يسلّط العنف الذي شهدته مصر خلال الصيف المنصرم، الضوء على السؤال الآتي: هل إعفاء رئيس الجمهورية من مهامه عن طريق الإجراءات القانونية هو وسيلة أكثر فاعلية لعزل رئيس متّهم باستغلال سلطته بصورة فاضحة؟ على الرغم من أن عزل الرئيس من خلال صدور قرار اتهامي بحقّه قد يتسبّب بزعزعة الاستقرار تماماً بقدر الانقلاب، لأنه يمكن أن يؤدّي إلى تقويض الاستحقاقات الانتخابية والعملية السياسية - مع العلم بأنه من الضروري أن تتمتّع هذه العملية بالمشروعية في إطار الديمقراطية الوليدة في مصر - إلا أنه خيار أقل عنفاً عندما تصبح النزاعات السياسية عصيّة على الحل.

مما لاشك فيه أنه يجب أن يبقى عزل الرئيس عن طريق الإجراءات القانونية خيار الملاذ الأخير. لكن في دولةٍ على غرار مصر تشهد المخاض العسير للديمقراطية الناشئة، يمكن أن يشكّل اعتماد قانون فاعل لعزل الرئيس عبر الإجراءات القانونية، أداة مهمّة لتنحية رئيس يضع نفسه فوق القانون، أو يعمد إلى تغيير القانون للإبقاء إلى ما لانهاية على قبضته على السلطة. وإلا تصبح التدخلات العسكرية أو الثورات الشعبية المتكرّرة الخيارات الوحيدة المتاحة.

فيما تستمرّ لجنة صياغة الدستور في مصر للتصويت الأسبوع المقبل على مواد خصوصة من مشروع الدستور للعام 2013، يجب إعطاء أولوية لتعديل المادّة المتعلقة بعزل الرئيس عن طريق الإجراءات القانونية. وتفادياً لتكرار ماحدث في 3 تموز/يوليو الماضي، بإمكان مصر النظر في إصلاح القنوات المؤسّسية التي يمكن استخدامها في عزل الرئيس من منصبه. فمن شأن إقرار قانون فاعل لعزل الرئيس عن طريق الإجراءات القانونية، أن يؤمّن بديلاً عن الاحتجاجات المتكرّرة، ويحافظ على الاستقرار السياسي الضروري من أجل تحقيق الازدهار الاقتصادي وتفعيل الديمقراطية.

بموجب المادّة 85 من دستور العام 1971، يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أم بارتكاب جريمة جنائية بناءً على اقتراح مقدّم من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، ويجب أن يحظى بموافقة ثلثَي أعضاء المجلس قبل الشروع في الإجراءات القانونية. كان الرئيس السابق حسني مبارك يسيطر على الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، ولذلك كان عزله عبر توجيه تهم جنائية إليه أمراً مستحيلاً. وبما أنه لم يكن ممكناً إطاحته من خلال إجراءات العزل السلمية والقانونية، اندلعت ثورة 25 كانون الثاني/يناير.

وفي دستور العام 2012، لم تُدخَل تعديلات مهمّة إلى المادّة المتعلقة بعزل الرئيس عن طريق الإجراءات القانونية. فقد استخدمت المادّة 152 كلمة "جناية" بدلاً من "جريمة جنائية"، كما وردت في مادة 85 دستور العام 1971، وأبقت على الخيانة العظمى أساساً لإعفاء الرئيس من مهامه. وكذلك ألغت المادة 152 اشتراط موافقة ثلثَي أعضاء مجلس الشعب على اقتراح العزل المقدَّم من ثلث أعضاء المجلس، الأمر الذي يُعجِّل في تحويل ملف العزل مباشرةً إلى محكمة خاصة للنظر فيه. إلا أن المادة 152 أبقت على الشرط الذي ينصّ على وجوب تصويت مجلس الشعب بغالبية الثلثَين للموافقة على القرار الاتهامي الصادر عن المحكمة الخاصة.

وكما في عهد مبارك، كان من الصعب إطاحة مرسي من خلال اعتماد إجراءات قانونية لعزله. والمشكلة هنا ليست في عدم وجود برلمان مستقل، بل في عدم وجود برلمان من الأصل. فقبل أسابيع من تسلّم مرسي منصبه، عمدت المحكمة الدستورية العليا إلى حل مجلس الشعب معلّلةً ذلك بخلل في قانون الانتخابات النيابية الذي اعتبرت أنه منح، بصورة مخالفة للدستور، أفضلية غير عادلة للأحزاب السياسية في مواجهة المرشّحين المستقلين. لكن حتى لو كان مجلس النواب لايزال قائماً، كان حزب الحرية والعدالة الذي ينتمي إليه مرسي ليسيطر، إلى جانب الأحزاب السلفية، على أكثر من 70 في المئة من المقاعد. إذن، حتى لو لم يصدر قرار المحكمة الدستورية العليا، لم يكن من الممكن عملياً المباشرة بإجراءات قانونية لعزل مرسي خلال ولايته الأولى على خلفية الاشتباه بدوره في مقتل متظاهرين خارج القصر الرئاسي في ديسمبر/كانون الأول 2013، والإعلان الدستوري الذي أصدره وقضى بجعل المراسيم الرئاسية غير خاضعة إلى المراجعة القضائية.

إزاء غياب السلطة التشريعية، والعوائق التي تعترض اعتماد آلية لعزل الرئيس عن طريق الإجراءات القانونية، لم يبقَ أمام المصريين الراغبين في إطاحة مرسي من خيار سوى النزول إلى الشارع في 30 حزيران/يونيو الماضي للمطالبة بانتخابات رئاسية جديدة أو مناشدة الجيش خلع الرئيس من منصبه. صحيح أنه لايمكن العودة إلى الوراء وتغيير مسار الأحداث التي شهدتها مصر في العامين الماضيين، إلا أنه لايزال بإمكان المصريين أن يستمدّوا العبرة من الدروس السابقة في بناء الديمقراطية من أجل إقرار قانون لعزل رئيس الجمهورية، يؤمّن بديلاً سلمياً ومجدياً لتنحية الرئيس عندما يتجاوز حدود سلطته.

بيد أن أحكام المادة 134، كما وردت في مشروع دستور العام 2013، تجعل احتمال التغيير السياسي عن طريق الاحتجاجات أكثر ترجيحاً من العزل في حال وجدت مصر نفسها في وضع مشابه في المستقبل. إلا أنه من شأن أربعة تدابير إصلاحية أن تساعد مصر على إقرار قانون أكثر فاعلية لعزل الرئيس بواسطة الإجراءات القانونية.

أولاً، وبموجب المادة 134 من مشروع الدستور الجديد، لايزال النائب العام، الذي يعيّنه رئيس الجمهورية، مكلّفاً الإشراف على الإجراءات القانونية لعزل الرئيس. هذا المنصب واسع النفوذ - وغالباً مايخدم الأولويات السياسية للسلطة التنفيذية - إلى درجة أن النائب العام في عهد مبارك، عبد المجيد محمود، كان في رأس قائمة الشخصيات السياسية التي تثير نفور المعارضة. وقد عمد مرسي إلى إقالة محمود بطريقة مخالفة للقوانين، وعيّن حليفه طلعت عبدالله في المنصب، في خطوة استهجنتها السلطة القضائية والمعارضة السياسية. يتسبّب تكليف النائب العام ترؤس جهة الادّعاء في الإجراءات القانونية الهادفة إلى عزل الرئيس، بتضارب شديد في المصالح. بدلاً من ذلك، بإمكان مجلس النواب تعيين قاضٍ خاص لتولّي الادّعاء، على أن يتم اختياره على أساس استقلاليته السياسية وكفاءته المهنية.

ثانياً، تضيف المادة 134 "مخالفة أحكام الدستور" أساساً جديداً لعزل الرئيس من منصبه، إلى جانب الخيانة العظمى وأي جناية أخرى كما ورد في دستور العام 2012. وفي حين تستخدم بلدان أخرى عبارات مبهمة لتعريف الجنايات التي تُعرّض الرئيس إلى العزل، أمام مصر فرصة فريدة من نوعها لاعتماد الوضوح في منظومة سياسية عُرِفت تاريخياً بتعمّد الغموض في القانون واستغلاله من أجل تعطيل الديمقراطية. يمكن توضيح المعايير الموضوعية التي تُحدّد الخيانة العظمى والجنايات التي تستوجب العزل، من أجل تفادي أزمة سياسية أخرى تتسبّب بشلّ البلاد.

ثالثاً، وهذه النقطة هي الأكثر اتصالاً بالأزمة السياسية التي تشهدها مصر، ينص مشروع الدستور الحالي على وجوب أن يكون هناك مجلس للنواب كي يكون خيار عزل الرئيس بموجب إجراءات قانونية ممكناً. فقد ولّد غياب البرلمان المصري طيلة حكم مرسي وضعاً غير مسبوق لابد من معالجته في الدستور الجديد. واقع الحال هو أن غياب البرلمان قد يتحوّل إلى أمر مألوف ومتكرّر نظراً إلى الاضطرابات الشديدة التي تشهدها المرحلة الانتقالية في مصر منذ عامَين ونصف العام. ولذلك يمكن أن تتضمّن المادة المتعلقة بعزل الرئيس بنداً ينص على إمكانية اتهام الرئيس بارتكاب الخيانة العظمى أم جناية بناء على اقتراح مقدّم من الأكثرية عن طريق استفتاء شعبي في حال كانت البلاد من دون برلمان لمدّة محدّدة من الوقت. وكذلك يمكن اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي - بدلاً من تصويت مجلس النواب بغالبية الثلثَين - للموافقة على قرار الاتهام الصادر عن المحكمة الخاصة.

أخيراً، يجب أن يكون القضاة الذين يشرفون على محاكمة الرئيس مستقلّين وبمنأى عن التأثير السياسي غير المناسب. بيد أن السلطة الممنوحة للرئيس، والتي تخوّله تعيين كبار القضاة في المحكمة الدستورية العليا، ومحكمة النقض، ومجلس الدولة، تؤدّي إلى تقويض هذه الاستقلالية. يُجيز القانون رقم 48 لسنة 1979لرئيس الجمهورية تعيين رئيس المحكمة بناءً على توصية من المجلس الأعلى للهيئات القضائية1. كما يمنح قانون السلطة القضائية رئيس الجمهورية صلاحية تعيين رئيس محكمة النقض بالاستناد إلى المرتبة والأقدمية. ويُجيز القانون الرقم 47 الصادر في العام 1972، للرئيس تعيين رئيس مجلس الدولة بناءً على توصيات كبار القضاة في المجلس.

من شأن هذه الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية لتعيين القضاة أن تؤدّي إلى تقويض استقلالية القضاء، كما كتب البعض،2 فالقضاة الذين ينظرون في الملفات قد يواجهون تضارباً في المصالح عند البتّ في قضية حيث يكون الشخص نفسه الذي عيّنهم في منصبهم متّهماً بجناية خطيرة يمكن أن تقود إلى إعفائه من مهامه. يكمن أحد الحلول في تعديل المادّة المتعلقة بعزل الرئيس بما يتيح لمجلس النواب أو السلطة القضائية اختيار قضاة من غير أولئك الذين يشغلون مناصبهم بتعيين مباشر من الرئيس أو من أشخاص عُيِّنوا هم أيضاً في مناصبهم بقرار رئاسي، وتكليف هؤلاء القضاة النظر في ملف العزل في المحكمة الخاصة. ويتمثّل أحد الحلول الأخرى، ولو كان أكثر جذرية، في تعديل القوانين لمنع الرئيس من تعيين كبار القضاة، وإطلاق آلية بديلة لاتعرّض استقلالية القضاء إلى الخطر. يُحقّق هذا التغيير فائدة إضافية عبر حماية القضاء، على المستوى البنيوي، من تدخلّ السلطة التنفيذية الذي يتم عن طريق التعيينات المسيَّسة لكبار القضاة الذين يتّخذون بدورهم إجراءات تأديبية بحق القضاة الأصغر رتبة الذين يمكن أن تُهدّد أحكامهم صلاحيات السلطة التنفيذية.

يقودنا ماتقدّم إلى طرح السؤال الآتي: هل عزل الرئيس عن طريق الإجراءات القانونية يتسبّب بزعزعة الاستقرار بقدر الانقلاب ولو كان أقل عنفاً؟ ليس بناء ديمقراطيةٍ بعد عقود من السلطوية بالأمر السهل، والخلافات السياسية محتومة. بيد أن القدرة على تسوية الخلافات من خلال الآليات القانونية السلمية والفاعلة بدلاً من العنف أو التدخّل العسكري يمكن أن تُحدّد فشل المشروع الديمقراطي في مصر أو نجاحه.

سحر عزيز أستاذة مساعدة في كلية المحاماة في جامعة "تكساس أيه أند إم" Texas A&M، حيث تدرّس مادة الأمن القومي وقانون الشرق الأوسط. وعزيز عضو في "الجمعية المصرية الأميركية لسيادة القانون"، وباحثة في "معهد السياسات الاجتماعية والتفاهم".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

 

1. تنص المادة الخامسة في القانون رقم 48 لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا: مع مراعاة حكم الفقرتين الثالثة والرابعة من المادة 5 من القانون المرافق يصدر أول تشكيل للمحكمة الدستورية العليا بقرار من رئيس الجمهورية ويتضمن تعيين رئيس المحكمة وأعضائها ممن تتوافر فيهم الشروط المنصوص عليها في القانون المرافق بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للهيئات القضائية بالنسبة للأعضاء. ويؤدي أعضاء المحكمة اليمين المنصوص عليها في المادة 6 من القانون المرافق أمام رئيس الجمهورية.

2. Mahmud al-Khudayri, “The Law on Judicial Authority and Judicial Independence,” in Judges and Political Reform in Egypt (ed. Nathalie Bernard-Maugiron, Cario: American University in Cairo Press, 2008).