في مؤتمر صحافي عقدته "حركة مجتمع السلم"، التي تُعتبَر الحزب السياسي الإسلامي الأول في الجزائر، في 27 كانون الثاني/يناير الماضي، أعلن زعيم الحركة عبد الرزاق مقري أن حزبه سيقاطع الانتخابات الرئاسية الجزائرية المقرّر إجراؤها في نيسان/أبريل 2014. وقد شرح مقري أنه على الرغم من أن الحزب قادر على تقديم مرشّح قوي، إلا أن قاعدته الانتخابية لاترغب في رؤيته يشارك في انتخابات تعتبر أن نتائجها ستكون محدّدة سلفاً - وأنها مجرد تمثيلية لإضفاء شرعية على مرشح السلطة. غالب الظن أن الأحزاب الإسلامية الأخرى، على غرار "النهضة" أو "الإصلاح"، سوف تسير على خطى "حركة مجتمع السلم" نظراً إلى لامبالاتها وعدم امتلاكها استراتيجية واضحة. قبيل أشهر من الانتخابات الرئاسية، يتبيّن أن الإسلاميين - على الرغم من تصريحاتهم - غير مستعدّين، لا بل عاجزون عن حشد قواهم خلف مرشّح توافقي. وهذا مؤشّر قوي عن انعدام آفاقهم الانتخابية في المستقبل.

فالإسلاميون لم يُجمعوا منذ أكثر من عشر سنوات على مرشّح للانتخابات الرئاسية ويقودوه إلى الفوز (الإجماع الوحيد كان في العام 2009 عندما ترشّح جهيد يونسي من حزب "الإصلاح" للانتخابات، لكنه نال نسبة ضئيلة من الأصوات لم تتعدَّ 1.37 في المئة). ومن المرشّحين الإسلاميين الآخرين الذين لم يتمكّنوا من الفوز عبدالله جاب الله الذي ترشّح مستقلاً في العام 1999 قبل أن ينسحب بسرعة من السباق. ثم عاد جاب الله وترشّح عن "حزب الإصلاح" في الانتخابات الرئاسية للعام 2004، وهذه المرة كانت حظوظه ضئيلة أيضاً، ولم يحصل سوى على 5 في المئة فقط من الأصوات. فكانت هذه محاولة الإسلاميين الأخيرة للتنافس في الانتخابات الرئاسية.

سعت معظم الأحزاب الإسلامية، منذ العام 1995، إلى النأي بنفسها عن التيارات المتشدّدة للحرب الأهلية، وتبنّت استراتيجية تقوم على المشاركة. وعقب هزيمة "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات، اندمجت تلك الأحزاب من جديد في المشهد السياسي، لكن صفوفها ترزح تحت وطأة الخلافات الشخصية والإيديولوجية التي يعود الجزء الأكبر منها إلى الانتخابات الرئاسية في العام 2009. فقد تسبّبت استراتيجيات الأحزاب الإسلامية خلال تلك الانتخابات، والنتائج التي حقّقتها، بأزمة في داخل "حركة مجتمع السلم"، ما أدّى إلى عدد من الانشقاقات وظهور أحزاب فرعية صغيرة. فقد قرّر أبو جرة سلطاني، زعيم "حركة مجتمع السلم" آنذاك، المشاركة في حكومة ائتلافية ودعم ترشّح الرئيس بوتفليقة، فكانت لهذه الاستراتيجية تداعيات كارثية على الحزب، إذ أسفر القرار عن صراع على السلطة بين سلطاني والرقم الثاني في الحركة، عبد المجيد مناصرة، الذي اتّهم أنصاره سلطاني بتقديم تنازلات كبيرة للحكومة - بما في ذلك تأييد التعديل الدستوري الذي أتاح للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الترشّح لولاية ثالثة - من دون أن يحصل على الدعم من قاعدته الشعبية.

شعر معارِضو خيارات سلطاني بأن الحزب يخسر قناعاته الأساسية - فعلى الرغم من أنه كان لايزال محافظاً في جوهره، لم يعد يسعى إلى إقامة دولة إسلامية. وقد اتُّهِم سلطاني أيضاً بتهميش كوادر الحزب الذين لايقفون إلى جانبه: طُرِد 40 كادراً من الحزب في العام 2008 في أثناء مؤتمره الرابع الذي أعيد خلاله انتخاب سلطاني لولاية ثانية. وبلغت الحركة نقطة الانهيار في العام 2009 عندما قرّر مناصرة مغادرتها وتشكيل حزبه الخاص تحت اسم "حركة الدعوة والتغيير". فضلاً عن مئات الداعمين والناشطين (بينهم 564 امرأة) الذين لحقوا بمناصرة إلى "حركة الدعوة والتغيير"، انشق أيضاً عن "حركة مجتمع السلم" الكثير من رؤساء "المجلس الشعبي الولائي"، والمندوبين، والعمدات، والمسؤولين المنتخبين من "المجلس الشعبي البلدي"، وأعضاء المجالس المحلية، وحتى 28 عضواً من أصل 51 يؤلّفون كتلة الحركة في مجلس الأمة، مبدين معارضتهم لتشكيل ائتلاف حكومي. وقد تسبّب انفصال عدد كبير من الكوادر عن الحركة بإضعافها جدّاً ودفعها إلى التنافس مع "حركة الدعوة والتغيير" على الدعم الشعبي.

وتعاني أحزاب إسلامية أخرى، ولاسيما "حزب النهضة"، انقسامات مماثلة، مايسلّط الضوء على المسألة الأساسية التي تواجهها هذه الأحزاب: هل يجب العمل مع الحزب الحاكم أم لا؟ فـ"حزب النهضة" الذي تأسّس في العام 1989 تحت اسم "حركة النهضة الإسلامية" واستُلهِم من جماعة "الإخوان المسلمين"، مزّقته في أواخر الستيعنيات حرب داخلية بين الحبيب آدمي، وهو قيادي في الحزب دعا إلى الحوار مع الحكومة، وعبدالله جاب الله، أحد المؤسّسين ومن أشدّ المعارضين للنظام. قاطع جاب الله الانتخابات الرئاسية في العام 1995 ورفض المشاركة في الائتلاف الحكومي في العام 1997. ثمّ أطيح من منصبه في العام 1998 واستُبدِل بآدمي الذي غيّر اسم الحزب إلى "النهضة"، وحوّل خطّه من معارضة النظام إلى التعاون معه، ما أتاح للحزب دخول أروقة السلطة.

في غضون ذلك، أسّس جاب الله حزباً إسلامياً جديداً أطلق عليه اسم "الإصلاح"، وقد طُرِد منه أيضاً واستُبدِل بجهيد يونسي الذي حمّل جاب الله مسؤولية فرض آراء "غير متماسكة" و"فوضوية" على الحزب وغياب الهيكلية والتنظيم. لكن ذلك لم يثنِ جاب الله عن محاولاته فأنشأ حزباً ثالثاً في 10 شباط/فبراير 2012 يُدعى "جبهة العدالة والتنمية" ويتبنّى خطاً إسلامياً إصلاحياً. وكذلك ساهم إنشاء أحزاب إسلامية أخرى أصغر حجماً، مثل "تجمّع أمل الجزائر" و"حركة البناء الوطني"، في انتشار الأحزاب الإسلامية. يتبع "تجمّع أمل الجزائر" الذي أسّسه وزير الأشغال العامة عمار غول في العام 2012 بعد انشقاقه عن "حركة مجتمع السلم"، خطاً إسلامياً قومياً؛ أما "حركة البناء الوطني" فقد أنشأها مصطفى بلمهدي الذي كان عضواً في "حركة الدعوة والتغيير" (التي غُيِّر اسمها إلى "جبهة التغيير الوطني" في نيسان/أبريل 2011)، وانشقّ عنها لقيادة "حركة البناء الوطني" في آذار/مارس 2013. على الرغم من تكاثر هذه الأحزاب، فشلت في تقديم رؤى إيديولوجية راسخة أو برامج عملية يمكن أن تحظى بالدعم من شريحة واسعة من الجزائريين.

قرّرت بعض الأحزاب الإسلامية التي أضعفها الانقسام الدائر، رصّ صفوفها لتحقيق أفضل النتائج في الانتخابات التشريعية في العام 2012. لهذه الغاية، انسحبت "حركة مجتمع السلم" في كانون الثاني/يناير 2012 من التحالف الرئاسي الجزائري الذي كانت قد انضمّت إليه في شباط/فبراير 2004، من أجل تشكيل اتحاد سياسي مع "النهضة" و"الإصلاح" تحت اسم "تكتل الجزائر الخضراء". لقد اعتقد الإسلاميون الجزائريون أن من شأن هذا الائتلاف ونجاحات "الإخوان المسلمين" في البلدان المجاورة - "حزب الحرية والعدالة" في مصر، و"النهضة" في تونس، و"حزب العدالة والتنمية" في المغرب - أن تعود عليهم بالفائدة في الداخل. وقد توقّع أعضاء الائتلاف الإسلامي الثلاثي تحقيق نجاح باهر. فقد قال سلطاني (من "حركة مجتمع السلم"): "سيحصل الائتلاف على 22 إلى 25 في المئة من الأصوات"، واعتبر فتاح ربيعي من "النهضة" أن الائتلاف يضمن الفوز بنحو 120 مقعداً من أصل 220.

لكن الإسلاميين أصيبوا بهزيمة ساحقة في الانتخابات التشريعية: فـ"تكتل الجزائر الخضراء" لم يحصل سوى على 48 مقعداً، أي أقل من المقاعد الـ52 التي كانت "حركة مجتمع السلم" قد فازت بها في الانتخابات النيابية السابقة في العام 2007. وبدلاً من أن يطرح الإسلاميون علامات استفهام حول الاستراتيجية التي اتّبعوها في الانتخابات، اتّهموا "جبهة التحرير الوطني" والحكومة بـ"التلاعب" بنتائج الانتخابات وممارسة "التزوير". مما لاشك فيه أن الخاسر الأساسي كان "حركة مجتمع السلم". فهي لم تخسر الانتخابات وحسب، بل أيضاً إمكانية الانضمام من جديد إلى التحالف الرئاسي، وخسرت كذلك شريحة مهمة من أنصارها الذين خاب ظنهم كثيراً من النتائج والذين كانوا ضد انسحاب الحزب من التحالف الرئاسي. وهكذا نجح "تجمّع أمل الجزائر" في إقناع نحو خمسين نائباً وأكثر من ألفَي عضو في المجالس المحلية في الانضمام إلى صفوفه.

مارست هذه الخلافات وتضارب المصالح والاتهامات المتبادلة والانقسامات وغياب التوافق في داخل التيار الإسلامي، تأثيراً كارثياً على قاعدته الانتخابية. يختلف الوضع الراهن إلى حد كبير عن الوضع في التسعينيات. ففي ذلك الوقت، وعلى الرغم من الطبيعة غير المتجانسة للتيار، تمكّن الحزب الإسلامي الأساسي (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) من حشد ملايين الجزائريين خلف أبرز قياديَّين في الجبهة، عباسي مدني وعلي بلحاج، وخير دليل على ذلك الفوز الساحق الذي حقّقاه في الانتخابات التشريعية في العام 1991. أما اليوم فالتيار الإسلامي ضعيف وفاقد للمصداقية وعاجز عن حشد الأنصار. وقد ابتعد الجزائريون عنه بسبب عجزه عن تحديد أهداف واضحة. كما أن القاعدة الإسلامية الناخبة تتداعى، بحسب ما أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية، ثم الانتخابات البلدية في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، والتي نال فيها "تكتل الجزائر الخضراء" (من دون "حركة مجتمع السلم" التي انسحبت من الائتلاف بعد الانتخابات التشريعية في أيار/مايو 2012)، غالبية مطلقة في 10 فقط من أصل 1451 بلدية. وهذه أسوأ نتائج يحقّقها الإسلاميون منذ إقرار تعدّد الأحزاب في الجزائر. ومن الطبيعي أن نتوقّع فشلهم في الانتخابات الرئاسية المقبلة، في حال قدّموا مرشّحاً.

فضلاً عن ذلك، فإن القرار الذي اتّخذته بعض الأحزاب الإسلامية بمقاطعة الانتخابات (عبر الزعم بأنه سيتم التلاعب بها) هو على الأرجح ذريعة لتفادي انتكاسة جديدة، كما أنه يفشل في إخفاء الانقسامات والتفكّك وغياب القيادة التي يعاني منها التيار الإسلامي في المجمل. فعجز تلك الأحزاب عن وضع استراتيجية واضحة، كتيارات أو أحزاب منفردة، تسبّب لها بخسارة الدعم على الأرض. في غضون ذلك، وبعد أن عانى الجزائريون ويلات النزاع المسلّح بين المجموعات الإسلامية المسلحة وقوات الأمن، الذي استمرّ أكثر من عشرة أعوام وأسفر عن سقوط مايزيد عن 150000 ضحية وفقدان أكثر من 6000 شخص، يخشى كثرٌ أن يقود الإسلاميون البلاد، في حال وصولهم إلى السلطة، إلى "عقد أسود" جديد. فالمشاهد الآتية من مصر وسورية تستحضر ذكريات مؤلمة بالنسبة إلى الجزائريين الذين يزدادون اقتناعاً على مايبدو في أن التصويت للإسلاميين لن يحلّ المشاكل التي تتخبّط فيها بلادهم.

داليا غانم يزبك محلّلة أبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تركّز في أبحاثها على النزعات الإسلامية والجهادية في الجزائر والعنف الأصولي والنزاع والإرهاب في الشرق الأوسط.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنجليزية