ارتفع التشنّج والاستقطاب قبل 30 حزيران/يونيو الذي شهد بعضاً من التظاهرات الأكبر والأوسع انتشاراً منذ سقوط حسني مبارك عام 2011. وفي حين يصعب توقّع ماستؤول إليه الأوضاع في مصر، نجحت الاحتجاجات في دفع الجيش إلى تبنّي موقف مما يجري. ففي الأول من تموز/يوليو الجاري، أصدرت القوات المسلحة بياناً دعت فيه جميع الأطراف إلى التوصّل إلى اتفاق في غضون 48 ساعة وإلا سيتدخّل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لوضع خريطة مستقبل للبلاد. الواقع أن الوضع لايزال متقلباً، وليس واضحاً ماتحمله الأيام المقبلة من تطوّرات.  إلى ذلك، رفض الرئيس محمد مرسي المهلة المحددة من قبل الجيش، مشيراً إلى انه لم تتم مراجعته بشأنها، والقوات المسلحة ماضية في خطتها الخاصة. وقد استقال خمسة وزراء على الأقل من وظائفهم، بما في ذلك وزير الخارجية محمد كامل عمرو. لكن بغض النظر عن نتائج العملية السياسية أو التحرّك العسكري، غالب الظن أن هذه المحطة لن تكون الأخيرة في مايُعرَف بـ"الانتقال الديمقراطي" في مصر.

وقد اشتدّت المطالبات بتنحّي الرئيس محمد مرسي في الذكرى الأولى لانتخابه. خلال العام المنصرم، أثار مرسي غضب الشعب من مختلف الفئات الاجتماعية، من المحافظين الموالين للجيش والشخصيات المؤيدة للثورة، وصولاً إلى السياسيين الليبراليين الطامحين إلى الوصول إلى السلطة والناشطين المدافعين عن حقوق العمال. ولذلك، من الصعب فهم تعقيدات الدوافع التي تقف خلف تحرّكات المحتجّين. إلا أنه من الواضح أنه لم يعد بإمكان مرسي الاعتماد على اتفاقاته وتسوياته مع الشرطة والجيش لتهدئة الغضب الشعبي. وقد احتشد مئات الآلاف من أنصار مرسي في تظاهرات مضادّة في جميع أنحاء البلاد، خصوصاً في مدينة نصر في القسم الشرقي من القاهرة لحماية "الشرعية الديمقراطية" للرئيس، وحذّروا من أن إطاحة مرسي ستعرّض للخطر الآمال بقيام نظام ديمقراطي في مصر.

وربما يكون الجانب الأكثر لفتاً للأنظار في تظاهرات 30 حزيران/يونيو - والسبب الرئيسي خلف مشاركة الناس بأعداد كبيرة في الاحتجاجات - هو أن الاستياء ينبع أساساً من المظالم الاقتصادية-الاجتماعية اليومية. فالاقتصاد في حالة سيئة جداً تدقّ ناقوس الخطر، ولاسيما على ضوء الهبوط الشديد في الاحتياطي الأجنبي وارتفاع التضخّم ومعدّلات الفقر. واقترنت هذه المشاكل مع النقص الحاد في المحروقات الأسبوع الماضي، والذي أدّى إلى شلّ عدد كبير من الطرقات، وزاد من حدّة الغضب من الدولة.

قبل ذلك، تمحورت التعبئة ضد مرسي أساساً حول المظالم السياسية. ففي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أثار الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي، ونصّ على توسيع صلاحياته التنفيذية، غضب الثوّار والفلول، بحسب التسمية التي تُطلَق على رموز النظام السابق. وكان للفلول على وجه التحديد حضور إعلامي قوي ساهم في الحشد والتعبئة استعداداً لتظاهرات 30 حزيران/يونيو. وقد اتّجه الأفرقاء المنضوون في المعارضة السياسية الرسمية، وعلى وجه التحديد "جبهة الإنقاذ الوطني"، نحو تركيز معارضتهم لجماعة "الإخوان المسلمين" على مسألتَي الهوية والقومية؛ فالتهمة التي غالباً ماتتكرّر هي أن "الإخوان المسلمين" ليسوا مصريين وأنهم يحاولون في الواقع "احتلال" البلاد في محاولة لفرض "أخونة" الدولة. واقع الحال هو أن أفكار "جبهة الإنقاذ الوطني" تلتقي إلى حد كبير مع أفكار "الإخوان المسلمين" في مجالَي السياسات الاقتصادية-الاجتماعية والمواقف من القوات المسلحة.

وقد كان الجيش في قلب المشاحنات السياسية الأخيرة. فعلى الرغم من الرسالة التي وجّهها وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي للدعوة إلى التوصّل إلى تسوية في غضون 48 ساعة، بدا حتى الآن أن الجيش يقف في صف النظام. لقد حاولت إدارة مرسي تشكيل تحالف صعب مع كلٍّ من القطاع الأمني وقطاع الأعمال عن طريق المصالحة. فالهدف من تأليب هذه الأطراف بعضها على بعض في السابق كان حماية منظومة الدولة التي ورثها الإخوان المسلمون وأبدوا عجزاً عن إصلاحها أو عدم استعداد للقيام بذلك. إحدى النقاط الأساسية التي حاول مرسي تسليط الضوء عليها في خطابه في 26 حزيران/يونيو، كانت التشديد على أنه المسؤول عن القوات العسكرية، وعلى وجود توزيع عملي وديمقراطي للسلطة.

الإشكالية بالتأكيد هي أن هذه التحالفات لطالما كانت ضعيفة. ليست لمرسي سيطرة فعلية على الشرطة، حتى إن بعض عناصرها أضربوا في أواخر نيسان/أبريل، إذ يبدو أنهم غير راغبين في مواصلة قمع المواطنين من أجل رئيس لايقبلونه فعلياً. أما في مايتعلق بالجيش، فوجود السيسي خلال إلقاء مرسي خطابه دليل على أن المؤسسة العسكرية تبقى - في الوقت الحالي على الأقل – جزءاً من النخبة الحاكمة. والبيان الصادر في الأول من تموز/يوليو – والذي يدعو إلى "تلبية مطالب الشعب" – مؤشر إضافي واضح على أن الجيش فوق الرئاسة في هرمية الدولة. فقد نصّبوا أنفسهم حرّاساً للدولة، ونبّهوا الأفرقاء السياسيين إلى وجوب التفاوض، وإلا سيكون عليهم السير بحسب "خريطة المستقبل" التي ستضعها المؤسسة العسكرية، مع العلم بأن مضمونها لايزال غير واضح.

سواء كانت النتيجة تدخّلاً كاملاً من الجيش أم تسوية تتم بوساطته، من غير المرجّح أن تولّد استقراراً في البلاد. فمصر لاتزال في حركة ثورية، والدرس الأبرز الذي يجب استخلاصه من احتجاجات 30 حزيران/يونيو هو أن الشعب لايزال أقوى من الدولة.

محمد الشيوي باحث في "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" في القاهرة، يركّز على العدالة الانتقالية والمساءلة.