من المقرّر أن يعود وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى المنطقة في ختام الأسبوع الجاري في إطار مساعيه المستمرة لإعادة إطلاق محادثات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية. وتنصّ الخطة التي وضعها كيري لهذه الغاية على الإفراج عن نحو 103 فلسطينيين يمضون أحكاماً بالسجن في السجون الإسرائيلية منذ ماقبل اتفاقات أوسلو، وتجميد بناء المستوطنات، وتقديم مساعدات دولية قدرها نحو أربعة مليارات دولار لدعم الاقتصاد الفلسطيني. التحدّي الأساسي الذي يواجهه كيري في دفع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو تحقيق تقدّم في عملية السلام، لاينبع من التباعد في المواقف بينهما، بل، وبصورة أهم على الأرجح، من الأزمة الداخلية التي يواجهها كلٌّ منهما في مؤسّسته، أي حركة فتح وحزب الليكود على التوالي. واقع الحال هو أن كلاً من عباس ونتنياهو يخسر تدريجاً مكانته داخل فريقه السياسي، على الرغم من الاختلاف في تداعيات هذا الأمر على كل منهما. فحتى لو أرادا فعلاً المضي قدماً بمحادثات السلام والتوصّل إلى اتفاق، من شأن الانقسام الداخلي وهشاشة موقعهما داخل حزبَيهما أن يشكّلا عائقاً أساسياً أمام التقدّم على هذه الجبهة.

تعاني حركة فتح أزمةً، لا بسبب خسارتها السيطرة على قطاع غزة في أعقاب النزاع بينها وبين حركة حماس عام 2007 وحسب، بل أيضاً بسبب تعاظم الانقسامات على مستوى القيادة وشعور القاعدة الشعبية بالاستياء، الأمر الذي يشكّل خطراً على عباس. ظهر الصراع بين القيادات واضحاً خلال الانتخابات المحلية الفلسطينية في تشرين الأول/أكتوبر 2012. فقد ترشّح أنصار محمد دحلان في عدد كبير من المجالس المحلية وتحدّوا أنصار عباس. ومع أن دحلان موجود خارج أراضي السلطة الفلسطينية، حقّق مؤيّدوه نصراً كاسحاً في الانتخابات في المدن الكبرى، منها رام الله ونابلس. تُعَدّ شبكة النفوذ التي يمثّلها دحلان، والمرتبطة بحركة فتح، الأقوى والأكثر تنظيماً في غزة والضفة الغربية على السواء، وتسعى باستمرار إلى تقويض سيطرة عباس على فتح.

هذا ويشكّل مروان البرغوثي، المسجون حالياً في إسرائيل والذي يُتوقَّع أن يحصل على الدعم من دحلان في أي سباق يخوضه مستقبلاً مع عباس، تهديداً إضافياً للرئيس الفلسطيني. فالبرغوثي الذي يعارض علناً استراتيجيات عباس السياسية ويدعو إلى المقاومة ضد إسرائيل، أصبح على الأرجح الشخصية العامة الفلسطينية الأكثر شعبية. لقد أظهر استطلاع آراء أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أخيراً أنه إذا أُجريَت انتخابات رئاسية جديدة اليوم، فيُتوقَّع أن يفوز البرغوثي على عباس وعلى إسماعيل هنية من حركة حماس. ففي حال كان السباق بين البرغوثي وهنية، "يُتوقَّع أن يحصل الأول على 57% من أصوات الناخبين وينال الثاني 36% من الأصوات". أما إذا كان المرشّحون للانتخابات عباس والبرغوثي وهنية، "فسوف يحصل البرغوثي على النسبة الأعلى (35%)، يليه هنية (33%) وعباس (27%)". يشكّل البرغوثي تهديداً لعباس لا وسط الرأي العام الفلسطيني وحسب، بل أيضاً داخل فتح. فبحسب الاستطلاع نفسه، من شأن 45% من أنصار فتح أن يصوّتوا للبرغوثي، في مقابل تصويت 53% لصالح عباس.

يواجه عباس أيضاً تحدّيات في الحفاظ على سيطرته على مؤسسات السلطة الفلسطينية. وقد ظهر ذلك جلياً في الأزمة الأخيرة التي أدّت إلى استقالة رئيس الوزراء سلام فياض بعد أسابيع من شدّ الحبال مع عباس حول السلطة والتأثير. رسمياً، تمحور الخلاف حول سياسة فياض الاقتصادية التي تعرّضت إلى انتقادات شديدة من المجلس الثوري لحركة فتح برئاسة عباس. إلا أن السبب الحقيقي كان قلق عباس من استقلالية فياض. فقد بدا الاجتماع المغلق بين فياض والرئيس باراك أوباما في آذار/مارس الماضي وكأنه يشكّل تحدّياً مباشراً لعباس. أدّت المحاولات التي بذلها الأخير للحدّ من صلاحيات رئيس الوزراء الفلسطيني إلى استقالة فياض، بل أيضاً إلى الاستقالة المحرجة لخلفه رامي الحمدالله بعد أسبوعين من تسلّمه رئاسة الوزراء، وذلك على خلفية خلافاته مع نائبَيه، محمد مصطفى وزياد أبو عمرو – المعيَّنين من قبل عباس – احتجاجاً على تدخّلهما في سلطته. وقد تسبّبت هذه الاستقالة بحرَجٍ إضافي لعباس، نظراً إلى أن 59% في المئة من الفلسطينيين أيّدوا تعيين الحمدالله، وجاءت استقالته لتفضح أكثر فأكثر الانقسامات الداخلية وتراجع سلطة الرئيس على اللاعبين السياسيين الأساسيين.

إذن، وبسبب هذه الهشاشة، يحتاج عباس إلى التنازلات الإسرائيلية حاجةً ماسة. فإذا نجح في الدفع نحو تجميد بناء المستوطنات بصورة رسمية والإفراج عن السجناء الفلسطينيين في مظاهر احتفالية، فسوف يتيح له ذلك التباهي بتحقيق انتصارات صغيرة، ولهذا من غير المرجّح أن يتخلّى عباس عن هذين البندَين اللذين يطرحهما بمثابة شرطَين مسبقَين للقبول بإعادة إطلاق محادثات السلام. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد لايكون قادراً على تقديم هذه التنازلات. ففي حين يتمتّع نتنياهو بشعبية نسبية في إسرائيل، يخسر سيطرته تدريجاً على حزب الليكود. وقد ظهر ذلك جلياً في الانتخابات التمهيدية التي شهدها الحزب في العام 2012، حيث فاز متشدّدون مؤيّدون للاستيطان، على غرار داني دانون وزئيف إلكين وموشيه فايغلين، بمواقع أكثر تقدّماً على لائحة الليكود على حساب السياسيين الأكثر براغماتية الذين كان نتنياهو يفضّل أن يراهم إلى جانبه. فقد خسر البراغماتيون المخضرمون – المعروفون بـ"أمراء الليكود" – مثل دان مريدور وبيني بيغن، مقاعدهم في الكنيست واستُبدِلوا بصقور أصغر سناً. وسعى هؤلاء الصقور، منذ صعودهم السياسي، إلى إحراج نتنياهو باستمرار، عبر الاعتراض علناً على تصاريحه التي يعلن فيها عن استعداده ورغبته في التوصّل إلى اتفاق مع الفلسطينيين عن طريق التفاوض بما يؤدّي إلى تطبيق حلّ الدولتين. فعلى امتداد الزيارات المتكرّرة لكيري، وفي مقابل كل تصريح أعلن فيه نتنياهو "لنعطِ السلام فرصة"، كان يصدر تصريح مناقض بأن الليكود سيعطّل أي خطوة باتجاه تطبيق حلّ الدولتين.

والأمر الذي زاد الطين بلّة هو أن هذه المواقف المتشدّدة والمتاعب التي تسبّبت بها لنتنياهو كوفِئَت في 30 حزيران/يونيو المنصرم في انتخابات الهيئات الحزبية، حيث فاز دانون برئاسة اللجنة المركزية في الليكود، وزئيف إلكين برئاسة الهيئة الأيديولوجية في الحزب. حتى أن نتنياهو لم يقدّم مرشحين باسمه إدراكاً منه بأنه لايملك أي فرصة في مواجهة أعضاء الكنيست اليمينيين الذين يتمتّعون بشعبية داخل الحزب. وبعدما بات المتشدّدون يسيطرون الآن على الهيئتَين الأساسيتين في الليكود، زادت قدرتهم على تعطيل الخطوات الضرورية من أجل التوصّل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. إذا أعلن نتنياهو رسمياً عن تجميد بناء المستوطنات، فسوف يتسبّب له ذلك بمأزق خطير داخل حزبه. لكن حتى لو اختار المواجهة داخل الليكود وأعلن عن تجميد بناء المستوطنات، فقد تُعطّل لجان الحزب الخطوات الضرورية الأخرى مثل استبدال حزب "البيت اليهودي" الذي يمثّل المستوطنين، بـ"حزب العمل" في الائتلاف الذي يقوده الليكود.

لقد تعرّض كلٌّ من عباس ونتنياهو إلى التحدّي في عقر داره. على عباس أن يحقّق نصراً على صعيدَي تجميد الاستيطان والإفراج عن السجناء الفلسطينيين من أجل تعزيز شرعيته وشعبيته، ولو بدرجة محدودة. أما نتنياهو، فعليه أن يحاول، في مواجهة التحدّي الداخلي، استرضاء الصقور المؤيّدين للاستيطان الذي يسيطرون على حزبه عبر مقاومتهم للشروط المسبقة التي وضعها عباس، ولاسيما تجميد المستوطنات. من أجل المضي قدماً، سيكون على الرجلَين أن يتجاهلا الأفرقاء الذين يتحدّونهما في الداخل. قد يكون ذلك أسهل بالنسبة إلى نتنياهو الذي لايزال يتمتّع بالشعبية خارج حزبه، أي في أوساط الرأي العام الإسرائيلي. أما عباس فيخاطر بخسارة كل شيء إذا تخلّى عن الشروط المسبقة التي وضعها من أجل القبول بإعادة إطلاق المحادثات.

محمود جرابعة طالب دكتوراه في كليتَي العلوم السياسية والدراسات الشرق أوسطية في جامعة فريدريش-ألكسندر في إيرلانغن-نورمبرغ في ألمانيا. وهو مؤلّف "حركة حماس: مسيرة متردّدة نحو السلام" (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2010). ليهي بن شطريت أستاذة مساعدة في كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة جورجيا في أثينا.