يطرح الشرخ الحالي بين السعودية وقطر في مجلس التعاون الخليجي تحدّياً جديداً على الانتقال السياسي المشحون في اليمن. فمع احتدام التشنّجات بين الرياض والدوحة، تجد الحكومة اليمنية نفسها عالقة بين السعودية وقطر. واقع الحال هو أن قطر تستقطب تأييد عدد من الأفرقاء داخل المشهد السياسي اليمني نظراً إلى امتلاكها موارد مالية أكبر، كما أن حضورها التاريخي في اليمن أقل وطأة، مايجعلها في موقع جيّد يخوّلها تأدية دور الوسيط في النزاعات المحلية المختلفة. بيد أن صنعاء ستجد صعوبة في الابتعاد عن علاقتها الاستراتيجية المخضرمة مع السعودية. فالجوار الجغرافي والثروة والثقل السياسي تتيح للرياض ممارسة نفوذ كبير- ولامفرّ منه - في اليمن، وغالب الظن أنها ستحافظ على هذا التأثير في المستقبل المنظور.

مع أن الزبائنية لطالما طبعت العلاقات في المشهد السياسي اليمني، إلا أن الالتباس الذي يسود بعد الربيع العربي أشعل منافسة حادّة بين الفصائل النخبوية في البلاد، ليس من أجل السيطرة على الدولة وحسب، بل أيضاً منافسة على المصادر الخارجية للشرعية والدعم. لقد تمكّنت قطر والسعودية من شراء ولاء الأفرقاء المحليين بسهولة، ولاسيما على ضوء الضعف المستفحل في الدولة، وندرة الموارد الطبيعية، والانقسام المناطقي والمذهبي والقبائلي. للسعودية تاريخ طويل من التدخّل والاستثمار السياسي في اليمن، مايمنحها نفوذاً أكبر على الأطراف المحلية، ولكن يجعلها أيضاً أكثر عرضةً إلى تكوين العداوات. فعلى سبيل المثال، أثار دعم السعودية لمنح الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح حصانة شاملة من المقاضاة، غضب القوى الثورية في اليمن. في المقابل، سِجل قطر في اليمن أقل إثارة للإشكالية. فقد أدّت، مثلاً، دور الوسيط في النزاع الحوثي وقضية الحراك الجنوبي، ولذلك فإن رصيدها في اليمن أقل وطأة.

توقيت التشنّجات بين دول الخليج هو الأسوأ على الإطلاق بالنسبة إلى الرئيس اليمني المؤقت عبد ربه منصور هادي، فهو يأتي في مستهل مرحلة تطبيق نتائج الحوار الوطني العاصف الذي استمرّ عشرة أشهر. يطرح الخلاف السعودي-القطري حول الإخوان المسلمين، معضلةً بالنسبة إلى هادي الذي يسعى جاهداً إلى تثبيت شرعيّته ومعالجة المظالم الأمنية والاقتصادية المتفاقمة. ففي خضم التشوّش الذي يسود بعد الحوار، يجد هادي نفسه عالقاً بين التيار الحوثي وحزبه السياسي، المؤتمر الشعبي العام، من جهة، وبين حزب الإصلاح من جهة أخرى. يحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الدعم، ولاسيما من الإصلاح الذي اكتسب نفوذاً واسعاً بعد حشد وتفعيل الانتفاضة التي أرغمت الرئيس السابق صالح على التنحّي من منصبه. لقد نجح الإصلاح الذي يملك حضوراً راسخاً في مختلف أنحاء البلاد، في تجنيد الآلاف من أنصاره داخل الهيئات الحكومية المختلفة، بما في ذلك وزارتا الداخلية والدفاع وهيئات الحكم المحلية. يمارس الحزب الذي يضم جناحاً للإخوان المسلمين فضلاً عن العناصر القبلية بقيادة آل الأحمر وفرع سلفي، ضغوطاً على هادي للإبقاء على دور قطر في دعم العملية الانتقالية.

في المقابل، تدفع فصائل أخرى اليمن نحو السعودية. ففي 22 آذار/مارس الماضي، نُظِّم تجمّع قبلي كبير على ارتباط بالمؤتمر الشعبي العام - الحزب اليمني الأكثر تنوّعاً على المستوى الأيديولوجي، والذي لايزال تحت قيادة الرئيس السابق صالح - في صنعاء للدعوة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر. واتّهم التجمّع الدوحة بالتسبّب بالاضطرابات ودعم الإخوان المسلمين في اليمن. وجاء الاتّهام بعد أسبوعَين من قيام الحكومة السعودية بتصنيف الإخوان رسمياً في خانة المنظمات الإرهابية، في خطوةٍ لقيت ترحيباً واسعاً من المؤتمر الشعبي العام والتيار الحوثي. لكن الشخصية العسكرية الأكثر نفوذاً في اليمن، اللواء الركن علي محسن الأحمر، الذي يشغل أيضاً منصب المستشار العسكري للرئيس هادي منذ نيسان/أبريل 2013 ويتمتّع بشبكة واسعة من الدعم في المعسكر الإسلامي، اتّهم إيران بتأجيج التشنّجات بين الرياض والدوحة. وهو يحاول، من خلال هذه الخطوة، استرضاء البلدَين؛ فالدفاع عن السعودية من دون إثارة غضب قطر يساعده على الظهور في موقع الشخصية التوفيقية، ومنع حدوث شرخ سياسي في صفوف الجيش.

لكن على النقيض من تونس ومصر، حيث المعركة السياسية الأساسية هي بين المجموعات القومية وتلك التي تملك ميولاً يسارية من جهة، وبين مجموعات اليمين الديني من جهة أخرى، أصبحت خطوط المعركة في اليمن مشوّشة كما أنها تتبدّل باستمرار. حتى الجيش، المؤسسة الوحيدة التي ترتدي أهمية محورية في حاضر الأمن اليمني ومستقبله، لايزال يعاني من انقسامات خطيرة وهو معرّض أيضاً إلى مزيد من الاستنزاف. يشكّل الجيش اليمني انعكاساً لمراكز النفوذ المتعدّدة والمتداخلة في البلاد. فالولاء داخل المؤسسة العسكرية هو للقبيلة والمنطقة والقادة الأفراد أكثر منه لمؤسسات الدولة.

ترتدي تداعيات الخلاف السعودي-القطري على ديناميكيات السياسة والأمن في اليمن، أهمية بالغة نظراً إلى عامل الجوار الجغرافي. فعلى الرغم من أن اليمن يتيح فرصة للدوحة كي تمارس رغبتها في فرض ثقلها وهيبتها إقليمياً ودولياً، إلا أنه ذات أهمية حيوية بالنسبة إلى الرياض. ليس التدخّل السعودي في اليمن مرتبطاً بالهيبة أو التأثير الإقليمي، بل يندرج في إطار الأمن القومي. فالمجتمع الاستخباراتي السعودي يرى في اليمن امتداداً عند الأطراف يجب رصده وضبطه عن كثب. لن تقبل الرياض بعملية انتقالية ناجحة يقودها الإخوان في اليمن، لأنه من شأن ذلك أن يساهم في تعزيز النظرة التي تعتبر أن الدوحة نجحت في دعم التغيير السياسي بقيادة الإسلاميين في الدول العربية غير الملَكية، كما أنه يطرح تحدّياً أيديولوجياً على الشرعية الإسلامية المستندة إلى الوهّابية في السعودية.

تحمل علاقات اليمن وسياساته تجاه الأفرقاء الخارجيين تداعيات ليس على الانتقال السياسي في البلاد وحسب، بل أيضاً على استقرار شبه الجزيرة العربية وأمنها. يمكن أن تترتّب عواقب وخيمة على اليمن جراء التفاوت في جداول الأعمال بين السعودية وقطر. فما يقف على المحك هنا ليس اقتطاع قطر حيّزاً لها في اليمن تمارس من خلاله نفوذها، ولا إبقاء السعودية على تأثيرها هناك، بل تفادي انهيار اليمن الذي من شأنه أن يطال بتداعياته المنطقة بأسرها. ولذلك فإن أحد التحدّيات الكبرى المطروحة على مجلس التعاون الخليجي هو العمل من أجل الحؤول دون انحدار الطرف الجنوبي الغربي في شبه الجزيرة العربية نحو مزيد من الفوضى، الأمر الذي يقتضي تناغماً بين الرياض والدوحة. إذا تمكّنت الدوحة من رأب علاقاتها مع الرياض، على الأقل في مايتعلّق بالشأن اليمني، فسوف يساعد ذلك اليمن على التقدّم باتجاه تطبيق نتائج الحوار الوطني التي تشكّل حالياً السبيل الوحيد المتاح للحفاظ على التوازن السياسي الهش في البلاد.

خالد فتاح باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط ومحاضِر زائر في مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة لوند في السويد.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.