كان هناك أمل كبير في مطلع العام 2012 بأن تتيح إيرادات النفط والغاز، التي انتعشت بسرعة بعد إطاحة معمر القذافي، لليبيا تمويل عملية إعادة إعمارها وانتقالها إلى الديمقراطية. لكن خلف هذا التفاؤل ظهرت مؤشّرات مقلقة عن المشاكل التي كانت توشك على محاصرة صناعة النفط الليبية في الأشهر اللاحقة. ففي 23 نيسان/أبريل 2012، احتلّ المحتجّون مقر شركة الخليج العربي للنفط في بنغازي، مطالبين بتعزيز الشفافية في الإيرادات النفطية وتأمين مزيد من الوظائف لسكّان المدينة. انتهت هذه الاحتجاجات بعد أسبوعَين من دون تأثير يُذكَر في الإنتاج النفطي، إلا أن المظالم التي كانت وراء اندلاعها لاتزال تحرّك المحتجّين والإضرابات وأعمال العنف، مايتسبّب بتراجع شديد في الإنتاج النفطي الليبي وبالتالي في العائدات. وهكذا بدلاً من أن تساهم الصناعة النفطية في تسهيل الانتقال الديمقراطي، تعاني هي الأخرى من تداعيات النزاع الدائر الذي يعكس ويجسّد الكثير من المشاكل التي تعيشها ليبيا بعد الثورة.

عقب انتفاضة 2011، كانت الصناعة النفطية في ليبيا تعاني من العديد من الآثار السلبية للاقتصاد الريعي، أبرزها غياب الفعالية، والمحسوبية، والنفوذ السياسي. كما أن اعتماد البلاد على النفط طيلة عقود حال دون تطوّر قطاع خاص منتج. في العام 2010، كانت حصة النفط تصل إلى 91 في المئة من مجمل العائدات الحكومية وأكثر من 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. كان النظام السابق قد عمد إلى توزيع الثروات الناجمة عن المبيعات النفطية بطريقة غير متساوية: فالمناطق الأساسية المنتجة للنفط في الشرق والجنوب لم تنتفع من الثروة النفطية وغالباً ماكانت تعاني من ارتفاع في نسبة البطالة، الأمر الذي عكس التهميش الاجتماعي والسياسي الذي كانت هذه المناطق تعاني منه في ظل نظام القذافي.

في الأشهر الأولى من العام 2012، كان لفشل القطاع النفطي في تصحيح بعض من أوجه اللامساواة الأساسية في تخصيص موارد البلاد - السبب عينه الذي كان وراء نجاحه في الانتعاش بسرعة في البداية - دورٌ أيضاً في تراجعه. فعلى الرغم من النمو السريع في الإنتاج النفطي، ظلّت المجتمعات المحلية المجاورة للمنشآت النفطية في شرق ليبيا وجنوبها تعاني من الفقر وارتفاع البطالة. بدأ العمّال المحليون يطالبون بتحسين الأجور والمنافع، وتأمين مزيد من الوظائف لمجتمعاتهم، واستبدال المديرين الذين يستمرّون في مناصبهم منذ عهد القذافي. وتداخلت هذه المطالب مع رواية أوسع نطاقاً عن شعور عدد كبير من أبناء الشرق والجنوب بالتهميش والإقصاء من جانب الحكومة الوطنية في طرابلس. ففيما كانت المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء ليبيا تثبّت استقلالها الذاتي عقب الانتفاضة، شكّلت البنى التحتية لقطاع النفط والغاز هدفاً ملائماً وفعّالاً للتنفيس عن الغضب والاحتقان إزاء إخفاق الحكومة الوطنية الليبية في تلبية احتياجات تلك المجتمعات ومطالبها.

وقد تجلّت هذه الديناميكيات في شكل أساسي في إقليم برقة شرق البلاد حيث اندرج الاستياء من غياب الشفافية في إدارة الإيرادات النفطية في إطار النقاش الأوسع حول الفدرالية في ليبيا مابعد القذافي. في تموز/يوليو 2012، فرضت مجموعات تسعى إلى تعزيز الاستقلال الذاتي لإقليم برقة، إغلاق المحطات الثلاث الأساسية لتصدير النفط في شرق ليبيا احتجاجاً على انتخابات المجلس الوطني التي اعتبروا أنه من شأنها أن تؤدّي إلى حرمان المنطقة الشرقية من حقوقها. رداً على الاضطرابات المتزايدة التي تهدّد القطاع النفطي، عمدت طرابلس إلى توسيع جهاز حرس المنشآت النفطية لاستيعاب عناصر الميليشيات السابقة وتأمين الوظائف في المناطق التي تطالب بالتغيير. لكن سرعان ماتحوّل الجهاز إلى عبء أكثر منه آلية فعالة. فقد تصادمت وحدات جهاز حرس المنشآت النفطية مع الميليشيات المحلية بهدف السيطرة على مواقع محددة للنفط والغاز، وعجزت عن الحؤول دون تسبّب الإضرابات والاحتجاجات بتعطّل الإمدادات، فيما تكلّف الحكومة نحو مئتَي مليون دولار سنوياً. كما أن الجهاز وفّر غطاء من الشرعية للزعيم الميليشياوي السابق إبراهيم الجضران، الذي استخدم منصبه على رأس جهاز حرس المنشآت النفطية في برقة للتخطيط لهجوم وحصار في آب/أغسطس 2013 أدّيا إلى إغلاق المحطات الأساسية لتصدير النفط في الشرق، فتراجعت مبيعات النفط الليبي بمعدّل 600 ألف برميل في اليوم. وقد أعاد الجضران تقديم نفسه في صورة جديدة ظهر من خلالها سياسياً مؤيّداً للاتحاد الفدرالي، فشكّل حكومة ظل في الشرق وخطّط لبيع النفط الليبي إلى الخارج عبر نقله تحت الأرض في طرابلس. 

غير أن التحرّكات الهادفة إلى تعطيل إمدادات النفط والغاز لاتقتصر فقط على الشرق. فقد تحوّل النزاع على القطاع النفطي إلى متنفّس للعديد من النزاعات الأخرى التي تطفو على السطح في ليبيا بعد الانتفاضة. في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، فرض قدامى الحرب المصابون حصاراً على مصفاة الزاوية لتكرير النفط، للمطالبة بالحصول على الرعاية الطبية لمعالجتهم من الإصابات التي تعرّضوا لها خلال الثورة. وفي الخريف الماضي، حاصر المعلّمون المصفاة نفسها بهدف لفت الانتباه إلى الإضراب الوطني الذي نفّذوه للمطالبة بتحسين رواتبهم. لقد شكّلت المنشآت النفطية في مختلف أنحاء ليبيا هدفاً ملائماً للتنفيس عن المظالم المحلية لأن التحرّك ضدها يضمن استجابة الحكومة في طرابلس للمطالب. وفي الجنوب الغربي، فرض متظاهرو التبو حصاراً على الحقول النفطية الكبيرة في الشرارة والفيل في مناسبات عدّة للمطالبة بتأمين الوظائف والتدريب للسكّان المحليين الذين يقولون إنهم يتعرّضون إلى التمييز. وكذلك فرض محتجّو الطوارق حصاراً على موقع الشرارة لمطالبة الحكومة بمنحهم بطاقات هوية والاعتراف رسمياً بلغتهم. وفي الشمال الشرقي للبلاد، استهدفت ميليشيات الأمازيغ منشأة النفط والغاز في ساحل مليتة احتجاجاً على تمثيلها الضعيف في الحكومة، فتسبّبت بتوقّف مؤقت لتصدير الغاز إلى إيطاليا. وفي الجنوب الشرقي، يمارس النزاع الدائر بين قبيلتَي التبو والزوية تأثيراً بصورة دورية في منشآت النفط والغاز في المنطقة. وقد تزايدت الاختلالات واشتدّت حدّتها طيلة العام 2013، ما أدّى إلى تراجع سريع في إنتاج النفط وعائداته، ودفع حكومة رئيس الوزراء علي زيدان إلى حافة الانهيار المالي.

الصورة 1: الإنتاج النفطي والاحتجاجات في ليبيا
الاحتجاجات وعمليات الحصار بحسب الشهر | الإنتاج النفطي، بملايين البراميل يومياً
صدرت الصورة عن الكاتب إستنادا الى أرقام من ACLED وEIA ومصادر علامية.

 

حتى الآن، تعاملت ليبيا مع هذه الاختلالات على أساس كل حالة على حدة، الأمر الذي حال دون معالجة المشاكل الأساسية التي تقف وراء هذا التعطيل في إنتاج النفط الليبي. لقد اعتمدت حكومة زيدان على قنوات غير رسمية من أجل تسوية النزاعات، فغالباً ماتتعاون مع السلطات القبلية بهدف تهدئة المطالب المحلية عبر إطلاق وعود بتأمين الوظائف وتحقيق التنمية أو بهدف قطع الدعم عن معارضيها. إلا أن هذه الاستراتيجية، إذا صحّت تسميتها على هذا النحو، تمارس العديد من التداعيات السلبية على طرابلس. فقد أظهرت أولاً للمحتجّين أن فرض حصار على تدفّق النفط والغاز هو أسلوب فعّال للحصول على تنازلات من طرابلس. ثانياً، تؤدّي الموافقة على تأمين الوظائف وتحقيق التنمية بالاستناد إلى المطالب المحلية بدلاً من احتياجات القطاع، إلى تفاقم مكامن الخلل والقصور وتعاظم الفساد في القطاع النفطي المضطرب. يعتاش 70 في المئة من الليبيين من الرواتب الحكومية التي تقضم 77 سنتاً من كل دولار تحقّقه الإيرادات النفطية الليبية، فلا تبقى سوى أموال قليلة للتنمية أو الاستثمار. أخيراً، من شأن وضع تسوية النزاعات في عهدة السلطات المحلية، على الرغم من فعاليتها، أن يزيد من ضعف الحكومة الفدرالية فيما يحفّز مزيداً من الاحتجاجات والتعطيل.

في حين يفكّر زيدان في تنفيذ عمليات عسكرية أشد حسماً للرد على حصار المنشآت النفطية في الشرق، ومع بداية تراجع الدعم لجضران بين النخب القبلية في برقة، يبدو أن حصار المرافئ النفطية الكبرى في ليبيا يتّجه نحو الانتهاء. مع ذلك، لايزال عدد كبير من الشوائب التي يعاني منها قطاع النفط والغاز الليبي والتي كانت وراء المظالم، على حاله. فيما يباشر الليبيون العمل على كتابة دستور جديد، سوف تلجأ المجموعات من جديد إلى تعطيل تدفّق النفط بهدف الضغط لتحقيق مطالبها على اختلافها، مثل المطالبة بتأمين الوظائف أو التنمية أو الاستقلال الذاتي أو حقوق الأقليات. وسيظلّ النفط عامل انقسام بين الليبيين مادام القطاع النفطي مصدر النمو الاقتصادي الوحيد، كما أن الالتباس سيظل يحيط بمسائل جوهرية ترتبط بتوزيع الإيرادات النفطية والوظائف.

كيفن كايسي باحث رفيع المستوى في "معهد القطب الشمالي"، ويدوِّن عن النزاع والأمن في ليبي.  عمل خبيراً في العلوم الاجتماعية مع الجيش الأميركي، فكان يجري بحوثاً استراتيجية وعملانية عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من العام 2009 إلى العام 2013.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

لاحظ الرسم البياني للمقال على هذا الرابط (بالإنجليزي)