تتيح زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى الجزائر، فرصة لمناقشة التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب مع شريكٍ أساسي ولو كان متردّداً. فنظراً إلى تداعيات الربيع العربي والفوضى التي تسبّبت بها أزمة مالي عند الحدود الجزائرية، وتسليط هجوم عين أميناس الضوء على انعدام الأمن داخل الأراضي الجزائرية، اضطُرَّت الجزائر، ولو على مضض، إلى تعزيز تعاونها الاستراتيجي مع جيرانها. لكن تجدر الإشارة إلى أنه حتى قبل هذه الأحداث، لطالما استثمرت الجزائر في الأمن الإقليمي، فأصبح لها وجودها في مختلف هيكليات التعاون الأمني الأفريقي.

ارتقى وزير الخارجية الجزائري رمضان لعمامرة إلى المنصب الدبلوماسي الأول بعدما كان مفوّض دائرة السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي لسنوات عدّة (2008-2013). تضم هذه الدائرة التي تُعَدّ الأكثر حيوية في الاتحاد الأفريقي، مجلس السلم والأمن الذي يوازي في أفريقيا مجلس الأمن القومي الأميركي، ويتولّى المفوّض صلاحيات نافذة، مثل تمثيل الدائرة في الشأن العام ووضع جدول أعمال اجتماعات السفراء في مجلس السلم والأمن لتقويم النزاعات والأزمات الدائرة في القارة الأفريقية. خلال تسلّمه منصب المفوّض، كان لعمامرة - الملقّب بـ"السيد أفريقيا" - الشخصية الأبرز في الاتحاد الأفريقي بعد الرئيس. وكان واحداً من مسؤولين جزائريين كثر يتسلّمون مناصب أساسية في الاتحاد الأفريقي في مجالَي الأمن ومكافحة الإرهاب. قبله، كان سعيد جنيت، أول مفوّض لدائرة السلم والأمن (2002-2008)، قيادة آليات السلام الأفريقية، وبينما كان يعمل في منظمة الوحدة الأفريقية سلف الاتحاد الأفريقي ساعد على تصميم الهندسة الأفريقية للسلم والأمن أي الإطار الذي يدير الاتحاد الأفريقي من خلاله السلم والأمن في القارة.

ومنذ ذلك الوقت، استثمرت الجزائر بقوّة في الهندسة التي ساهم جنيت في تصميمها. وقد كان الرئيس الجزائري الأول، أحمد بن بلة، حتى وفاته في العام 2012، رئيس لجنة حكماء أفريقيا والممثّل الوحيد لدول الشمال فيها، وهي عبارة عن هيئة تضم خمس شخصيات مرموقة من المناطق الخمس في أفريقيا يؤدّون دور الوسطاء في النزاعات كما يقدّمون المشورة لرئيس الاتحاد الأفريقي. ودعمت الجزائر أيضاً الجهود الهادفة إلى تعزيز لواء الاحتياط الشمالي التابع لقوة الاحتياط الأفريقية، أي الذراع التنفيذي لمجلس السلم والأمن المعني بالتدخّل السريع فضلاً عن دعم السلام والعمليات الإنسانية. كما ساهمت الجزائر في تطبيق خطة عمل الاتحاد الأفريقي لمكافحة الإرهاب ومحاربته عبر استضافة المركز الأفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب (المعروف أكثر بالاسم الفرنسي المختصر CAERT)، الذي يسعى إلى توجيه جهود مكافحة الإرهاب وتنسيقها في مختلف أنحاء أفريقيا.

هذه الاستثمارات طويلة المدى في الهندسة الأفريقية للسلم والأمن، فضلاً عن تعيين بيروقراطيين جزائريين في مناصب أساسية في الأمم المتحدة مثل مكتب الأمم المتحدة لدى الاتحاد الأفريقي، ومكتب الأمم المتحدة لغرب أفريقيا (حيث يتولّى جنيت حالياً منصب المبعوث الخاص لأمين عام الأمم المتحدة)، قد تبدو متناقضة مع صورة الجزائر المنعزلة والتي لاتُبدي ارتياحاً للتعاون الإقليمي والدولي. قد يقول المتفائلون إن الجزائر تستحق التقدير لدورها في الخطوات التي قُطِعت نحو تحقيق الهندسة الأفريقية للسلم والأمن، على الرغم من أن هذه الخطوات ناقصة ومتزعزعة، كما أنهم يشيرون إلى تشدّد الاتحاد الأفريقي في التعامل مع التغييرات غير الدستورية في الحكم، ونشر قوات تابعة للاتحاد في بعثات لدعم السلام في الصومال ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى.

في المقابل، يقول المشكّكون إن وجود الجزائر الطاغي في الاتحاد الأفريقي يندرج في إطار مخطّط مدبّر من أجل تسخير التعاون الأمني الأفريقي ومكافحة الإرهاب بهدف تحقيق مصالح ضيّقة. قد يكون الهدف الأساسي من تعيين جزائريين في المناصب المهمة إبقاء الهندسة الأفريقية للسلم والأمن تحت السيطرة. فقد حلّ اسماعيل شرقي (منذ 2013) مكان لعمامرة في منصب مفوّض السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي، وهكذا ظلّ المقعد حكراً على دولة واحدة، في حين انتقلت مناصب المفوّضين السبعة الأخرى في الاتحاد الأفريقي من دولة إلى أخرى، مرّة واحدة على الأقل، خلال الأعوام الاثني عشر الماضية. وبالإضافة الى  ذلك، أطلقت الجزائر، بمعزل عن الهندسة الأفريقية للسلم والأمن، مبادراتها الخاصة في مجال التعاون الأمني بين مايُعرَف بدول منطقة الساحل، مثل القيادة الإقليمية للعمليات المشتركة لمكافحة الإرهاب ومقرّها تمنراست في جنوب الجزائر. 

يجد المشكّكون مادّة دسمة في حالات التقاء تحرّكات الاتحاد الأفريقي مع الأولويات الجزائرية في الجزائر. فعلى سبيل المثال سعى المركز الأفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب جاهداً من أجل إنشاء "وحدات الدمج والارتباط" لمشاطرة الاستخبارات حول مكافحة الإرهاب في بلدان الساحل التي ترتدي أهمية محورية بالنسبة إلى الجزائر. وكذلك حصلت القدرة الأفريقية للاستجابة الفورية للأزمات - وهي عبارة عن قدرة مستحدَثة للتدخّل بتوجيه من الاتحاد الأفريقي في الحالات التي قد تنشأ مستقبلاً، على غرار الأزمة الأخيرة في مالي - على الدعم من الجزائر. منع المركز الأفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب المندوبون من المغرب الذي يُعَدّ المنافس الأساسي للجزائر على النفوذ في الجوار، من حضور اجتماع دولي الذي شارك المركز استضافته مع منتدى مكافحة الإرهاب العالمي والفريق العامل في الساحل. 

ثمة عوامل كثيرة تُخيِّب أمل من يتطلّعون إلى تعاون أمني راسخ في المغرب العربي ومنطقة الساحل، وأفريقيا عموماً، إلا أنه ينبغي على الشركاء عدم الاستسلام لوجهات النظر التشاؤمية عن دور الجزائر في الأمن الإقليمي. فقد التزمت هذه الأخيرة، بصبر وروية، بالاتحاد الأفريقي والهندسة الأفريقية للسلم والأمن، بغض النظر عن دوافعها. إلى جانب الطلب من الجزائر تعزيز انتفاحها الأخير على التعاون الأمني مع جيرانها، لدى المجتمع الدولي كامل الحق في تحدّيها كي تضطلع على أكمل وجه بالدور القيادي الذي تدّعيه لنفسها. وتملك الدول الشريكة، ولاسيما الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، أسباباً وجيهة جداً لقياس إصرار الجزائر على التمتّع بالحضور والسلطة في الاتحاد الأفريقي بالمقارنة مع أدائها والنتائج التي تُحقّقها. يجب أن تشكّل المباحثات على غرار اللقاء بين كيري ولعمامرة هذا الأسبوع، فرصةً ليس لنقاش التدابير الجزائرية الأخيرة في مجال التعاون الاستراتيجي دون الإقليمي وحسب، بل أيضاً لتقويم التطوّرات والتوقّعات حول التقدّم نحو السلام والأمن عن طريق الهيكليات الأمنية الإقليمية التي استثمرت فيها الجزائر بقوّة طيلة سنوات.

بنجامين نيكلز باحث الكرسي الأكاديمي للتهديدات العابرة للأوطان ومكافحة الإرهاب في مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية (ACSS). الآراء الواردة هنا تعبّر عن وجهة نظره الشخصية.