محنّكة تُفيد من إمدادات الغاز الوافرة التي تملكها قطر، وتربط البلاد بمجموعة من الدول المهمة حول العالم من خلال محور الطاقة والاقتصاد. صدّرت قطر، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، أكثر من 200 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي المُسال إلى بلجيكا، الصين، فرنسا، الهند، إيطاليا، اليابان، كوريا، إسبانيا، تايوان، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عام 2011، في حين أرسلت كميات أقل إلى الأرجنتين والبرازيل وكندا وتشيلي واليونان والكويت والمكسيك. تشمل هذه اللائحة أربعة من أصل الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي، وعضوَين مؤقّتين. لاشك إذاً في أن العلاقة مع هذه البلدان في مجال الطاقة تعود بالفائدة على قطر.

فالبلدان التي تعتمد على قطر للحصول على نسبة كبيرة من احتياجاتها من الغاز، مثل المملكة المتحدة واليابان والصين، تجد نفسها مضطرّة إلى دعمها في حال واجهت مشكلة خطيرة تهدّد أمن الطاقة لديها. ففي منطقة مضطربة حيث تستعرض إيران عضلاتها باستمرار، وغالباً ماتهدّد بإغلاق مضيق هرمز (الممر الضيّق الذي يشكّل منفذاً بحرياً للخليج الفارسي)، يرتدي الارتباط مع هذه البلدان أهمية بالنسبة إلى قطر وتمتُّعها بالرخاء المستمر. ومن المنظار عينه، من شأن العلاقات المستندة إلى التكافل الشديد في مجال الطاقة أن توفّر دعماً أساسياً لقطر في المحافل الدولية أو في سعيها إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية.

 تفسّر هذه المطعيات إلى حدٍّ ما طبيعة العلاقات القطرية-المصرية بعد الثورة في 25 كانون الثاني/يناير. قبل سقوط مبارك، كانت العلاقات الثنائية بين الدولتين سيئة، فقد عطّلت مصر المبادرات القطرية في جامعة الدول العربية وفي محادثات السلام في دارفور، على الرغم من جوانبها الإيجابية. أما الآن فجدّدت قطر علاقاتها مع مصر مستعينةً بروابطها مع "الإخوان المسلمين" من أجل توطيد أواصر العلاقات مع الفاعلين الأساسيين في النخبة المصرية الجديدة. فضلاً عن ذلك، وإلى جانب الخطاب الداعم، أرسلت قطر مليارات الدولارات لمساندة الاقتصاد المصري. وهكذا، من خلال هذا الدعم العلني للحكومة المصرية الجديدة في خضم الأزمة التي تمرّ فيها البلاد، تستطيع القيادة القطرية أن تتوقّع، لفترة قصيرة على الأقل، الحصول على الدعم لمبادراتها الدبلوماسية أو على فرص حقيقية للاستثمار الاقتصادي. لن تشتري قطر الأهرامات أو قناة السويس، كما لمّحت بعض التقارير الحاقدة، إلا أنه قد تتسنّى لها الفرصة للاستثمار مثلاً في المنطقة الصناعية في السويس. ويُحكى أيضاً عن إعفاء قطر من تطبيق بعض أحكام قوانين الاستثمار في مصر تماماً كما أفادت من بعض الإعفاءات على ضرائب التملّك في فرنسا.

قد يكون صحيحاً أن الدول التي تتصرّف بهذه الطريقة لاتتوقّع عادةً نوعاً من المعاملة بالمثل، إلا أن قطر تنظر إلى الأمور بطريقة مختلفة. تُصنَع السياسة القطرية على الدوام في أعلى الهرمية النخبوية، ويمكن أن تكون لقناعات الأمير الشخصية ونقاشاته واتفاقاته تأثيرات عميقة على السياسات القطرية.

في الواقع، قد يبدو من المستغرب الإشارة إلى أهمية الدافع الإنساني الأولي نظراً إلى الطبيعة المشخصنة للسياسة القطرية، إلا أنه يمكن القول، لابل يُرجَّح أن يكون هذا العامل قد أدّى دوراً أساسياً في الدعم القوي الذي بادرت قطر إلى تقديمه سريعاً للقوى المعارِضة في الانتفاضة الليبية. لكنه ليس العنصر الوحيد في المعادلة. فإلى جانب توقّع المعاملة بالمثل، تعزّز قطر صورتها وقوّتها الناعمة إلى حدٍّ كبير من خلال الارتباط الوثيق بالحركات الثورية، والذي يمكن أن يعود عليها بالنفع على المستويين الخارجي والداخلي. إذا نجحت قطر في إقامة علاقات طبيعية أو ربما مميّزة مع الحكومات الجديدة في مختلف أنحاء المنطقة، لتحل مكان العلاقات المشحونة القديمة (أي مع نظام مبارك في مصر ونظام القذافي في ليبيا)، فقد يحقّق لها هذا أيضاً فوائد اقتصادية من خلال تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات.

إذن، على ضوء الطبيعة المشخصنة للسياسة القطرية التي تتمحور بشقَّيها الداخلي والخارجي حول شخص الأمير، يكتسب الكلام الذي يجري تداوله في الآونة الأخيرة عن تغييرات في النخبة القطرية (يُحكى أنها تطال الأمير ووزير الخارجية) أهمية كبيرة. ففي حين حدّد الأمير الاتجاه الاستراتيجي لقطر مع تركيز أكيد على الساحة الدولية، حيث تسعى قطر دائماً إلى التدخّل حيثما أمكن، لايزال المجال متاحاً أمام القناعات الشخصية لتغيير المسارات. الواقع هو أنه عاجلاً أم آجلاً سيتولّى ولي عهد قطر، الذي هو نجل الأمير الحالي وزوجته النافذة الشيخة موزة، قيادة السياسات القطرية بنفسه، وقد تشرّب جيداً الرؤية القطرية. ففي المجالات حيث كان ولي العهد صاحب القرار في تحديد السياسات، ولاسيما في الرياضة ومشروع الأمن الغذائي القطري، اتّبع سياسات مبتكرة ولافتة سعى من خلالها إلى وضع قطر في قلب النقاشات والأحداث الدولية ذات الصلة. ولذلك تقودنا الافتراضات الأولية إلى الاستنتاج بأنه على الرغم من أن أمير قطر المقبل، تميم، قد لايتمتّع بحماسة والده أو وزير الخارجية الحالي للدفع بالبلاد نحو الانخراط أكثر على الساحة الدولية، مع مايثيره هذا الانخراط من جدل، إلا أنه لن يعود على الأرجح عن التوجّه الدولي للسياسة الخارجية القطرية.

ديفيد روبرتس هو مدير المعهد الملكي لدراسات الدفاع والأمن روسي قطر ومؤلف كتاب قطر: ضمان الطموحات العالمية لدولة مدنيّة  ويمكن متابعته على تويتر  @thegulfblog