كان الإعلان الدستوري الذي أعدّه المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا وثيقة صغيرة أُريدَ لها أن تمارس وقعاً كبيراً. فنصّه - ولاسيما من المادّة 17 إلى المادّة 30 - يتضمّن الرؤية وإطار العمل اللذين يجب أن تقوم عليهما المنظومة السياسية لدعم العملية الانتقالية. إلا أنه تبيّن أن هذا الإعلان غير قادر على تحمّل وزر المشاكل التي تتخبّط فيها ليبيا في المرحلة الانتقالية. فالسلطة الدستورية التي كان يُفترَض أن تنبثق عن هذا الإعلان - بحلول 7 شباط/فبراير الجاري - لم ترَ النور، ولاتزال الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور قيد الإنشاء فيما يسود الانقسام في الآراء حول مستقبل البلاد.

نصَّ الإعلان الدستوري بوضوح على أن المؤتمر الوطني العام هو السلطة العليا في البلاد. لكن ماعدا البند الذي ينص على تعيين مكتب تنفيذي مؤقّت، وماتضمّنته المادة 26 من إشارة إلى أن هذا المكتب يخضغ إلى "تعليمات وتوجيهات" المؤتمر الوطني العام، فشِل الإعلان الدستوري في تحديد مسؤوليات واضحة سواءً للمكتب التنفيذي أم للمؤتمر الوطني العام، كما أنه لم يضع تعريفاً واضحاً لسلطة كل منهما. ومن غير المرجّح أن تساهم انتخابات المؤتمر الوطني العام في معالجة هذه المسألة.

استغلّ المؤتمر الوطني العام غياب التوزيع الواضح للسلطات بهدف ممارسة سلطته على الحكومة الانتقالية منذ البداية، ويظهر ذلك جلياً من خلال الإخفاق الذريع الذي مُني به رئيس الوزراء السابق مصطفى أبو شاقور خلال ولايته القصيرة. فقد تسبّب أعضاء المؤتمر الوطني العام بإضعاف أبو شاقور الذي كانوا قد انتخبوه بأنفسهم، واستخدموا صلاحياتهم لإرغامه على مغادرة منصبه عندما بات واضحاً أن حكومته لن تنزل عند مطلب مجموعات القوى في المؤتمر الوطني العام وتكون مجرد انعكاس لها. فضلاً عن ذلك، لاتنفكّ النزاعات بين الكتل البرلمانية ومكتب الرئيس والوزارات المختلفة تتسبّب بتقويض المبادرات المهمة بدءاً من تطوير القطاع الأمني وصولاً إلى إصلاح الحكم المحلي. في غضون ذلك، دأبت المجموعات السياسية المختلفة على الإيحاء بأنّها صاحبة الفضل في المبادرات والحلول السياسية بهدف توليد الانطباع بأنها هي التي تؤدّي الدور الحاسم في السياسة الليبية، ويحقّ لها بالتالي تسلّم الحكم. وتأتي هذه المحاولات للسيطرة على المشهد السياسي نتيجة عدم توزيع المسؤوليات بطريقة واضحة على الهيئات المختلفة - سواء كانت اللجان البرلمانية أم الجلسات العامة أو السلطة التنفيذية أو القضاء. فقد تسبّب غياب التقسيم الواضح للسلطات بالإرباك والتشوّش، الأمر الذي ساهم في ظهور هذا التنافس بين الفصائل المختلفة والذي احتدم أكثر فأكثر مع مرور الوقت. 

لكن حتى في وجود توافق حول الحاجة إلى التوصّل إلى حل حاسم، يعاني المؤتمر الوطني العام من عدم الفعالية. وقد تجلّى ذلك مؤخراً في طريقة تعاطي المؤتمر مع التمديد له، فخريطة الطريق التي وضعها من أجل التقدّم لاتزال موضع نقاش بعد أسابيع من انتهاء تفويضه، وكذلك في الخلافات حول إقالة علي زيدان من رئاسة الوزراء. فعلى الرغم من موافقة الكتل السياسية على إقالة زيدان قبل أشهر، لم يتمكّن المؤتمر الوطني العام من الاتفاق على تعيين بديل له، كما أنه عجز عن حشد 120 صوتاً لطرح الثقة بالحكومة. وهكذا تحوّل رئيس الوزراء إلى "بطة عرجاء"، وأصيبت السلطة التنفيذية في البلاد بالشلل في لحظة مصيرية. وفي محاولة لمعالجة هذه الثغرات، وضع المؤتمر الوطني العام نظاماً داخلياً إلا أنه لم يتم تبنّيه رسمياً. وهكذا لم تعتمد ليبيا أو تطبّق رسمياً الركائز التي يقوم عليها النظام البرلماني، أي جدول الأعمال والنقاش وإجراءات التصويت. فغالباً ماتتحوّل النقاشات إلى هجمات شخصية ومساجلات لاذعة بعيداً عن صلب الموضوع، كما أن أعضاء المؤتمر الوطني العام مشوَّشون بشأن جداول أعمالهم، ناهيك عن نجاح الكتل السياسية مراراً وتكراراً في تعطيل التصويت على مسائل مهمة عبر الخروج من البرلمان وإفشال النصاب.

ويزيد غياب تنظيم الأحزاب السياسية من حدّة المشاكل التي يعانيها المؤتمر الوطني العام. فعلى الرغم من أن واضعي الإعلان الدستوري لم يمنحوا الأحزاب السياسية سوى 80 مقعداً من أصل 200 في المؤتمر الوطني العام، إلا أنهم فشلوا في إرساء أسس علاقة رسمية بين أعضاء الأحزاب والمستقلين داخل الندوة البرلمانية. وقد نجحت الأحزاب في الالتفاف على الفارق في المقاعد (80-120) عبر تقديم مرشّحيها الأقوى للانتخابات على أساس أنهم مستقلّون. وعندما أصبح واضحاً أن المستقلّين أقلية في البرلمان، بات من السهل استمالتهم من قبل الأحزاب المسيطرة خلال جلسات التصويت على مسائل مهمة. ويعني ذلك أيضاً أنه إذا أراد المستقلّون تسويق مبادراتهم وأولوياتهم، فعليهم أن يُظهروا ولاء مؤقتاً أو دائماً للأحزاب المسيطرة. كما أن العجز عن تنظيم الأحزاب بطريقة رسمية من خلال وسائل شائعة على غرار تعيين مشرفين على إجراءات التصويت في الأحزاب، ولّد إرباكاً على مستوى الكتل المختلفة وتبديلها لمواقعها، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف رؤساء الأحزاب الذين غالباً مايعجزون عن تأمين الوحدة في صفوف الحزب خلال جلسات التصويت، كما جعل من الصعب إدارة عملية النقاش وصنع القرارات.

كان يجدر بالمؤتمر الوطني العام التركيز على إدارة العملية الدستورية مع تخصيص الوقت الكافي لمحاولة تصحيح الأضرار التي تسبّبت بها الحرب. بيد أن الفترة الزمنية المفرطة في التفاؤل التي حدّدها الإعلان الدستوري عزّزت الانطباع بأن العملية الانتقالية ستكون لعبة غالب ومغلوب بالنسبة إلى الأحزاب السياسية. وفضلاً عن سوء توزيع الأولويات على مستوى الواجبات، تجلّى ذلك من خلال إهمال المبادرات قصيرة المدى التي تشكّل حاجة ماسّة للبلاد - مثل نظم العدالة الانتقالية وإنشاء شبكة حكم محلية تتمتع بالفاعلية على صعيد البلاد - واستبدالها بمشاريع إنمائية ضخمة وطويلة المدى يستحيل تطبيقها في الوقت الحالي. وقد كانت هذه المشاريع مصدراً لفساد واسع النطاق يصب، إلى جانب تأجيج الاستياء من السلطات المركزية، في إطار ذهنية الغالب والمغلوب، إذ يعتبر السكّان أن عليهم المطالبة الآن بلتبية احتياجاتهم، وإلا سيكون مصيرهم التجاهل على يد نسخة جديدة من النظام القديم.

يتعرّض المؤتمر الوطني العام إلى ضغوط متزايدة مع اندلاع الاحتجاجات في كل المراكز السكنية تقريباً في ليبيا للمطالبة بإسقاطه في السابع من شباط/فبراير الجاري. وقد تفاقمت الأوضاع في الأسبوع التالي عندما هدّدت الميليشيات بإغلاق المؤتمر الوطني العام بالقوة - وتوقيف أعضائه - إذا لم يتنحّوا. بدأ أعضاء المؤتمر بالاستقالة من مناصبهم، وحتى الكتل السياسية الأكبر تُظهر، ولو بتردّد، تأييدها للمطالبات بالعمل على تنظيم انتخابات عامة جديدة. بيد أن هذه الخطوة لن تتمكّن من إيجاد حل جذري للمسألة. فقد أخفق المؤتمر الوطني العام في الإقرار بأخطائه والعمل على الحؤول دون تكرارها، مايجعل المجلس الذي سينبثق عن الانتخابات المقبلة معرّضاً إلى الإخفاق بالطريقة نفسها، مع العلم بأنه من شأن وضع خريطة طريق مفصّلة أن يُحيي الآمال لدى الشعب الليبي، ويساهم في تصويب مسار السلطات الليبية، مع تثبيت الديمقراطية الناشئة في إطارٍ من الكفاءة السياسية.

لقد أقرّ المؤتمر الوطني العام رسمياً بالحاجة إلى خريطة طريق، وكانت للسياسيين انطلاقة جيّدة من خلال اقتراح تعديل المادة 30 (حول جدول مواعيد المرحلة الانتقالية) عبر منح الهيئة التأسيسية سلطة تمديد المهلة الممنوحة لها لصياغة الدستور. من شأن إضافة نظم شاملة للضوابط والتوازنات وتطبيق النظام الداخلي البرلماني أن يعزّزا فاعلية المهلة المخصصة لصياغة الدستور. فضلاً عن ذلك، إذا ركّز السياسيون سلطتهم على تحقيق الأهداف الضرورية في المرحلة الانتقالية - الإشراف على العملية الدستورية، وتصحيح الأضرار التي تسبّبت بها الحرب، وإنشاء منظومة للعدالة الانتقالية، وتثبيت دعائم منظومة الحكم المحلي في مختلف مناطق البلاد - فيمكنهم التخلّص من إغراء المشاريع الأكثر أبّهة وتحقيقاً للأرباح عبر رفض إقرارها. ومن خلال توزيع المسؤوليات بطريقة واضحة، يمنحون الليبيين توقّعات راسخة بشأن ماينتظرهم في العام المقبل، وعلى هذا الأساس يستطيع الناخبون محاسبة ممثّليهم في حال فشلوا في تلبية تلك التوقّعات.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنجليزية

طارق المجريسي محلل مستقل مقيم في لندن متخصص في السياسة والحكم في ليبيا والعالم العربي.