يبدو أن القوات المسلحة المصرية تقود إعادة إحياء للوطنية المصرية منذ عزْل محمد مرسي من الرئاسة. فالحكومة المؤقّتة تضع الدولة المدنية، التي تمنح حقوقاً متساوية لجميع مواطنيها وتحترم المؤسسات الأمنية المصرية والأمن القومي، في صلب أولوياتها. وكما هو معهود في مثل هذه الحالات والمشاعر، فإن الوطنية الصاعدة من جديد ترتبط حكماً بالمواجهة مع "الآخر". وانطلاقاً من التطوّرات السياسية الأخيرة، من الواضح أن هذا "الآخر" هو في نظر الحكومة الحالية وسواها من المؤسسات المؤيّدة للجيش، جماعة الإخوان المسلمين.

وتستند هذه النظرة أيضاً إلى الروابط التي يُشتبَه بأنها تجمع مرسي بالمعارضة السورية وكذلك بحركة حماس الفلسطينية. فتضخيم تلك الروابط - ومايُحكى عن دعم يقدّمه المواطنون السوريون والفلسطينيون المقيمون في مصر إلى الإخوان المسلمين - لم يؤدِّ فقط إلى تجريد الإخوان المسلمين وأنصارهم من وطنيتهم، إنما ولّد أيضاً مشاعر قوية مناهضة اللاجئين للسوريين والفلسطينيين في مصر. وتسبّب ذلك بتغيير في السياسة المعتمدة في التعاطي مع اللاجئين السوريين. لقد تحوّل اللاجئون السوريون والفلسطينيون بيدقاً في المعركة التي تخوضها الحكومة ضد الإخوان المسلمين.

في حين أنه لم يكن السوريون الآتون إلى مصر يخضعون إلى القيود المفروضة على تأشيرات السفر، وكانوا يتمتّعون بامتيازات، مثل الحق في التسجّل في المدارس الرسمية والإفادة من المنظومة الصحية، بات عليهم الآن التقدّم بطلب للحصول على تأشيرة سفر قبل التوجّه إلى مصر. بيد أن الفلسطينيين الهاربين من الحرب السورية1، لم يحصلوا قط على إمكانية التسجّل بصفة لاجئين؛ ويواجهون ثغرة في حمايتهم في مصر، بسبب إقصائهم من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين للعام 1951، وغياب أي تفويض لوكالة الأونروا في مصر، ولذلك يعانون من وطأة العشوائية في سياسات الدولة المصرية. ففي غضون الأشهر الأربعة الماضية، أوقِف مئات الفلسطينيين الهاربين من النزاع في سوريا في مطار القاهرة ومُنِعوا من دخول البلاد، في حين يواجه فلسطينيون آخرون مقيمون في مصر، التهديد بالترحيل والاعتقال في ظروف سيئة.

ينطلق هذا الاستهداف للاجئين السوريين والفلسطينيين من دافع سياسي قوي لدى السلطات المصرية، وليد المناخ السياسي شديد الاستقطاب بين الجيش والإخوان المسلمين. ففي أيلول/سبتمبر 2012، أصدر مرسي مرسوماً رئاسياً عمد فيه إلى توسيع نطاق الحماية والخدمات العامة الممنوحة للاجئين السوريين، فمنحهم بذلك مكانة متميِّزة ضمن منظومة اللجوء السياسي المصرية. وعلى النقيض من اللاجئين الآخرين في مصر، أعطى المرسوم اللاجئين السوريين الحق في الالتحاق بالمؤسسات التعليمية الرسمية وفي الإفادة من منظومة الرعاية الصحية. وفي 15 حزيران/يونيو الماضي، عمد مرسي إلى تعليق كل العلاقات الدبلوماسية مع الدولة السورية برئاسة بشار الأسد، متموضِعاً بذلك إلى جانب المجموعات السورية المعارِضة، على غرار فرع الإخوان المسلمين في سوريا. ولاحقاً استُخدِمت روابط الإخوان المسلمون مع أجزاء من المعارضة السورية، وكذلك الروابط المزعومة مع "حماس"، بهدف فصل الإخوان عن الشعب المصري.

أما القيود الجديدة التي فُرِضَت على هجرة السوريين، والتي صدرت في 8 تموز/يوليو الماضي، فقد جاءت بعد أيام قليلة من عزل مرسي واعتقال مواطن سوري في التظاهرات التي عُرِفت بـ"تجمّع مدينة نصر ضد الانقلاب". وأعقبتها حملة ضد اللاجئين ساهمت وسائل الإعلام المحلية في تأجيجها. ففي 10 تموز/يوليو الماضي، اتّهمت قنوات إعلامية محلية السوريين بدعم مرسي والانضمام إلى التظاهرات المسمّاة "ضد الانقلاب". حتى أن توفيق عكاشة، المذيع في إحدى وسائل الإعلام المحلية، دعا المصريين إلى تدمير منازل السوريين ومتاجرهم إذا لم يتوقّفوا عن دعم مرسي والإخوان المسلمين في غضون 48 ساعة.

منذ تسلَّم الإخوان المسلمون السلطة في مصر، سرت أيضاً شائعات بأن حركة "حماس" أدّت دوراً أساسياً في هروب مرسي وسواه من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من السجن في العام 2011. فقبيل عزل مرسي، أحالت محكمة في الإسماعيلية قضية تتعلّق بالتحقيق في ملابسات الهروب من السجن إلى المدّعين العامين، واتّهمت مرسي بالتواطؤ مع المقاتلين الفلسطينيين لمهاجمة الشرطة المصرية وتخطيط الهروب من السجن. يعوّل الخطاب الإعلامي الوطني بقوّة على تلك المزاعم، واصفاً مرسي بأنه شخصية تابعة لحركة حماس وليس "رئيساً لكل المصريين".

وتعتمد الحكومة المؤقّتة، من جهتها، بشدّة على المجتمع العسكريتاري والاعتزاز والولاء الوطنيَّين لدى المصريين. ففي الأشهر الأربعة الماضية، دأبت الحكومة وسواها من المؤسسات الموالية للعسكر على إظهار السوريين والفلسطينيين بأنهم ضالعون في شكل أساسي في ما آلت إليه الأوضاع السياسية في البلاد، من خلال دعمهم لمرسي والإخوان المسلمين. وهكذا فإن المقاربة التي تعتمد على تصوير مرسي بأنه دمية في يد حركة حماس، وليس بالتالي رئيساً لكل المصريين كما يدّعي، وذلك بهدف إظهار الإخوان المسلمين وأنصارهم بأنهم مجرّدون من الشعور القومي، تأتي على حساب حاجة اللاجئين السوريين والفلسطينيين إلى الحماية.

ويزيد تسييس حالة اللاجئين السوريين والفلسطينيين في مصر، من حدّة الاستقطاب السياسي في البلاد. ففيما يُصوَّر الإخوان المسلمون بأنهم كيان "غير مصري" يُحرّكه الخارج، يُتَّهم اللاجئون السوريون والفلسطينيون، بدورهم، بأنهم يشكّلون تهديداً للأمن القومي. وهكذا يؤدّي هذا الخطاب الأمني القومي الذي يُستخدَم ضد الإخوان المسلمين وأنصارهم، إلى تعميق الانقسامات في مصر. 

ياسمين فريتزشه باحثة مستقلة مقيمة في القاهرة تركّز على مسائل اللاجئين.

تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

1. يحافظ المتحدّرون من اللاجئين الفلسطينيين الذكور المسجّلين لدى وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، على وضعهم كلاجئين، من أجل الاحتفاظ بحق العودة إلى وطنهم. يعني ذلك أن اللاجئين الفلسطينيين الذين يهربون من نزاع يدور في أحد البلدان التي لجأوا إليها، مثل الحرب الأهلية في سوريا، يُعتبَرون دائماً لاجئين فلسطينيين وليس لاجئين من منطقة النزاع (أي لاجئين سوريين).