ترشّح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، 77 عاماً، لولاية رابعة، مايؤشّر إلى أن النخب السياسية الجزائرية لاتسعى، أقلّه في الوقت الحالي، إلى سلوك مسار يقود نحو إصلاح المنظومة الداخلية. وقد انطبعت ولاية بوتفليقة الثالثة (2009-2014) في شكل أساسي بالجهود الآيلة إلى إبعاد تداعيات الربيع العربي. ولهذه الغاية، لجأ الرئيس إلى التصدّق على الناس اقتصادياً على طريقة الأسلوب التقليدي المتّبع في الدول الغنية بالنفط والغاز. ستظل آفاق الإصلاح قاتمة في حال استمرار بوتفليقة في الحكم لولاية رابعة؛ ولايُتوقَّع سوى حدوث تعديلات ضئيلة، مثل إقرار تعديل دستوري ينص على استحداث منصب نائب الرئيس من أجل حدوث انتقال سلس للسلطة إلى الشخص الثاني في التراتبية القيادية في حال وفاة بوتفليقة فجأة. ونظراً إلى وجود العديد من مراكز النفوذ المتنافسة في الجزائر - الرئاسة والجيش، في ظل انقسامات داخلية في صفوف الجيش - السؤال الحقيقي هو إذا كان النظام الحالي قادراً على إنتاج مسار إصلاحي من الداخل، وتحديداً هل يمكن التوصّل إلى إجماع حول خطوات أساسية مثل تعزيز القضاء ومكافحة الفساد من خلال إجراءات جدّية وفعلية؟ تشير الديناميات الحالية على مشارف الانتخابات إلى أن احتمالات التوصّل إلى إجماع أو إجراء إصلاحات فعلية ضئيلة جداً، وذلك لأسباب متعدّدة.

أولاً، تزداد الانقسامات بين السياسيين الجزائريين على الساحة العامة. وقد تعمّقت الخلافات بين أنصار بوتفليقة وخصومه في أوساط النخب السياسية والعسكرية والإدارية والاقتصادية، ولاسيما في صفوف جبهة التحرير الوطني والمجموعات التي تدور في فلكها، و"الأسرة الثورية" بكاملها (المجموعات الاجتماعية والتنظيمات التي تستمدّ هيبتها وامتيازاتها من ارتباطها بحرب الاستقلال)، ومجموعات اللوبي الاقتصادية (مثلاً منتدى رؤساء المؤسسات). وقد بلغ التراشق الكلامي وتبادل الاتهامات في الصحافة المطبوعة الخاصة وعبر الإنترنت مستويات غير مسبوقة. أياً تكن هويّة الفريق الذي سيخرج منتصراً من الانتخابات، سوف يواجه مقاومة شديدة من الفريق الآخر. ولذلك غالب الظن أن التعطيل السياسي سيتواصل وسوف تغيب الإصلاحات الفعلية.

ثانياً، كان مرشّحو المجتمع المدني ذوو الميول الديمقراطية مجرّد متفرّجين، وقد انسحبوا من السباق أو لم يتمكّنوا من استيفاء الشروط الرسمية للترشّح. يعتبر الأفرقاء الذي يريدون الإبقاء على الوضع القائم في البلاد أنه ليس من مصلحتهم عرقلة مشاركة هؤلاء المرشّحين في المرحلة الأولى من "العرض" الانتخابي، لأن وجودهم يساهم في الإيحاء بأن البلاد تنعم بأجواء من التعدّدية السياسية والتنافس. كما أنه يعزّز الانشقاق العام الذي يستمدّ منه النظام الجزائري استمراريته. فالسياسيون والناشطون الذين يدعون إلى الإصلاح ينقسمون إلى معسكرَين. يدعم المعسكر الأول ترشّح بن فليس، رئيس الوزراء السابق والأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني، الذي يقوم برنامجه الانتخابي على ترسيخ سيادة القانون وتعزيز الحريات السياسية أملاً في إجراء إصلاح، ولو سطحي. أما المعسكر الثاني فيعتبر بن فليس جزءاً من النظام ويدعو إلى مقاطعة الانتخابات - ويضمّ هذا المعسكر حركة مجتمع السلم (الحزب الأقوى في المشهد الإسلامي القانوني المجزّأ والمتقهقر)، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وهو حزب ليبرالي علماني، والمرشّحين الرئاسيين الذين خاب ظنّهم وانسحبوا من السباق (أحمد بن بيتور وسفيان جيلالي وسواهما). على ضوء التجربة التونسية، يأمل مؤيّدو مقاطعة الانتخابات في أن تؤدّي التعبئة الجماهيرية السلمية إلى إطلاق عملية انتقالية، لكن حتى الآن كانت هذه التعبئة - على الرغم من اكتسابها زخماً - مجزّأة جداً بحيث إنها لاتشكّل تهديداً جدّياً للوضع القائم. وإذا كانت الحكومة تلجأ إلى التضييق على الناشطين المؤيّدين للمقاطعة في حركة بركات (كفى)، فالسبب هو خشيتها من تدنّي نسبة الاقتراع مايؤدّي إلى تجريد الانتخابات من شرعيتها. 

ثالثاً، تدفع الديناميات العلنية وتلك التي تدور خلف الكواليس، في اتجاهات مختلفة. ففي حين تخوض الطبقة السياسية والنخب الاجتماعية مواجهة علنية، يبدو أن صانعي القرارات البارزين في الجيش وجبهة التحرير الوطني وسواها من الأحزاب التي تدور في فلك النظام، وكذلك في الميدان الاقتصادي، توصّلوا إلى إجماع خلف الكواليس حول إبقاء بوتفليقة في الرئاسة لولاية رابعة. فقراره بالترشّح يعني ضمناً أنه واثق من الحصول على دعم واسع في صفوف القياديين العسكريين الكبار الذين يعتبرون أنه الوحيد القادر على إبقاء المشهد السياسي على ماهو عليه، والحفاظ على مصالحهم الشخصية. وقد وصف البعض، بعبارات لا لبس فيها،  النظام الجزائري بأنه كارتل يتحرّك داخل مؤسسات الدولة؛ ولذلك من شأن الإصلاحات الضرورية جداً من أجل تعزيز استقلالية النظام القضائي، أو محاربة الفساد بطريقة فعّالة، أن تؤدّي إلى زعزعة الركائز التي تقوم عليها المصالح الشخصية الراسخة. ليس صانعو القرارات الكبار خلف الكواليس مستعدّين للمجازفة بإجراء إصلاحات حقيقية، وخير دليل على ذلك أنهم لم يدعموا رئيس الوزراء السابق مولود حمروش الذي يُعتبَر الشخص الأكثر قدرة على بناء إجماع وقيادة الجزائر نحو انتقال ديمقراطي. فقد أدّى دوراً أساسياً في الربيع الجزائري قبل 25 عاماً (والذي يُعَدّ حتى الآن المرحلة الأكثر ديمقراطية في تاريخ البلاد)، ويحظى باحترام واسع وسط الأفرقاء المؤيّدين للإصلاح والجزء الأكبر من المعسكر الإسلامي المنقسم، كما تجمعه روابط جيدة بشخصيات بارزة في الجيش. وقد توقّع كثرٌ أن يترشّح للانتخابات لكنه لم لا يرى تأييدا كافيا من طرف النخب لبرنامجه الإصلاحي.

أخيراً، أظهرت ديناميات الانتخابات أن الطبقة السياسية - وشرائح مهمّة من السكّان - تَقبل على نطاق واسع بأن يكون الجيش العمود الفقري للنظام. عندما وجّه عمار سعداني، الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، انتقادات لاذعة في شباط/فبراير الماضي لدائرة الاستعلام والأمن (أي جهاز الاستخبارات الجزائرية) على وجودها الطاغي في السياسة وفشلها في ردع الهجمات الإرهابية الكبرى، جوبِه كلامه بموجة واسعة من التنديد. فقد أدان المرشّحون للرئاسة بما في ذلك الإصلاحيون، فضلاً عن قادة الأحزاب والصحافة الخاصة والرئيس نفسه، بشدّة هذا الهجوم على "مؤسسة وطنية أساسية" ودافعوا عن رئيسها، الفريق محمد "توفيق" مدين. لكن سعداني عبّر فقط في العلن عما يردّده عدد كبير من أعضاء الطبقة السياسية، بمن فيهم أولئك الذين يدافعون الآن عن دائرة الاستعلام والأمن، خلف الأبواب المغلقة. حفنة ضئيلة من الأطراف، مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهو حزب هامشي، وحركة مجتمع السلم الإسلامية، لم تنضم إلى الجوقة. وقد دعا المرشح الرئاسي السابق، العميد المتقاعد محند الطاهر يعلى، الجيش علناً إلى منع الرئيس بوتفليقة من الترشّح لولاية رابعة. وقال مولود حمروش في كلام أكثر دقّة إنه لايمكن أن تنجح العملية الانتقالية إلا بدعم قوي من الجيل الشاب من الجنرالات، مع العلم بأنه ليس واضحاً على الإطلاق إذا كان هذا الجيل سيدفع باتّجاه انتقال ديمقراطي. فالجهود الواضحة التي بذلها الرئيس بوتفليقة لدفع الجنرالات المتقدّمين في السن نحو التقاعد تكشف عن يقين لديه بأن الجيل الشاب من القادة العسكريين لن يتآمر ضده أو يعمل على إضعاف النظام القائم.

انطلاقاً من هذه الديناميات، حتى لو وصل إلى الرئاسة شخص ملتزم بالإصلاح، سيجد صعوبة في بناء إجماع من أجل إطلاق العملية الانتقالية على المسار الصحيح. الناخبون الجزائريون قلقون بشأن الاستقرار، ويخشون عودة أعمال العنف كما في التسعينيات. ويُستبعَد أن يدعموا أي توجّهات من شأنها أن تخلّ بالاستقرار، حتى ولو كان ذلك يعني التخلّي عن فرصة سانحة لتحقيق الإصلاح. تتراوح التحدّيات المطروحة على الجزائر من النزاع الإثني والتململ الاجتماعي والتهديدات الأمنية إلى الزيادة الهائلة في استهلاك الطاقة في الداخل والتغييرات في أسواق الطاقة العالمية، والتي تُهدّد بصورة متزايدة السياسة الحكومية القائمة على شراء الولاء وتهدئة التململ الاجتماعي عن طريق توزيع الريع. وهكذا فإنّ صانعي القرارات الجزائريين يواجهون، عبر الإحجام عن المجازفة لرفع هذه التحدّيات، خطراً أكبر بكثير بتجدّد عدم الاستقرار في البلاد.

إيزابيل ورنفلز رئيسة قسم الأبحاث عن الشرق الأوسط وأفريقيا في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ومؤلّفة "إدارة اللااستقرار في الجزائر: النخب والتغيير السياسي منذ العام 1995".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.