تحدّى حصار اليرموك الذي بدأ في تموز/يوليو 2013، ديناميكيات النزاع السوري. فهو لم ينزع المصداقية فقط عن نظام الأسد الذي كان يقدّم نفسه نصيراً للنضال الفلسطيني، بل جرّد أيضاً القيادة الفلسطينية نفسها من المصداقية. كان اللاجئون الفلسطينيون مصمّمين على البقاء على الحياد طيلة النزاع السوري. فبعد القرار الفلسطيني المشؤوم بالتدخّل والانحياز في الحرب الأهلية اللبنانية وحرب الخليج الأولى، ما أدّى في الحالتين إلى اضطهاد الفلسطينيين وطردهم، اعتبر فلسطينيو اليرموك أنه من الأفضل لهم أن ينأوا بأنفسهم عن النزاع السياسي السوري كي يتمكّنوا من الصمود والبقاء. ولكن، تبيّن أن ذلك ليس بالأمر السهل.

أنشئ مخيم اليرموك في العام 1957 في منطقة تابعة لمحافظة دمشق تقع على بعد بضعة أميال من وسط العاصمة، ويُعتبَر مخيّماً غير رسمي للّاجئين الفلسطينيين. اليوم، لايزال السكّان المحليون يسمّون هذا المكان الذي لاتتعدّى مساحته ميلاً مربعاً، "المخيم"، لكنه في شكل أساسي ضاحية من ضواحي دمشق مع سوق مزدهرة تستقبل نحو مليون لاجئ فلسطيني وعراقي، فضلاً عن المواطنين السوريين. إلا أن هذا الحي الذي يضمّ التركّز الأكبر من الفلسطينيين في سورية (160 ألف فلسطيني في العام 2011)، يبقى في قلب هويّة اللاجئين الفلسطينيين وثقافتهم. فقد وجد الفلسطينيون من مختلف الفصائل السياسية، فضلاً عن الفنّانين والناشطين والممثّلين والموسيقيين، موطناً لهم في هذا المكان، لأن بشار الأسد سمح، على غرار والده، للقضية الفلسطينية باستخدام وسائل محدودة للتعبير عن الرأي طالما أن هذه القضية كانت تساهم في بناء العبادة لشخصه ولم تُهدّد حكمه قط.

بيد أن هذا الوضع تغيّر في العام 2012 عندما بدأ الثوّار يختبئون في اليرموك الذي كان يُعتبَر سابقاً أرضاً محايدة، وقد ردّ الجيش بقصف المكان. وهكذا، وجدت الفصائل السياسية الفلسطينية في دمشق نفسها مضطرة إلى الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك. وأُقحِمت حركة حماس في وضع حرج جرّاء تعرّضها للضغوط من فريقَين اثنين هما: الإخوان المسلمون والفلسطينيون المتعاطفون مع المعارضة من جهة، وإيران والنظام السوري العلوي اللذان يُقدّمان لها الرعاية والتمويل من جهة أخرى. وفي مطلع العام 2013، ابتعدت حماس عن رعاتها السوريين وتحوّلت نحو قطر ومصر، معلنةً أن الأسد "اتّخذ الخيار الخطأ". في غضون ذلك، ناشدت السلطة الفلسطينية الفلسطينيين البقاء خارج النزاع، لكن تبيّن أن كلام الرئيس عبّاس عن تبنّي الحياد عقيم، كما أنه جاء متأخراً، لاسيما أن مجموعات على غرار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة كانت قد بدأت الدفاع عن النظام السوري. حتى إن الجبهة تعاونت مع الشبيحة من أجل فرض الحصار على اليرموك. وقد عمد سكّان اليرموك إلى إحراق مقر الجبهة الشعبية في حزيران/يونيو 2011 تعبيراً عن غضبهم الشديد من تقويض الجبهة للحياد الفلسطيني واصطفافها إلى جانب نظام متورّط في قتل الفلسطينيين. وفي العام 2012، حاربت تنظيمات فلسطينية أخرى على غرار لواء العاصفة إلى جانب الثوّار السوريين في المخيم. نظراً إلى هذا التصدّع الشديد في القيادة الفلسطينية، أصبح اليرموك عرضة للهجمات من مختلف الأطراف.

بما أن اليرموك اعتُبِر بحكم موقعه البوّابة للسيطرة على دمشق، تحوّل المخيم إلى بؤرة للنزاع الأوسع، حيث كان الجيش السوري النظامي يسيطر على البوابة الشمالية، في حين يتمركز الثوار عند الطرف الجنوبي، فيما بقي نحو 20 ألف مدني محتجزين في الداخل. ولم ينقضِ وقت طويل حتى سيطر المتطرّفون والمجرمون على المعارضة السورية، فتضاءل الدعم الفلسطيني لوجودهم. فقد بدأت المجموعات المسلّحة تنهب المنازل وتقتحم المستشفيات وتتمركز فيها، وتستحوذ على الإمدادات القليلة المتبقّية. ومنذ آب/أغسطس إلى كانون الأول/ديسمبر 2013، لم يدخل أي شيء إلى مخيم اليرموك ولم يخرج منه أحد. بدأ الناس يأكلون العشب ويغلون نبات الصبّار ليجدوا مايقتاتون به. وأصدر أحد الأئمة فتوى تجيز أكل الكلاب والقطط. تسبّب سوء التغذية وجفاف المياه من الجسم والأمراض القابلة للعلاج بوفاة مايزيد عن مئة شخص. وبما أنه لم يتبقَّ سوى القليل من الإمدادات، سجّلت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً شديداً، فوصل سعر كيلو الأرز إلى 70 دولاراً بحلول كانون الأول/ديسمبر 2013. وعندما نفد المال، أرسل الأقارب والأصدقاء مزيداً من الأموال إلى سورية، والتي كانت تُهرَّب لاحقاً إلى المخيم. وعندما نفدت الإمدادات، استُخدِمت تلك الأموال لدفع الرشاوى إلى الحرّاس كي يفتحوا البوّابات لبضع دقائق ويسمحوا بدخول المواد الغذائية والأدوية.1

رداً على الحصار، نشر سكّان اليرموك صوراً مؤثّرة عن الأزمة عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي بهدف محاسبة قادتهم والمجتمع الدولي. وهكذا انتشرت عبر الإنترنت صور موجعة لأطفال يتضوّرون جوعاً وأولاد يصرخون ويبكون طلباً للطعام والمياه في اليرموك. وسرعان مانشر الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة، تضامناً مع شعبهم في سورية، صور أولاد يرفعون أرغفة خبز كُتِب عليها "مخيم اليرموك". ونشر ناشطون شريط فيديو ظهر فيه شباب أباة إنما محاصَرون يقفون في شوارع اليرموك المدمّرة حول عازف بيانو وينشدون "يا مهجّرين عودوا... اليرموك نحنا نكون وعنّو ما نتحوّل".

وقد توحّد عشرات آلاف الأشخاص حول العالم لنشر التوعية حول الحصار، بدءاً من المجموعتَين اللتين أُطلِقتا عبر موقع فايسبوك، "من تونس هنا اليرموك" و"مخيم اليرموك نيوز المؤيدة"، ومروراً بالحفلات الموسيقية لجمع الأموال في لندن، ووصولاً إلى القراءات الشعرية في غلاسغو. وأطلقت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حملة عبر موقع "ثاندركلاب" انضم إليها أكثر من 11 مليون شخص. وقد استنهضت هذه الحملة مشاعر القادة العرب والمجتمع الدولي، فبادروا إلى المطالبة بممرّ إنساني. وأطلق عباس، استجابةً إلى ناخبيه وحفاظاً على موقعه، جولات عدّة من المفاوضات مع النظام السوري، فوصلت كميّة صغيرة جداً من المواد الغذائية والإمدادات الطبية إلى مخيم اليرموك في كانون الأول/ديسمبر 2013. وبعد شهر ونيّف، وافقت مجموعات الثوّار السورية وقوات النظام على هدنة هشّة، وغادر الثوّار السوريون المخيم لتحلّ مكانهم فصائل فلسطينية متحالفة مع النظام السوري. وسمح الاتفاق بدخول كميات محدودة من المواد الغذائية والأدوية إلى المخيم لتوزيعها على السكان، لكن الأمم المتحدة لاتزال تواجه يومياً العراقيل في إيصال المساعدات. لم تعمّر الهدنة طويلاً؛ فلم تكد تنقضي أيام عليها حتى دخلت جبهة النصرة وجماعات متطرّفة أخرى إلى المخيّم من جديد، ويُشاع أنها أعدمت 21 شخصاً على مرأى من الجميع. لم تعد الأضواء مسلّطة على اليرموك كما في السابق، لكن المنطقة لاتزال في صلب النزاع الأوسع، ولن تنجح الهدنات العابرة في حماية سكّان المخيم.

في غياب قيادة فلسطينية موحّدة، سيستمرّ اللاجئون الفلسطينيون أينما ذهبوا في تحمّل وطأة الأزمات على غرار أزمة اليرموك. لقد تراجع دعم الفلسطينيين للأسد إلى حد كبير. ربما اتّخذت حماس قراراً جيداً في الظاهر بمغادرة سورية، إلا أنها تخلّت فعلياً عن اليرموك. ونتيجة لذلك، خسرت المساعدات الإيرانية التي تصل قيمتها إلى 300 مليون دولار. ثم خسرت الحركة أيضاً شركاءها في مصر، الإخوان المسلمين، كما خسرت نفق غزة. وقد تسبّبت خسارة المساعدات الإيرانية والإمدادات التي كان النفق يؤمّنها، بإضعاف حماس التي تزحف الآن من جديد باتجاه إيران وتتراجع شيئاً فشيئاً عن معارضتها للأسد. وعبّاس المنشغل ببعض الجولات الأقل شعبية في تاريخ المفاوضات مع إسرائيل، في واحدة من أضعف المراحل التي تمرّ بها القيادة الفلسطينية، لم يحسّن صورته أيضاً. فبوجود نحو 270 ألف لاجئ فلسطيني مهجّر داخل سورية و80 ألفاً خارجها، ليس الوقت مناسباً على الإطلاق ليفكّر عباس نهائياً في التخلّي عن حق العودة.

في الأردن ولبنان والكويت والعراق وليبيا، والآن سورية، يجد الفلسطينيون أنفسهم عالقين في أزمة تلو الأخرى من دون دولة أو حتى حماية من الأونروا، كما أنهم لايملكون الأوراق الثبوتية اللازمة للهروب من هذه النزاعات. ويُقدّم الاجتياح الأخير لليرموك على أيدي الجماعات المتطرّفة مثالاً إضافياً على حظهم العاثر. من شأن التوصّل إلى تسوية غير عادلة للمسألة الفلسطينية في المفاوضات الحالية أن يُبقي في أفضل الأحوال على الوضع القائم، حيث يظل الفلسطينيون في موقع هش في النزاع المقبل؛ ويمكن أن يتسبّب، في أسوأ الأحوال، بإشعال حرب. في حين يسود الانقسام في صفوف القيادة الفلسطينية حول المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية والنزاع السوري، استخدم سكّان اليرموك بفعالية أدوات التواصل الاجتماعي التي برزت في الربيع العربي للمطالبة بالحماية الإنسانية. ويمكنهم أن يستعينوا بأشكال التعبير نفسها من أجل التصدّي إلى أي حلّ غير مرضٍ لمحنتهم الأوسع نطاقاً، بدعم من القيادة أو من دونه.

ناتاشا هول محلّلة متخصصة في أزمات اللاجئين والأزمات الإنسانية. قامت بعمل ميداني مع اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين في سورية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. بالاستناد إلى مقابلات أجرتها الكاتبة مع مصادر محلية.