يؤدّي المقاتلون الأردنيون دوراً مهماً في النزاع السوري الذي يستمر فصولاً. فعلى النقيض من الجيل السابق من الجهاديين الأردنيين – والذي كان يتألف من قياديين في تنظيم القاعدة أعلنوا قبل عقد عن إيمانهم بجهاد عالمي – يعطي الجيل الجديد الذي يحارب حالياً في سورية الأولوية للقضايا الإقليمية والمحلية. سوف تُحدّد نتائج تدخّلهم في سورية الرؤية والأهداف التي يسعى وراءها هذا الجيل الصاعد من المقاتلين الأردنيين. فالنجاح الذي يعتقدون أنهم يحقّقونه في سورية سوف يمنحهم زخماً، وغالب الظن أنه سيدفع بهم نحو السعي إلى تأدية دور سياسي أكثر نشاطاً في الأردن، وقد يلجأون إلى العنف لمعالجة المظالم التي تعاني منها مجتمعاتهم أو لفت الانتباه إلى احتياجاتها.

يشكّل الجهاديون السلفيون الأردنيون الذين تُقدَّر أعدادهم بنحو 5000 عنصر، مجرد جزء من المجموعات السلفية الأوسع نطاقاً في الأردن، في حين تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن أعدادهم تصل إلى 15000 شخص1 (بحسب الصحافي الأردني المتخصّص في السلفية تامر الصمادي). ويتواجد الجهاديون الأردنيون إلى جانب السلفيين التقليديين والإصلاحيين. حتى العام 2011، كان السلفيون الأردنيون، والجهاديون من بينهم، يعملون في الخفاء في شكل أساسي، إلا أن الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في ذلك العام سمحت لهم بالخروج إلى العلن والظهور أكثر على الساحة العامة من خلال المشاركة في التظاهرات. وشكّلت الحرب في سورية نقطة تحوّل إضافية. فقد شهدوا تحوّلاً أيديولوجياً ترافق مع تركيز جديد على "العدو القريب" وبذْل محاولات لإنشاء مايسمّونه "ديار التمكين" في سورية، بهدف الحصول على حصن يستطيعون أن يوسّعوا من خلاله أنشطتهم باتجاه بلدان أخرى في المنطقة عبر البناء على التدريب الذي خضعوا له.

يُعَدّ التيار الجهادي السلفي اليوم مجموعة تضم العديد من القادة النافذين مثل أبو محمد المقدسي وأبو محمد الطحاوي، وهو شيخ سلفي بارز شجّع الأردنيين على القتال في سورية في العام 2012. قال الطحاوي في حزيران/يونيو 2012: "دعوت كل الرجال القادرين إلى الذهاب للجهاد في سورية؛ فمسؤولية كل مسلم صالح أن يعمل على وقف إراقة الدماء التي يقوم بها النظام النصيري (بحق السنّة)"، وذلك في إشارة إلى النظام العلوي الحاكم في سورية.

الجهاديون السلفيون الأردنيون هم من بين المساهمين الأكبر بإرسال المقاتلين إلى سورية. يعتقد خبراء في الجهادية السلفية أن نحو 700 إلى 1000 جهادي أردني يقاتلون الآن في سورية، الأمر الذي يجعلهم يحتلون المرتبة الثانية مباشرة بعد الجهاديين التونسيين الذين يخوض نحو 800 عنصر منهم القتال إلى جانب الثوّار في سورية. وقد انضمت غالبية الجهاديين الأردنيين في سورية إلى جبهة النصرة حيث يشغل إياد طوباسي ومصطفى عبد اللطيف، وهما أردنيان من أصل فلسطيني، منصبَين قياديين. إياد الطوباسي (الملقب بـ"أبو جيليبيب") هو أمير جبهة النصرة في دمشق ودرعا وصهر أبو مصعب الزرقاوي الجهادي السلفي الأردني الشهير، ويُعتقَد أن أبو جيليبيب حارب إلى جانب الزرقاوي في العراق. وعبد اللطيف (الملقّب بـ"أبو أنس الصحابة") هو أيضاً قيادي في جبهة النصرة. تمثيل الجهاديين الأردنيين في جبهة النصرة أكثر بروزاً منه في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) – "بسبب الاختلافات الأيديولوجية"، كما يقول أبو سياف، القيادي الجهادي في الأردن، في إشارة إلى آراء "داعش" المتطرفة حول حقوق الأقليات والعلاقات مع الفصائل الإسلامية الأخرى.

ترتدي سورية أهمية مثلّثة الأبعاد بالنسبة إلى الجيل الصاعد من الجهاديين الأردنيين الذين يقاتلون حالياً في سهول "بلاد الشام" (سورية الكبرى) وهضابها. أولاً، تجسّد الحرب الدائرة في سورية ضد طاغية عربي، التحوّل البارز في أولويات الجهاديين الذين، وبدلاً من استهداف الغرب، يركّزون الآن جهودهم على "العدو القريب" (الحكّام الإقليميين)، والتي يمكن أن تتمدّد باتجاه الأردن. على الرغم من أن الجهاديين الأردنيين الذين عادوا إلى ديارهم لم ينظموا صفوفهم بعد، إلا أن الأجهزة الأمنية الأردنية تشنّ حملة للتضييق على الجهاديين السلفيين منذ اندلاع الحرب في سورية، خوفاً بالضبط من تحوّلهم نحو الداخل الأردني. وقد طالت الاعتقالات على مستوى البلاد 150 إلى 170 جهادياً اعتباراً من شهر كانون الثاني/يناير الماضي. وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، اعتقلت أجهزة الاستخبارات الأردنية المواطن رائد حجازي الذي يلقّب بـ"أبو أحمد الأمريكي"، على خلفية الاشتباه بإقامته روابط مع تنظيم القاعدة، وذلك في إطار الجهود التي تبذلها تلك الأجهزة للحؤول دون حدوث مزيد من التنسيق بين الجهاديين المحليين وشبكة القاعدة الدولية.

ثانياً، اكتسب مفهوم الجهاد في سورية شيئاً فشيئاً بعداً مذهبياً يضع السنّة في مواجهة الشيعة، بما يعكس احتدام العداء بين الطائفتين الإسلاميتين منذ اصطفاف الشيعة في المنطقة إلى جانب نظام الأسد. يقول أبو سياف "هذا الجهاد هو من أجل الدفاع عن أهل السنّة. وقد أصبح فريضة علينا عندما اتّخذت الحرب منحى مذهبياً، لاسيما بعد تدخّل حزب الله وإيران. حزب الله هو عدو السنّة". يقول الصمادي إن هذه الخصومة الجديدة تبلورت في كانون الثاني/يناير الماضي عندما أوردت وسائل الإعلام المحلية خبراً عن إحباط هجوم كان تنظيم داعش يخطط لتنفيذه ضد السفارة السورية في الأردن. إلا أن الأجهزة الحكومية نفت هذا الخبر لاحقاً. وقد يدفع هذا التركيز الجديد أيضاً بالجهاديين الأردنيين إلى التدخّل في ساحات مجاورة أخرى وفي مختلف أنحاء المنطقة في إطار نزاع مذهبي شامل يندرج في سياق نهجهم الإقليمي الجديد. يبدو أن أبو قتادة، القيادي البارز في التيار الجهادي السلفي في الأردن، الذي يُحاكم حالياً في تهم إرهابية في عمان، أعطى موافقته على هذه الاستراتيجية عبر تبرير التفجيرات الانتحارية ضد حزب الله في لبنان والتي تبنّت جبهة النصرة مسؤولية الكثير منها.

الجانب الثالث هو الخطة التي وضعها الجهاديون السلفيون الأردنيون لبناء مايسمّونه "ديار التمكين" التي من شأنها أن تشكّل الخطوة الأولى في الحرب المقدّسة الهادفة إلى إنشاء دولتهم الإسلامية المستندة إلى الشريعة والعابرة للأوطان وتوسيعها. ونقطة الانطلاق نحو تحقيق ذلك هي الانتصار في سورية، ثم التحوّل نحو الأردن لإعادة توحيد "بلاد الشام" التي تشكّل سورية جزءاً أساسياً منها. وغالب الظن أن تثبيت قاعدتهم السورية سيظل هدفاً طويل الأمد، في إطار سعيهم إلى تحقيق هدفهم النهائي كما هو محدّد حالياً. وقد وقعت صدامات في الآونة الأخيرة في 17 شباط/فبراير الجاري، بين مجموعة مسلّحة دخلت من سورية عبر الحدود الشمالية، وحرس الحدود الأردنيين. يقول الصمادي "تندلع هذه الصدامات في المنطقة الممتدّة بين الرمثا في الأردن ودرعا في سورية، في قطاع يُعرَف بالجمارك القديمة". وقد اكتفى البيان العسكري بالتأكيد على أن المجموعة المسلّحة دخلت من سورية، من دون أن يأتي على ذكر جنسية المقاتلين. تتخوّف الأجهزة الأمنية الأردنية من وجود مواطنين أردنيين في عداد هؤلاء المقاتلين، الأمر الذي يمكن أن تكون له تداعيات سلبية على استقرار المملكة الهاشمية.

كما حصل مع الزرقاوي من قبل – الذي ألهمت تجربته في العراق تفجير الفنادق الثلاثة في عمان في العام 2005 – من المتوقّع أيضاً أن يُحدث النزاع السوري تحوّلاً لدى الجيل الجديد من الجهاديين الأردنيين. فمن شأن تحقيق نجاحات في سورية أن يمنح الزخم لهذا الجيل من الجهاديين ويشجّعهم على اعتماد موقف أكثر عدوانية في الداخل. لكن، خلافاً لما كانت عليه الأوضاع في حقبة الزرقاوي، يعاني الأردن في الأعوام الأخيرة من تدهور الحالة الاقتصادية، والاحتجاجات السياسية، وتدفّق اللاجئين السوريين الذين وصل عددهم إلى نحو 600,000 بحسب المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة. ومن المعلوم أن فروع تنظيم القاعدة تستغلّ الاضطرابات السياسية، وليس الأردن استثناء في هذا المجال. فهل سيستغلّ الجهاديون الأردنيون الظروف الصعبة للاجئين السوريين من أجل استمالتهم إلى صفّهم؟ يتوقّف الجواب عن هذا السؤال إلى حد كبير على الصعوبات التي يواجهها هؤلاء الجهاديون في سورية وفي الداخل على حدّ سواء.

منى علمي صحافية لبنانية فرنسية تكتب عن الشؤون السياسية والاقتصادية في العالم العربي. تساهم بانتظام في صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

1. مقابلة مع الكاتبة