اشتدّت وتيرة العنف في محافظة صعدة في شمال اليمن خلال الشهر المنصرم، ولاسيما في بلدة دماج. يجسّد النزاع في الأصل التنافس بين القبيلتين المتناحرتين الأساسيتين، حاشد وبكيل، إلا أنهما تستعملانه أيضاً من أجل الاستحواذ على النفوذ في العاصمة صنعاء. وفي هذا الإطار، يسعى الطرفان (المشار إليهما بـ"جناحَي" الدولة في اليمن)، اللذان يرتدي ولاؤهما ودعمهما أهمية كبرى في حكم اليمن، إلى اكتساب مزيد من التأثير في السياسة الوطنية خارج قاعدة نفوذهما الحالية في الأجزاء العليا في شمال البلاد.

بعد خوض ستة حروب مع الحكومة في صنعاء بين عامَي 2004 و2010، سيطر عبد الملك الحوثي، زعيم قبيلة بكيل الشيعية، على كامل محافظة صعدة تقريباً، فضلاً عن عدد كبير من المناطق المجاورة التابعة تقليدياً لقبيلة حاشد التي تتألف من السنّة في جزء منها ويقودها الشيخ صادق الأحمر (الذي زعم والده الراحل أنه شيخ مشايخ قبيلة حاشد). لكن على الرغم من تنامي سيطرة الحوثيين في المنطقة، لايزال هناك، حتى في قلب محافظة صعدة ذات الغالبية الشيعية، حضور بارز للسلفيين المتحالفين مع قبيلة حاشد حاليا. يكاد الوجود السلفي في صعدة يقتصر على جبل البراقة وبلدة دماج، خاصة مدرسة دماج التي تضم آلاف الطلاب من اليمن والخارج. لايزال السلفيون أقلية في صعدة، ويكتسب السلفيون المسالمون الذين انجرفوا في النزاع، تعاطفاً متزايداً من المواطنين اليمنيين في مختلف أنحاء البلاد، وحتى في الخارج، إذ يرون فيهم ضحايا مهضومي الحقوق في النزاع. على الرغم من أن مدرسة دماج والقرى المحيطة بها لاتغطّي سوى مساحة كيلومترين مربعين تقريباً داخل محافظة صعدة الشاسعة والجبلية، إلا أنها تحظى بقدر كبير من الدعم والتعاطف من معارضي الحوثي، ومنهم عائلة الأحمر، وحزب الإصلاح الإسلامي السنّي، وحزب اتحاد الرشاد السلفي الذي أنشئ حديثاً - وتشكّل بالتالي تهديداً للقبيلة الحوثية المسيطِرة. ويستغلّ حزب الإصلاح، لاسيما قائد جناحه السلفي الشيخ عبد المجيد الزنداني،  ما يلحق بالسلفيين في صعدة بهدف تعزيز الدعم الشعبي للحزب الذي يُعتبَر المجموعة المعارِضة الأكبر في اليمن؛ الأمر الذي من شأنه أن يترافق مع دعم أهداف الحزب في مؤتمر الحوار الوطني حول مختلف المسائل، وليس فقط داخل فريق عمل قضية صعدة. وكذلك يشنّ حزب اتحاد الرشاد، على الرغم من ضآلة حجم الدعم له في صفوف السلفيين في دماج، حملات إعلامية منتظمة في صنعاء، في مسعى لاستخدام العنف في دماج بهدف إثبات عدم فاعلية الحوار الوطني في ضمان سلامة العملية الانتقالية. نظراً إلى هذا الدعم الذي تحظى به دماج من قبيلة حاشد والسلفيين، يشعر الحوثيون أن تأثيرهم في الشمال مهدّد، وكذلك قدرتهم على التأثير في السياسة على المستوى الوطني. 

ربما يصب النزاع المتواصل في دماج في مصلحة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، إذ إنه من شأنه أن يمنحه حضوراً وتأثيراً على صعيد البلاد إذا نجح في التوسّط من أجل التوصل إلى اتفاق سلام بين القبيلتين. يدرك الرئيس هادي أن الشيء الوحيد الذي يبقيه حالياً في السلطة هو الدعم الدولي؛ ومن شأن نزاع استنزافي في صعدة أن يمنحه فرصة الظهور في موقع الحكَم بين الأفرقاء الضالعين في الحرب المذهبية-القبلية في دماج (خصومه لاسيما الحوثيين، وآل الأحمر، والجنرال علي محسن، وأعضاء حزب الإصلاح وسواهم)، مايُتيح له الإفادة من مواقعهم الضعيفة لممارسة تأثيره في السياسة الوطنية والإقليمية. إذا نجح هادي في دفع هذه المجموعات نحو التوصّل إلى تسوية في مابينها، قد يحالفه الحظ ويتمكّن من الحفاظ على حضور على الساحة السياسية بعد انتهاء رئاسته المؤقتة. بيد أن هذه الاستراتيجية تستند إلى كون النزاع في صعدة معقّداً بحيث يتعذّر على الأفرقاء القبليين إيجاد حل له. ولايستعجل هادي، بدفع من مصالحه الشخصية، تسوية التشنّجات قريباً، الأمر الذي قد يُهدّد الحوار الوطني والعملية الانتقالية عبر السماح للنزاع المحلي بتعميق الانقسامات على الساحة الوطنية.

من شأن الأطراف الأخرى، لاسيما معارضي الثورة اليمنية، أن تحقّق أيضاً مكاسب من استمرار النزاع في الشمال، وعلى رأسها حزب الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، المؤتمر الشعبي العام. فهم يحجمون علناً عن الانحياز إلى هذا الفريق أو ذاك في حرب دماج، ويعتبرون أن النزاع يسلّط الضوء على التناقضات والعداوات بين الأفرقاء المتناحرين - الحوثي والإصلاح والأحمر والجنرال محسن- الذين كانوا القوى الأساسية خلف ثورة 2011 ضد صالح. والآن يعمل حلفاء صالح على تشويه سمعة الثورة عبر الإشارة إلى الوضع الأمني المتدهور، واستمرار العنف والتحزّب في اليمن. وقد بدأ المؤتمر الشعبي العام شبه العلماني يحصد نتائج مؤاتية من موقفه هذا، إذ يكتسب دعماً في أوساط عدد كبير من اليمنيين المقتنعين بأن الأفرقاء المتناحرين في دماج يستخدمون الدين والمذهبية لتحقيق مآرب سياسية.

على الرغم من أن حرب دماج هي نزاع مذهبي داخلي وليست نزاعاً إقليمياً، كما تُصوَّر أحياناً، إلا أنه من شأن الأطراف الخارجية - السعودية وإيران تحديداً - أن تجني مكاسب من النزاع السنّي-الشيعي الدائر في صعدة. تريد إيران مساعدة الشيعة الحوثيين على التوسّع، لاسيما في محاولة لبناء حضور سياسي-عسكري صديق عند الحدود مع السعودية. أما السعودية فتدفع من جهتها في الاتجاه المعاكس عبر السعي إلى تمكين الوهّابيين السلفيين في مختلف أنحاء اليمن بهدف تعزيز نفوذها في السياسة اليمنية. وقد انضمّ تنظيم القاعدة إلى النزاع أيضاً كفريق في الحرب ضد الحوثيين، إلا أن السلفيين المحليين نفوا تورّط القاعدة، ربما لقطع الطريق أمام الحوثي كي لايتمكّن من التذرّع بأنه يُقاتل تنظيماً إرهابياً.

يُشير اغتيال عبد الكريم جدبان، النائب في البرلمان اليمني وعضو فريق عمل قضية صعدة في الحوار الوطني، داخل العاصمة صنعاء في 22 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، ومحاولة اغتيال محمد العماد، رئيس تحرير صحيفة "الهوية" الموالية للحوثيين قبل يوم من اغتيال جدبان، إلى أن الحرب في دماج تنتقل إلى صنعاء. فقد أُنشِئت حواجز تفتيش تابعة للحوثيين في مناطق على غرار حي الجراف شمال صنعاء، وحفر أتباع الحوثي في ساحة التغيير في العاصمة اليمنية، خنادق وأقاموا متاريس على مقربة من المكان الذي يعتصمون فيه داخل خيمهم منذ عام 2011. وقد تدهور الوضع الأمني في صنعاء بعد اغتيال جدبان، ومطالبة علي البخيتي، الناطق الإعلامي باسم الحوثيين، الرئيس هادي بإقالة وزير الداخلية ورؤساء الأجهزة الاستخباراتية الذين اتّهمهم بالتخطيط للاغتيال. وقد شدّد نجيب غلاّب، أستاذ مادّة السياسة في جامعة صنعاء "خلافاً للحروب الستة السابقة مع الحكومة، لن ينجح الحوثي لأنه يحارب أقلّية". وأضاف "هذه المرة سيتم التعاطف مع الأقلية السلفية في دماج، وإذا استمرّت الحرب، سيكون الحوثي الخاسر الأكبر".

يتسبّب الأفرقاء الوطنيون والإقليميون الساعون إلى استغلال النزاع لتحقيق مآربهم الخاصة وتعزيز نفوذهم، بتقويض مؤتمر الحوار الوطني ومسار الانتقال السياسي. هذا فضلاً عن أن العملية الانتقالية ترزح أصلاً تحت وطأة العديد من المسائل الشديدة التعقيد، مايُبدّد الآمال المتبقّية بنجاح مؤتمر الحوار الوطني في اليمن.

ناصر الربيعي صحافي يمني مقيم في صنعاء.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.