في 8 آذار/مارس، أعلن الرئيس اليمني، عبدربه منصور هادي، تشكيل لجنة صياغة الدستور، الأمر الذي أثارجدلاً واسعاً في الأوساط السياسية اليمنية. في حين تعترض قوى وأحزاب سياسية عدّة، منها الحزب الاشتراكي، ومكون الشباب المستقل، وشخصيات تابعة لحزب الإصلاح، بسبب إقصائها وتهميشها من عملية التمثيل في لجنة صياغة الدستور، بينما تنتقد قوى أخرى طبيعة تشكيل اللجنة، ويحاججون أنّ أعضاءها غير مختصّين نسبيّاً في نموذج النظام الاتحادي الذي يسعى اليمن إلى اعتماده.

حدّد هادي في إعلانه أنّ لجنة صياغة الدستور ستتألّف من 17 عضواً، الأمر الذي يتناقض مع ماتم الاتفاق عليه داخل فريق بناء الدولة في مؤتمر الحوار الوطني الذي أوصى بأن تتشكّل اللجنة من ثلاثين عضواً وفقاًإلى معايير الخبرة والاختصاص. إلا أن لجنة التوفيق بمؤتمر الحوار الوطني، التي مثّلت مرجعية جميع فرق مؤتمر الحوار الوطني، قلصت قوام اللجنة إلى 17عضوا، دون معرفة أسباب هذا الإجراء. لا يوجد سوى شخص واحد من بين أعضاء اللجنة متخصّص في القانون الدستوري، بيد أنّه لم يمارس هذا التخصّص لمدة عشر سنوات، كما تشترط وثيقة الحوار. وتتنوّع مجالات تخصّص الأعضاء الآخرين، وبعضها لاعلاقة له بالدستور. مع ذلك، لم يقابل قرار هادي بانتقادات مكثفة فقط بسبب عدم مراعاة لجنة صياغة الدستور معايير الخبرة والاختصاص، بل أيضاً بسبب عدم تمثيل المكونات كافة التي تمثّلت في مؤتمر الحوار الوطني. تشكّل النساء الفئة الأفضل تمثيلاً، إذ تضمّ اللجنة المؤلّفة من 17 عضواً أربع نساء.

في غضون ذلك، تشعر المجموعات الشبابية بالتهميش، بعد أن قامت باقتراح ممثّلين محدّدين، وفقاً لمذكرة الحوار الوطني المذيلة بتوقيع رئيس الجمهورية، في تاريخ 21 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إلا أنها تفاجأت على نحو غير سارّ حين لم يعيّن أي من الأسماء التي اقترحتها في لجنة صياغة الدستور وهذا ماتضمنه بيان المجموعات الشبابية، عقب إعلان تشكيل لجنة الصياغة. وبما أن التشكيلة التي تضمّنتها لجنة صياغة الدستور جمعت بين الجانبين الحزبي والمهني، إلا إنّ انتمائهم يثير المخاوف من أن يظل الأعضاء أولياء للأحزاب التي يمثّلوها. وتتصدر حزبا المؤتمر الشعبي العام والإصلاح قائمة الأكثر تمثيلاً داخل اللجنة مقارنة بالأحزاب الأخرى. تشعر أحزاب أخرى غير ممثّلة تمثيلاً جيّداً في لجنة صياغة الدستور بالقلق أيضاً. إذ يُعتبر الحزب الاشتراكي الممثل بعضو واحد ومعه الحراك الجنوبي الانفصالي، بقيادة علي سالم البيض،أن تشكيل اللجنة يمثّل خطوة لتوجيه ضربة مميتة لهما من خلال تجاهل اقتراحاتهما.

من السمات الرئيسة للدولة اليمنية التي تصوّرها مؤتمر الحوار الوطني هو النظام الرئاسي الفدرالي. قد يتطلّب بناء نظام رئاسي الحدّ من سيطرة رئيس الجمهورية على القرار في البلاد، من خلال إبعاد السلطة المالية من يديه، لتكون من صلاحيات المجلس التشريعي للدولة الاتحادية. قد يتعين على اللجنة أيضاً صياغة مواد دستورية تحدّد شكل سلطات الدولة الاتحادية والعلاقة بين المركز والأقاليم في مجالات عدة، أبرزها القضاء، والإيرادات العامة وإعادة توزيعها، وعقود الامتيازات للثروات المعدنية. تثير هذه المسألة الأخيرة قلق ومخاوف كثيرين من النخبة السياسية في اليمن، التي دعت اللجنة إلى العمل بدقة في هذا الجانب. نظراً إلى نقص الخبرة الكافية في القانون الدستوري بين أعضاء لجنة صياغة الدستور، والنقص النسبي في إسهامات المجموعات والأحزاب الرئيسة، قد لا تتمكّن هذه المواد الضرورية من الحدّ من السلطة الرئاسية بشكلٍ كافٍ للحفاظ على نظام فدرالي في اليمن.

في حين منح الرئيس هادي لجنة صياغة الدستور مدّة سنة لإنهاء مهمّتها، وهي قابلة للتجديد في حال عجزت اللجنة عن إنجاز مهامها في تلك المدة، كان اقتراح مؤتمر الحوار الوطني الأولي قد حدّد هذه المدّة بستّة أشهر. يُنظر إلى قرار الرئيس هادي على نطاق واسع باعتباره خطوة لوضع الأحزاب السياسية المتخاصمة أمام الأمر الواقع من خلال تمديد المرحلة الانتقالية في اليمن كي يضمن بقاءه في السلطة لفترة أطول مما كان متوقّعاً. ومايُعزّز فرضية التمديد هو منح الرئيس هادي اللجنة صلاحيات الإشراف على الاستفتاء على الدستور وتنفيذ حملات توعية بما تضمنه من مواد. وستقوم اللجنة بتقديم مسودة الدستور النهائية قبل طرحها للاستفتاء إلى الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني وهي هيئة تم تشكيلها أخيرا، والتي يمكنها تسجيل اعتراضها علي أي مادة أو إعادة المسودة بكاملها مرة أخرى للجنة الصياغة إن رأت أنها تتعارض مع مقررات مؤتمر الحوار الوطني. ويقول رئيس اللجنة الدستورية في البرلمان اليمني، علي أبو حليقة، أن التمديد للجنة أمر محتّم نظراً إلى المهام الهائلة التي التي تتولّاها اللجنة ولاسيما بعد أن تم إسناد مهام إضافية إليها، منها إعداد قوانين خاصة بالأقاليم. مع ذلك، قد تُدخل إطالة مدة صياغة الدستور اليمن في فراغ تشريعي، ماسيولّد ارتباكاً حول العديد من القضايا والملفات.

من الواضح أنّ اعتبارات قد تداخلت في عملية تعيين أعضاء لجنة صياغة الدستور. وهو أمر كان يمكن تداركه بالاقتصار على الخبراء الدستوريين في اللجنة، والسياسيين في الهيئة الوطنية للرقابة. أمل اليمنيون أن يستوعب الدستور الجديد طموحاتهم وتطلعاتهم كافة، وأن يضع حداً للترهّل الذي تعيشه البلاد في ظل غياب الاستقرار السياسي، واضطراب الوضعَين الاقتصادي والأمني. وتبقى اللجنة مطالبة بالحفاظ على وحدة هشّة بين مختلف فئات الشعب اليمني. ولن يسعها تحقيق ذلك من دون مشاركة جميع الأصوات في دستور اليمن المقبل.

أشرف الفلاحي صحفي يمني.