في حين ارتكب مرسي أخطاء كثيرة دفعت المصريين الذين خاب ظنهم ويزدادون فقراً، إلى تحدّي شرعيّته، ربما كان الوضع الأمني الذي يتدهور بسرعة في سيناء الحافز الأساسي وراء إطاحته من السلطة. فرفضُه تطبيق إجراءات شديدة الحزم لوقف التدفّق المتزايد للأسلحة والمقاتلين إلى سيناء - وما أظهره من عدم اكتراث بالثأر لمقتل الجنود المصريين - ساهم في دفع الجيش المصري إلى الانضمام إلى صفوف معارضيه. وقد أخذت القوات المسلحة المصرية الأمور على عاتقها، بدعمٍ ضمنيٍّ من الجيشَين الإسرائيلي والأميركي القلِقَين من تدهور الوضع الأمني، من أجل حماية ما اعتبرته الأولوية القصوى في الأمن القومي المصري.

يُشكّل الحفاظ على الأمن في شبه جزيرة سيناء، ولاسيما عند الحدود الشرقية مع إسرائيل، جزءاً لايتجزأ من الالتزامات المصرية بموجب معاهدة السلام مع إسرائيل. ولذلك، اعتمدت قوات الأمن المصرية في عهد مبارك، مقاربة تقوم على عدم التساهل على الإطلاق مع كل مَن يُشتبَه في ضلوعه في الإرهاب، بما في ذلك السكّان البدو الأصليون المستضعَفون الذين تعرّضوا على مرّ تاريخهم إلى سوء المعاملة من الدولة. فمع أن التدابير الحكومية المشدّدة كانت تستهدف المقاتلين الذين يقدّمون الدعم للهجمات العنيفة التي تُشّنَ على إسرائيل انطلاقاً من غزة، غالباً ماتحمّل البدو المصريون الوطأة الأكبر للقبضة الحديدية التي فرضتها الدولة. كما أن إهمال النظام للمنطقة عبر حرمانها من المخصّصات الكافية من موارد الدولة لتمويل الخدمات الأساسية، جعل بعض القبائل البدوية تُضطرّ إلى العمل في وظيفة الحراسة في صناعة التهريب من أجل كسب معيشتها. ولذلك، اعتُبِر البدو مجرمين ومهرّبين، الأمر الذي أدّى إلى فرض عقاب جماعي عليهم عن طريق الاعتقالات الاعتباطية والحجز التعسّفي والمحاكمات العسكرية، بموجب قانون الطوارئ الذي استمرّ العمل به طيلة ثلاثة عقود.

بعد اندلاع ثورة 2011، تدفّقت الصواريخ المضادّة للطائرات والدبّابات من ليبيا إلى سيناء، أو استمرّ ذلك أثناء رئاسة مرسي. وقد دخل بعض هذه الصواريخ إلى غزة عن طريق الأنفاق الواقعة تحت الأرض، في حين ظلّ القسم الآخر في سيناء تحت سيطرة مجموعات متطرّفة اعتبرت أن نظام مرسي يتساهل كثيراً في تفسير الشريعة الإسلامية. وترافقت الأسلحة مع وصول المقاتلين من الخارج، مدفوعين بأهداف سياسية متنوّعة تتراوح من شنّ هجمات على إسرائيل وصولاً إلى مهاجمة القوات المسلحة المصرية، في إطار جهودهم الآيلة إلى إنشاء إمارة إسلامية في سيناء.

وقد سلّطت الطريقة التي تعاطى بها مرسي مع هذه التطوّرات، الضوء على التحوّل في سياسته الخارجية ومقاربته للأمن القومي، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة وحليفتها الإقليمية الأساسية، إسرائيل، تتخوّفان على مصالحهما الجيوسياسية في المنطقة. ومع توطُّد أواصر العلاقات بين نظام مرسي وحركة "حماس"، ازداد تهريب السلع والأسلحة من سيناء إلى غزة، الأمر الذي أثار قلق إسرائيل من الاتّجاه الذي يمكن أن تسلكه الأمور. فضلاً عن ذلك، تحدّثت التقارير عن وصول أشخاص يصفون أنفسهم بالجهاديين من الخارج، وإعادة تنظيم صفوفهم في سيناء، وامتلاكهم أسلحة عسكرية جرى تهريبها من ليبيا والسودان، الأمر الذي يؤشّر إلى البوادر الأولى لمشكلة طويلة الأمد يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة في إطار استراتيجيتها العالمية لمكافحة الإرهاب.

كما أن المقاربة الناعمة التي اعتمدها مرسي في التعامل مع خطف الجنود المصريين وقتلهم في سيناء، من خلال الوساطة مع زعماء القبائل بدلاً من اللجوء إلى الردّ العسكري، جعلته يبدو، في نظر جيشه، ساذجاً وغير مناسب لإدارة شؤون البلاد. ففي تناقض شديد مع الأسلوب الحازم الذي انتهجه مبارك، كلّف مرسي حكومته عقد اجتماعات مع قادة القبائل للاستماع إلى شكواهم وأفكارهم حول سبل إنهاء حمام الدماء في سيناء وعند معبر رفح. وقد لجأ ممثّلو الحكومة إلى خطة غير تقليدية شجّعوا من خلالها على إجراء مراجعة فكرية وفقهية لتفسيرات العقيدة الدينية التي وضعها متطرّفون أصدروا فتاوى تجيز قتل الأبرياء. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2012، رفض مرسي رفضاً قاطعاً طلب الفريق أول السيسي ضرب الإرهابيين في سيناء، ونُقِل عنه قوله "لا أريد أن يريق المسلمون دماء بعضهم بعضاً".

رأى الجيش في تساهل مرسي دليلاً على ولاءاته المتناقضة، بين تعاطفه مع المجموعات الإسلامية المتطرّفة - على الرغم من رفضه لجوءهم إلى العنف - وبين التزاماته الرئاسية التي تفرض عليه الحفاظ على الأمن في سيناء. وهكذا، ظهرت شكوك حول ما إذا كان لدى مرسي وأنصاره في جماعة "الإخوان المسلمين" مخطّطات أبعد في مايتعلّق بسيناء، ربما في سياق أيديولوجيا خارجية تسعى إلى إقامة تحالف إسلامي جامع في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، بدلاً من العمل على تحقيق مصالح الأمن القومي المصري، كما وردت في معاهدة السلام التي وُقِّعت في كامب ديفيد. وهكذا، أتاحت سياسات مرسي في سيناء للجيش فرصة تقديم دعمٍ واضحٍ وصريحٍ للمعارضة في جهودها الهادفة إلى إطاحته من الرئاسة.

ومع أن مرسي اعتمد في نهاية المطاف إجراءات أكثر تشدّداً في سيناء - بعدما بات واضحاً أن الوساطة فشلت في احتواء المجموعات الإسلامية المتطرّفة - إلا أن الأوان كان قد فات. فالقادة العسكريون كانوا قد بدأوا مباحثات خلف الكواليس مع معارضي مرسي، حتى في الوقت الذي أجاز فيه هذا الأخير إغراق الأنفاق التي تُستخدَم في التهريب بين سيناء وغزة، بالمياه، وتعزيز الإجراءات عند الحدود لاعتراض حركة الأسلحة والمهاجرين، وتوقيف كل مَن يشتبه في ضلوعه في عمليات الاتّجار غير المشروع. ربما لم يكن قد جرى بعد تحديد التوقيت والطريقة، لكن الجيش اتّخذ قراره بأن مرسي غير مناسب لحكم البلاد.

لقد حمل العامان المنصرمان دروساً كثيرة للمصريين الذين يخرجون ببطء من ضباب نظام دكتاتوري استمرّ عقوداً. فمن إعطاء الأولوية للاقتصاد وصولاً إلى تعلّم بناء إجماع بين مختلف الأفرقاء ضمن مساحة سياسية في طور التبلور، على قادة المستقبل أن يأخذوا أموراً كثيرة في الاعتبار عند تأمّلهم في مصير مرسي. لكن لعل الدرس الأهم للرؤساء المدنيين الذين سيحكمون البلاد في المرحلة المقبلة هو أن يضعوا سيناء على رأس أجندة الأمن القومي في مصر. هذا إذا تخلّى الجيش المصري عن السلطة لحكومة مدنية.

سحر عزيز أستاذة مساعدة في كلية المحاماة في جامعة "تكساس أيه أند إم" Texas A&M، حيث تدرّس مادة الأمن القومي وقانون الشرق الأوسط. وعزيز عضو في "الجمعية المصرية الأميركية لسيادة القانون"، وباحثة في "معهد السياسات الاجتماعية والتفاهم".