على ضوء التشنّجات السعودية-القطرية الراهنة على خلفية دعم الدوحة العلني للإخوان المسلمين، دعا أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الصباح، في خطوة متوقّعة، إلى "الوحدة العربية" خلال القمة التي عقدتها جامعة الدول العربية الأسبوع الماضي. يشكّل الإخوان، بالنسبة إلى السعودية، تهديداً استراتيجياً لنموذج الحكم فيها، لأن الجماعة تعارض هيكليات الحكم الوراثية المعتمدة في الأنظمة الملَكية العربية، ومنها حكم آل سعود. فضلاً عن ذلك، مابين المواجهة التي يخوضها الجيش المصري مع الإخوان، ومايُحكى عن محاولات إيرانية لتطويق المصالح الاستراتيجية السعودية عبر دعم المجموعات الشيعية في مختلف أنحاء المنطقة، وجدت الرياض نفسها تحت الحصار، نظراً إلى عجزها عن وضع إعادة تعريف ناجحة لشراكتها الاستراتيجية مع واشنطن بغية تحقيق الالتقاء في سياساتهما حول الملفَّين السوري والإيراني. في هذا السياق، كانت قدرة السعودية على المناورة الاستراتيجية محدودة؛ لذلك، سعت إلى التأثير في الأحداث حيث يمكنها ذلك، مطالبةً حلفاءها في مجلس التعاون الخليجي بالالتزام بأولوياتها في السياسة الخارجية. وهذا مايفسّر قرارها سحب السفير السعودي من قطر مؤخراً، والذي يُعتبَر سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدَين. على الرغم من الخلافات السعودية-القطرية حول ما إذا كان يجب تصنيف الإخوان في خانة "المنظمات الإرهابية"، اقتربت الدوحة خلال العام الماضي من موقف الرياض في الملف السوري عبر خفض دعمها للمجموعات الإسلامية في المنطقة.

أتاح هذا الدعم للمجموعات الإسلامية لقطر وضع سياسة خارجية مستقلة عبر الخروج من ظل جارتها واسعة النفوذ. بيد أن فشل تلك المجموعات في انتهاز الفرص التي ولّدها الربيع العربي دفَع قطر إلى إعادة النظر في مقاربتها للأمور. فضلاً عن ذلك، بدأت رياح النزاع السوري تتحوّل العام الماضي لمصلحة النظام السوري، مع عجز الثوّار الذين دعمتهم قطر عن الحفاظ على التقدّم الذي حقّقوه. كذلك، حملت الأزمة المصرية عبرةً جديدة للدوحة مع قيام الجيش المصري بعزل الإخوان المسلمين الذين قدّم لهم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حاكم قطر سابقاً، دعماً مالياً سخياً، من الرئاسة. يبدو أن هذه المغامرات الفاشلة في سورية ومصر لقّنت أمير قطر الجديد، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، درساً مهماً: كي تحافظ بلاده على بعض من نفوذها الإقليمي الذي اكتسبته بشق النفس، لابد من تعزيز روابطها مع السعودية. وهكذا، لم يبقَ أمام الدوحة من خيار سوى تطويق ذيول خلافها العلني الأخير مع الرياض. ونظراً إلى محدودية المجال المتاح أمامها للتحرّك غالب الظن أن الشيخ تميم سيُضطر مع مرور الوقت إلى السير على خطى الرياض. فعلى الرغم من الشرخ الحالي بين البلدَين، اتّخذ الشيخ تميم خطوات ملموسة خلال العام الماضي للحدّ من دعمه للمجموعات الإسلامية في المنطقة.

يعود الخلاف في جزء منه إلى طريقة التعاطي مع الأحداث الدائرة في سورية وفشل الشيخ حمد في توقُّع حجم الدعم الروسي والإيراني للنظام السوري. فقد ازداد الشيخ حمد هشاشة مع إخفاق الدعم الواسع الذي قدّمه للثوّار في إلحاق الهزيمة بالرئيس السوري بشار الأسد. وظهر ذلك على وجه الخصوص بعدما نجحت قوات النظام، في تعاون وثيق مع مقاتلي حزب الله، باستعادة السيطرة على بلدة القصير ذات الأهمية الاستراتيجية في حزيران/يونيو 2013. وفيما كانت إيران والسعودية تُضاعفان دعمهما للكيانات المتناحرة في سورية، واجه أمير قطر انتكاسة إضافية عندما حلّ أحمد الجربا المدعوم من السعودية مكان الرئيس للائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية، على رأس المعارضة الأساسية، متفوِّقاً على المدعومين من قطر.

لم يكن أمام الشيخ تميم من خيار سوى التراجع عن دعم والده للمقاتلين الإسلاميين. مع تبدّل الوضع، تسلّمت السعودية زمام المبادرة في الدعم العربي لمجموعات الثوّار السوريين، في حين تنحّت قطر إلى المقعد الخلفي. وكان على الشيخ تميم أيضاً أن يتراجع عن الخصومة التي كانت سائدة في البداية بين السعودية وقطر، والتي تسبّبت بانقسام داخل الائتلاف الوطني السوري. وخوفاً من أن يؤدّي الدعم القطري للثوّار الإسلاميين إلى رد فعل مناوئ من الولايات المتحدة والسعودية، تبنّت قطر فعلياً موقف الرياض عبر الدعوة إلى توحيد الصفوف في مجلس التعاون الخليجي حول المسألة السورية. وكان على الشيخ تميم أن يمارس أيضاً ضغوطاً على الأعضاء الإسلاميين المتردّدين في الائتلاف الوطني السوري لحملهم على المشاركة في محادثات السلام في جنيف الشهر الماضي.

تجدر الإشارة إلى أن هذه النزعات كانت واضحة وراسخة قبل نشوء الخلاف الحالي بين السعودية وقطر. وهكذا بعدما كانت قطر تعارض التفاوض مع الأسد جملةً وتفصيلاً، عادت فأرسلت وزير خارجيتها، خالد بن محمد العطية، إلى جنيف. واقع الحال هو أن المساحة المتاحة أمام قطر لدعم الإسلاميين السنّة داخل سورية قد تقلّصت مع استئناف المحادثات الأميركية-الإيرانية، وهذا هو أحد الأسباب التي تفسّر التبدّل الكامل في موقفها وتحوُّلها نحو دعم محادثات جنيف. قد تكون الاعتبارات الاقتصادية من الدوافع التي تقف خلف هذه الانعطافة: تتقاسم قطر حقلاً للغاز مع إيران في الخليج الفارسي، وربما تشعر بأنها تحتاج إلى الحماية السعودية للاحتفاظ بقدرتها على الوصول إلى هذا الحقل في حال كانت لخصومتها مع إيران في الملف السوري تداعيات سلبية على أسواق الطاقة العالمية. بيد أن قطر تبقى نافذة على الأرض في سورية من خلال مجموعات متشدّدة على غرار لواء التوحيد الذي يسيطر على مناطق واسعة ويُنسّق مع جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة. ومن المستبعد أيضاً أن تتوقّف قطر عن تمويل المجموعات الإسلامية التي تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي، على الرغم من خطابها الداعم لإطلاق عملية من أجل المصالحة.

في خضم هذه التطوّرات، تواجه قطر هزيمة جيوسياسية أخرى في مصر. فمنذ اندلاع الانتفاضة المصرية، أظهرت قناة الجزيرة، ومقرّها قطر، تأييداً لجماعة الإخوان المسلمين، من خلال تغطيتها الإخبارية، ودعمت مسعاهم لتسلّم رئاسة البلاد. وقد أصبحت قطر النظام الملكي الوحيد في الخليج الذي يقدّم التمويل لحكومة الإخوان المسلمين. لذلك تلقّت صورة قطر في مصر ضربة قوية بعد أحداث تموز/يوليو 2013. ويُظهر توقيف 19 صحافياً يعملون في قناة الجزيرة بتهمة إقامة روابط مع "تنظيمات إرهابية"، مدى خطورة الأزمة المصرية-القطرية. صحيح أن الجيش المصري شنّ حملة واسعة للتضييق على الحريات الإعلامية، إلا أن المشير عبد الفتاح السيسي لايرى في قناة الجزيرة أداة للسياسة الخارجية القطرية وحسب، بل من الواضح أيضاً أنه لم ينسَ تغطيتها المنحازة للمواجهة الأخيرة بين الجيش والإخوان.

وكان على قطر أن تنأى بنفسها أيضاً عن مبادرات أخرى عزيزة على قلبها، بما في ذلك دعمها لحركة حماس. ففي العام 2012، كان الشيخ حمد أول زعيم عربي يزور قطاع غزة، ويتعهّد بتقديم مبلغ 400 مليون دولار لمساعدة حكومة حماس. فضلاً عن ذلك، لم يفِ الشيخ حمد قط بتعهّده بردّ الزيارة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله، ماسلّط الضوء على دعمه لفصيل فلسطيني على حساب الآخر. ونظراً إلى دعم مجلس التعاون الخليجي لعباس، كان على قطر أن تتوقّف عن دعم حماس، لأنه من شأن ذلك أن يزيد من خلافاتها مع حلفائها في مجلس التعاون الخليجي ومع السعودية على وجه التحديد. وعلى ضوء الارتدادات السلبية لسياسات والده في سورية ومصر، تجنّب الشيخ تميم تورّطاً محتملاً في الشؤون الفلسطينية حتى الآن.

أظهرت هذه الانتكاسات، فضلاً عن الخلاف السعودي-القطري، أن الدوحة عاجزة عن قيادة أجندة دبلوماسية إقليمية. وهكذا لم يعد بإمكان قطر تحمُّل تداعيات خصومتها مع المملكة العربية السعودية، ولم يبقَ أمام الشيخ تميم من خيار سوى التوصّل إلى تفاهم مع الرياض عبر التنسيق معها حول أولويات السياسية الخارجية في المستقبل. انطلاقاً من هذه القيود والمعوّقات، غالب الظن أن قطر ستسعى إلى التوصّل إلى توافق في مجلس التعاون الخليجي حول استراتيجية إقليمية، وذلك في قطيعة واضحة مع المقاربة الأحادية التي انتهجها الشيخ حمد. ومن المتوقّع أيضاً أن يشكّل تحسين العلاقات مع إيران أولوية بالنسبة إلى الشيخ تميم، نظراً إلى أن الاستقرار في الخليج الفارسي هو ضرورة استراتيجية بالنسبة إلى قطر.

سيغورد نيوباور محلّل لشؤون الشرق الأوسط مقيم في واشنطن.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

* تصليح: ذكرت النسخة السابقة خاطئاً أن حلّ أحمد الجربا مكان جورج صبرا، على رأس المعارضة الأساسية، متفوِّقاً على غسان هيتو.