فيما يستعد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لخوض الانتخابات النيابية المقبلة للمرة الثالثة، تلوح في الأفق تحدّيات شاقّة. فقد أصبح المالكي، أكثر من أي وقت مضى، شخصية مثيرة للانقسام في السياسة العراقية - خصومه كثرٌ ومتعدّدون، لكنه يواجه المعارضة الأقوى، سياسياً ودينياً، من الطائفة الشيعية التي ينتمي إليها.

تُظهر بعض المؤشرات أن الزعيم الروحي للشيعة في العراق، آية الله علي السيستاني، لايؤيّد بقاء نوري المالكي في رئاسة الوزراء لولاية ثالثة، لكن الأخير يراهن على أن السيستاني سينأى بنفسه عن التدخّل. فعلى الرغم من أن المالكي يبدو مدركاً لعدم موافقة السيستاني على أدائه، إلا أنه يستغلّ امتناع السيستاني عن التدخّل في السياسة (حتى أن السيستاني لا يجتمع بالسياسيين) لنفي مايُحكى عن خسارته للدعم من المؤسسة الدينية. ينتمي السيستاني إلى الفكر الشيعي التقليدي الذي يعتبر أن دور المرجع في السياسة يقتصر على تقديم المشورة من دون الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، إلا إذا تعرّضت هوية المجتمع الإسلامية إلى التهديد، وهذا ما دفعه للتدخّل في إقرار دستور 2005. بيد أن ممثّلي السيستاني أعربوا عن استيائهم من المالكي (من دون تسميته صراحةً) ومن أدائه، ولاسيما في مسائل الأمن القومي والوحدة الوطنية (بما في ذلك تصدّيه للاحتجاجات السنّية وسوء إدارته للأمن، ناهيك عن الفساد). تُمرَّر هذه الانتقادات في عظة الجمعة، بأسلوب يتماشى مع نهج السيستاني.

اضطلعت إيران بدور حاسم في مساعدة المالكي على الفوز بولاية ثانية في العام 2010 عندما احتاج إلى أصوات الصدريين. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلن مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، أن إيران أرغمته على التصويت للمالكي. يعتبر المراقبون أن المالكي تسبّب خلال ولايته الثانية بإذكاء المذهبية من جديد، وإضعاف الوحدة الوطنية، وإقصاء المؤسسات المستقلة من السلطة. في هذا السياق، المؤسسة الدينية الشيعية في العراق، ولاسيما الحوزة العلمية في النجف، ومرجعها الأعلى آية الله السيستاني، هي الجهة العراقية الوحيدة القادرة على كبح الهيمنة الإيرانية. فضلاً عن ذلك، تستطيع هذه المؤسسة إثارة الشكوك لدى شيعة العراق حول شرعية طهران الدينية. بيد أن نأي المؤسسة الدينية الشيعية بنفسها عن التدخّل يحول دون تمكّنها من التصدّي للنفوذ الإيراني، ولذلك سيبقى دور السيستاني في الحد من التأثير الإيراني في العراق هامشياً على المدى القصير.

لكن في الوقت الراهن، غالب الظن أن طهران ستنتظر نتائج الانتخابات في العام 2014 لتقرّر من هي الجهة التي ستدعمها. ونظراً إلى أن الاقتصاد الإيراني يعاني من أزمة، بفعل العقوبات، لن تخصّص طهران موارد لدعم أفراد محدّدين، حتى لو كانوا حلفاء، خلال حملاتهم الانتخابية. التهديد الانتخابي الأكبر الذي يواجهه المالكي هو من داخل قاعدته الانتخابية المذهبية الطابع، ولاسيما من الصدريين والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي. فنتائج الانتخابات النيابية والمحلية الأخيرة، التي فشل فيها "ائتلاف دولة القانون" (أي كتلة المالكي) في الحصول على غالبية المقاعد، تشير إلى أنه يحتاج إلى دعم إضافي من أفرقاء آخرين، وربما أيضاً من خصومه، للتمكّن من الفوز من جديد في الانتخابات. تحافظ إيران على علاقات جيّدة مع كل الأفرقاء الشيعة الأساسيين تقريباً (الدعوة، والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، والصدريين). وإذ ترغب في زيادة مكاسبها إلى أقصى حد، غالب الظن أنها ستنتظر لترى إذا كان سيظهر تحالف مناوئ للمالكي ويكتسب زخماً. إذا شكّل هذا التحالف تهديداً كافياً، من المرجّح أن تستخدمه إيران للحصول على مزيد من التنازلات من المالكي مقابل الوعد بالدفع نحو إعادته إلى السلطة.

تتوقّف حظوظ المالكي بالفوز بولاية ثالثة، إلى حد كبير، على الأداء الانتخابي لخصمَيه الشيعيين، التيار الصدري والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وقدرتهما على تشكيل تحالف مناهض للمالكي. إلا أنهما يفتقدان إلى النفوذ السياسي اللازم لتسويق مرشّحهما لرئاسة الوزراء، لكن من شأن قيام تحالف بينهما أن يُرغم ربما كتلة المالكي على تسمية شخصية بديلة من داخل حزب الدعوة. يبدو أنها النتيجة نفسها التي يتمنّاها السيستاني؛ فالتابعون له يحضّون أتباعهم في عظاتهم على عدم التصويت "للمسؤولين الفاسدين الحاليين"، في إشارة إلى المالكي. بإمكان الصدريين والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي أن يستخدموا مايُحكى عن استياء السيستاني من المالكي من أجل ضمان خسارة هذا الأخير للدعم. إذا نجحوا في تحقيق ذلك، فقد يعمد حزب الدعوة من جديد إلى استبدال مرشّحه في اللحظة الأخيرة، وتوديع المالكي نهائياً.

فاضل الكفائي باحث عراقي ومؤلّف "دور حوزة النجف وآية الله علي السيستاني في إعادة هيكلة منظومة الحكم في العراق بعد البعثيين".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.