يتأثّر توازن القوى الداخلي في الأردن بالأعباء الاقتصادية والديمغرافية التي تتسبّب بها أزمة اللاجئين السوريين.

تشير التقديرات الأخيرة إلى أن أعداد اللاجئين السوريين في الأردن تفوق الخمسمئة ألف. لقد أصبح مخيّم الزعتري الذي يؤوي اللاجئين السوريين، رابع أكبر مدينة في الأردن لناحية عدد السكّان؛ ربما لايعيش اللاجئون في ظروف جيّدة، لكن كل واحد منهم يكلّف الحكومة الأردنية 2500 دينار (3750 دولاراً أميركياً) في السنة. تلقي تكلفة استضافة اللاجئين السوريين بعبء هائل على الاقتصاد، وتؤثّر في نظُمِ الرعاية التي  ضمنت في السابق ولاء القبائل للنظام الملكي الأردني. فإلى جانب الاستياء المتزايد في أوساط القبائل، أمّن وجود اللاجئين السوريين جرعة دعمٍ للإخوان المسلمين، المعارضة الأفضل تنظيماً في الأردن، الأمر الذي يزيد من حدّة التشنّجات التي تواجهها المملكة الهاشمية.

تطرح قدرة الأردن على استيعاب اللاجئين السوريين معضلة متزايدة. فقد تدهورَ الوضع المالي في البلاد منذ بداية الربيع العربي؛ أنفق الأردن أكثر من 800 مليون دولار أميركي على إيواء 500 ألف لاجئ منذ اندلاع الحرب السورية، وكلّفت الاضطرابات في العالم العربي، ولاسيما في سورية المجاورة، الأردن أربعة مليارات دولار. فضلاً عن ذلك، فإن المساعدات الخارجية التي استطاع الأردن الاعتماد عليها خلال تدفّق اللاجئين العراقيين في السابق، ليست كافية. فقد صرّح رئيس الوزراء الأردني، عبدالله النسور، في مقابلة معه مؤخراً أن "المساعدات الخارجية المقدَّمة للأردن غير كافية في وجه الأعداد الهائلة من اللاجئين السوريين الذين يقصدون المملكة بحثاً عن ملاذ آمن منذ بداية النزاع السوري في آذار/مارس 2011".

يقول المسؤولون في الحكومة الأردنية والأمم المتحدة إن موجة اللاجئين ألقت بعبء كبير جداً على إمدادات المياه والتيار الكهربائي التي تعاني أصلاً من كثافة الطلب، وكذلك على قطاعَي السكن والتعليم، الأمر الذي حتّم إجراء خفوضات في الدعم الحكومي. الواقع أن الحكومة رفعت أسعار المحروقات والتيار الكهربائي المستخدَم لأغراض تجارية، ومن المتوقّع أن ترتفع قريباً أسعار الخبز والمياه، الأمر الذي يُثير غضب الأردنيين المستائين أيضاً من تأثير اللاجئين على البطالة. فبحسب إحصاءات وزارة العمل الأردنية، يعمل نحو 160 ألف سوري بطريقة غير قانونية في الأردن. يقبلون بأن يتقاضوا أجوراً أقل من الأردنيين، وبأن يعملوا في ظروف أشدّ قساوةً في الأفران ومرائب تصليح السيارات والمقاهي، الأمر الذي يثير غضباً عارماً لدى الأردنيين الذين يعانون من انتشار البطالة التي تصل نسبتها إلى 12.6 في المئة. ويزيد هذا الوضع من حد الإنطباع بأنه "لامكان للأردنيين في الأردن" الذي يؤوي أيضاً 1.8 مليون لاجئ فلسطيني1 و450 ألف لاجئ عراقي. لكن خلافاً للفلسطينيين والعراقيين من قبلهم، فإن غالبية السوريين الذين يصلون إلى الأردن لايملكون المال الكافي، مايلقي على الفور بعبء على الخدمات الاجتماعية الأردنية.

تُبدي القبائل والبلدات البدوية غضباً متزايداً من تقصير الحكومة عن مساعدة المناطق التي تحمّلت الوزر الأكبر جراء تدفّق اللاجئين. وتحتجّ القبائل على خسارة امتيازاتها الاقتصادية التقليدية في بلد يعاني من عجز مالي كبير. وإذا استمرّت الضغوط على الاقتصاد بسبب اللاجئين السوريين، غالب الظن أنه ستظهر انقسامات واسعة بين النظام الملكي وبين مؤسّساته في المستقبل. فالقبائل تشكّل ركيزة الدعم الأساسية للنظام، ومن المرجّح أن تستمرّ امتيازاتها الاقتصادية التقليدية في الانحسار بهدف معالجة العجز المالي، الأمر الذي من شأنه أن يولّد زخماً متجدّداً للتظاهر في الشارع، أو مايُعرَف بـ"الحراك"، ويدفع بموظّفي القطاع العام وقدامى الجيش نحو الاحتجاج في حين أن النظام الملكي لايبذل جهوداً كافية لتلبية المطالب الشعبية حول فك الارتباط أو مكافحة الفساد أو إعادة الهيكلة الاقتصادية. فضلاً عن ذلك، وفيما قد يزداد اللاجئون السوريون يأساً وتسييساً، من الممكن أن تتحوّل المشاكل الاقتصادية إلى تشنّجات سياسية. ولهذا السبب، لجأت الحكومة الأردنية، بحسب بعض التقارير، إلى منع السوريين من أصل فلسطيني من دخول البلاد خوفاً من أن يؤدّي ذلك إلى الإخلال بالتوازن السياسي الهش في الأردن، لكن الحكومة نفت هذه المزاعم. لاتزال ذكريات المواجهات بين الحكومة الأردنية وبين الميليشيات المؤلّفة من اللاجئين الفلسطينيين في ماعُرِف بـ"أيلول الأسود" عام 1970، حيّةً في أذهان السلطات الأردنية التي تتوجّس من ظهور أي نشاط سياسي في أوساط اللاجئين السوريين.

فضلاً عن ذلك، ترى جماعة الإخوان المسلمين الأردنية وجناحها السياسي، جبهة العمل الإسلامي، في اللاجئين السوريين، قوّة دعم أساسية تستخدمها من أجل اكتساب ثقل سياسي أكبر في نظر الأوساط الداخلية الأردنية. فعدد كبير من اللاجئين السوريين الذين شاركوا في الاحتجاجات التي شهدها الأردن في الأشهر الماضية، كانوا ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين السورية. صحيح أن الزيادة في أعداد الإخوان المسلمين لاتُترجَم انتصارات انتخابية، إلا أنها تتيح لهم إظهار قوّتهم غير الرسمية خلال الاحتجاجات التي تُنظَّم كل يوم جمعة. وفي حين حافظت جبهة العمل الإسلامي على ولائها للنظام الملكي، وتستمر في العمل ضمن نطاق المنظومة السياسية القائمة، يُظهِر قادتها استعداداً متزايداً لتحدّي السلطة الملَكية في الأشهر الأخيرة. هذا فضلاً عن أن تدفّق الإخوان المسلمين السوريين إلى الأردن يطرح تحدّياً إضافياً على العاهل الأردني عبدالله الثاني الذي يأمل، من خلال دعوته الأسد إلى التنحّي، في قيام نظام علماني في سورية جديدة، كما أنه قلِقٌ من النفوذ المتنامي الذي يمكن أن يكتسبه الإخوان المسلمون في الأردن جرّاء النزاع الدائر في سورية.

في الوقت الذي يلقي اللاجئون السوريون بضغوط متزايدة على الاقتصاد الأردني، تترتّب تداعيات سلبية على نُظم الرعاية القديمة التي كانت تضمن في الماضي ولاء القبائل للنظام الملكي. وفيما يزيد اللاجئون السوريون دعمهم للإخوان المسلمين، يردّ النظام الملَكي الهاشمي بزيادة دعمه للجهود الغربية الهادفة إلى استبدال المجلس الوطني السوري الذي يسيطر عليه الإخوان، بمعارضة ذات مكوّنات متنوّعة تضم العلويين وسواهم من الأقليات. هذه العلمانية ضرورية من أجل الحدّ من تأثيرات الإخوان المسلمين الذين يتمتّعون بنفوذ أكبر في سورية، والحفاظ على التوازن العلماني الضروري جداً داخل المملكة الهاشمية. يواجه النظام الملكي الآن المهمّة الصعبة المتمثّلة في تعزيز الدعم له في أوساط الأردنيين، وفي الوقت نفسه حصر التداعيات المترتّبة عن التسييس الديني. 

نيكيتا مالك طالبة دكتوراه في جامعة كامبريدج تتخصّص في السياسة الشرق أوسطية. تجري بحوثاً ميدانية في عمان في الأردن.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

1. الأرقام الواردة في المقال صادرة عن وكالة الأونروا، وتعتمد على تعريف الأمم المتحدة للاجئين المسجّلين.